كتابات خاصة

صاحب الفخامة.. الموبايل!

يومَ ظهرَ الكمبيوتر الى الوجود، ثم وصل الى اليمن، ظللتُ متردداً في التعاطي الايجابي معه. وبر غم أن اشتغالي في الصحافة كان يفرض عليَّ علاقة طيبة وسريعة مع هذا الجهاز العجيب، الاَّ أنني ظللتُ أشعر تجاهه بالحذر والريبة والخوف، وكأنَّه غازٍ أجنبي دخيل وعدواني!

ولم تتحسَّن هذه العلاقة الاَّ في زمن متأخر جداً، بعد أن تطور سيادته جيلاً بعد جيل حتى بلغ مستوى اللابتوب. أما أنا فلم أتطور قط، فحتى بعد اقتنائي جهازاً من هذا الطراز وتعلُّمي أبجدية التعامل معه، لازلت حتى هذه اللحظة متخلفاً تقنياً بامتياز!

والأمر ذاته حدث لي مع الهاتف المحمول ” الموبايل ” الذي لازلت أتعاطى معه كما كنت أتعاطى مع هاتف ألكسندر جراهام بِل، برغم أنه صار متعدد الأشكال والأغراض والطُرُز، وهو يُغنيك عن أجهزة وأدوات عدة في شخصه الكريم (كالساعة والحاسبة والكمبيوتر والكاميرا والتقويم والمفكرة وغيرها كثير) الاَّ أن تواصلي به لايزال على منوال الارسال والاستقبال فقط!

ما علينا. المهم أن الكائنات من أمثالي لم تُخلَق للقرن الحادي والعشرين، وانما مكاني وأشباهي هو النصف الأول من القرن العشرين كأقصى تقدير!، فنحن ممن لازالوا في طور الأميَّة، لأن الأمية اليوم لا تنحصر في الأمية الأبجدية أو الثقافية أو السياسية أو غيرها، انما الأمية اليوم هي الأمية التقنية.

لقد مرَّ العقل البشري بمراحل تطور عدة، أبرزها المراحل الأربع الأساسية التي تخلَّق فيها العقل البشري من طور العقل الأسطوري، الى الديني، ثم الفلسفي، وأخيراً العقل العلمي. وقد كان تطوُّر الأخير اليوم – في رأيي الشخصي – الى العقل الاليكتروني كأعلى تجلِّيات العقل العلمي المعروفة حتى اللحظة.

فالإنسان العاقل اليوم صار ذا دماغ مُصمَّم فعلاً على هذا النحو المُتَّسِم بالطابع الاليكتروني، والأجيال المتجددة خلال العقود القليلة المنصرمة صارت اليكترونية التفكير والتدبير والأدوات والخطوات، حتى لتكاد تكون أقرب ملمحاً وهويةً الى الروبوت!

ويعتقد مُؤرِّخو الانسان – في منواله الجَدَلي والتاريخي – أن الكتابة هي أعظم اختراع في تاريخ البشرية. وهذا مفهوم بدهي لا أجد جدالاً فيه البتة. كما يرون أيضاً أن اكتشاف النار وابتكار العجلة قد أسهما – مع الكتابة بالطبع – في احداث انقلاب ضخم للغاية في مجرى هذا التاريخ على هيئة فتوحات تحولية شديدة الحِدَّة والجِدَّة شكلاً ومضموناً.

ومرةً أخرى أعتقد جازماً أن هذه المقولة ناقصة وقديمة ما لم تُضَف اليها عبارة: … والكمبيوتر والموبايل!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق