كتابات خاصة

أشهد أن لا حبيب إلا أنت!

منذ فترة قد تبدو طويلة لم أحاول كتابة المقال، ليس لعدم أهمية كتابة المشاعر والأفكار وتحويلها من ذاكرة رأسنا إلى عبارات وكلمات تنشر في أوراق إلكترونية يصعب لمسها؛ بل لانشغال البال في أفكار عديدة شتتت الذهن وأجبرته على التركيز في كل شيء، باستثناء حياكة الكلمات ونسج الحروف من أجل تشكيل كيان جمالي كتابي يسمى (مقالا).

صحيح سابقا.. قبل سنوات بالتحديد، كنت على علاقة حميمية بالمقالات، حب جمالي فريد متبادل. ليس عشقا من طرف واحد، لذا كنت حريصا دائما على كسب ود المقالة وعشقها وتقبيلها بشكل دائم كتعبير سام عن علاقة حب أبدية بين شخصين..

وللمقالة في الماضي حكايات متعددة، أقل حكاية قد تحصد درجة الامتياز في الحب والاهتمام، وثمة حكايات فريدة مميزة تحكي واقع حب مقدس يربط بين حروف المشاعر وكلمات الأحاسيس وعبارات الأفكار اللافتة التي ما إن تكتبها أو تقرأها تشعر وكأنك تعيش أمام كائن حي محسوس تود أن تعانقه لشدة جماله وجاذبيته.

هناك عدد من الكتاب، وهم قليل، من شعرنا بهم كثيرا وأحسسنا بكلماتهم الفريدة والمميزة، ومازلنا نتذكرهم حتى اليوم، وكل ذلك لسبب واحد فقط: إجادتهم خلق الكلمات في أحسن تقويم، وصنع العبارات في أبهى الصور.

هؤلاء هم من استطاعوا أسرنا وقتل ملل القراءة لدينا وهم لا يشعرون.. واللافت أن أرواحنا التقت بهم بشكل دائم، وفي هذه اللقاءات كان الحب والود هو العامل المشترك، ولو من طرف واحد.. التقت أرواحنا ولم نر أجسادهم لبرهة.. بعضهم رحلوا عن الحياة وما زالت قلوبنا تنبض بحبهم وذاكرتنا مكدسة بذكريات جميلة مفعمة بهم وملؤها هم. ثمة مقال من شدة جاذبيته وجماله وحسن كلماته يجعلك تتناول أقراص الصمت المكسو برياحين التفكير العميق.. ولا تستطيع حينها القول سوى” أشهد أن لا حبيب ولا جميل إلا أنت!

الإبداع الكتابي نادر، والكلمات الجميلة الفريدة لا تتواجد باستمرار، فالجمال ذو قيمة لا تقدر بثمن؛ لذا لا نصل له إلا أحيانا.. ولو كان كل الكتاب يكتبون جمالا ويخطون روعة لما عرفنا الجمال الحقيقي والروعة الكتابية.. فهناك قاعدة اقتصادية مفادها” ما قل تواجده زاد ثمنه”، وهو ما ينطبق أيضا على المقال.

ما أود الإشارة إليه هنا هو انحسار وتراجع مؤشر المقال في بورصة الكتابة خلال السنوات الماضية؛ ليس بسبب عدم أهميته.. فمعظمنا يهوى العيش معه لكن من عاشروه لفترة طويلة (الكتاب) أهملوه كثيرا لأسباب خاصة بهم.. معظمها على علاقة بالانشغال بحثا عن فرص عيش في ظل وجع الحروب.. وكفاحا على البقاء في زمن أصبح الصراع فيه المهيمن والجبار والمتحكم في شؤون الخلق.

أحيانا فقط.. قد تقرأ مقالا جميلا واحدا، وتكون النتيجة هو المزيد من الجاذبية نحو الكتابة وتجاه خياطة العبارات وحياكة المشاعر والأفكار في سياق مقالة. تحس حينها أن الكاتب كتب عباراته فقط ليجعلنا نقوم نحن بالكتابة ولو عن موضوعات أخرى خارجة تماما عمن كتب ذلكم الكاتب البديع.

لدى الكثير منا _ ربما_ قناعات متأصلة بأن من يقرأ كثيرا يستطيع الكتابة ومن لا يقرأ لا يمكن له أن يكتب.. أو على الأقل لن يستطيع الكتابة بشكل جيد. وهذه قناعة منطقية أظنها مقنعة كثيرا، وبعض الظن بعيد عن المنطق.. لكني أثق بهذه القناعة كسعة قناعتي بالعودة لكتابة المقال.

المهم: للمقال وكاتبه نرسل كل ود ونبعث عبارات الجمال لكل كاتب أتقن صنعته وأبدع في حياكته.. وللمقال وآله السلام والتوفيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق