كتابات خاصة

حراك بلا بوصلة

بلال الطيب

انتجت تلك الحرب طرفاً سياسياً يريد الانتقام، ويسعى للثأر، لتأتي الانتكاسات الاقتصادية المُتلاحقة وترفع من وتيرة ذلك الشعور أكثر فأكثر، وأدت في النهاية إلى اندلاع مظاهرات الحراك السياسي كرد فعل على فشل الوحدة المأزق، وذلك بعد «17» عاماً من تحقيقها.

أقدم علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض على الوحدة من مُنطلق عاطفي بحت، وسط ظروف محلية ودولية فرضت عليهما تحقيق ذلك، على اعتبار أنها – أي الوحدة – كانت شعار النظامين، ومطلبهما التاريخي، افتقر الرجلان إلى حسن النية، والثقة بالآخر، ودخلا بعد أشهر عسل مَعدودة في صراع سلطوي، تاجروا من خلاله بأحلام البسطاء ومشاعرهم، ظلت الوحدة مرهونة ببقائهم، وظل كل طرف يتربص بالأخر حتى اشتعلت الحرب، وسفكت الدماء.

كانت حرب «صيف 1994م» بداية مسار الإعلان عن انتهاء الوحدة بمفهومها الطوعي، ونبل أهدافها، حيث دخل اليمن – كما أشار مصطفى النعمان – مرحلة الانفصال النفسي بممارسات انتقامية ضد المهزومين، رافقها أداء سياسي غير حصيف تجاه شركاء الوحدة الحقيقيين، لتبدأ بعد ذلك سلسلة عقيمة من القرارات الارتجالية التي بدأت بالإقصاء، وانتهت بشعور جنوبي غاضب تزايد إلى أن بلغ حد اعتبار الأمر احتلالاً.
انتجت تلك الحرب طرفاً سياسياً يريد الانتقام، ويسعى للثأر، لتأتي الانتكاسات الاقتصادية المُتلاحقة وترفع من وتيرة ذلك الشعور أكثر فأكثر، وأدت في النهاية إلى اندلاع مظاهرات الحراك السياسي كرد فعل على فشل الوحدة المأزق، وذلك بعد «17» عاماً من تحقيقها.
أسس العميد المتقاعد ناصر علي النوبة «الحراك الجنوبي»، وقاد ورفاقه في منتصف العام «2007م» عدة مسيرات مطلبية، كانت في البداية احتجاجاً على إخفاق الحكومة في مُعالجة أوضاع المتضررين من مُتقاعدين ومنقطعين عن الخدمة في القطاعين العسكري والأمني، ثم تحولت إلى مسيرات صاخبة داعية إلى المساواة، وإزالة عوامل التهميش والنظرة الفوقية، ومنح الجنوب سلطة أكبر في عملية صنع القرارات المحلية، والمزيد من السيطرة على موارده الاقتصادية، ومعالجة المشاكل العالقة والمتراكمة منذ إعلان الوحدة، وبعد حرب «صيف 1994م» تحديداً.
تحولت «القضية الجنوبية» بفعل التحركات الميدانية إلى مشروع مُسيطر، يمسك بزمامه أكثر من طرف – «أصلي»، و«تقليد» – واتجه «الحراك الجنوبي» بشكل مُطَّرد، وبفعل سياسات النظام الخاطئة نحو التجذّر والاستقواء بالداخل والخارج، ووصل إلى أقصى درجات الخطورة بتجاوزه ذلك التأطير المطلبي إلى رفع شعارات انفصالية ذات بعد مناطقي مقيت، واستهداف مُباشر ومقصود لممتلكات مواطنين شماليين، وهكذا صار البعد الانفصالي جلياً تحت مسمى «الجنوب العربي»، وهي تسمية انجليزية صرفة، ولم أجد لها حضور في كتاب التاريخ إلا في المراجع التي وثقت للسنوات الأخيرة للاحتلال البريطاني للجنوب.
رفض الرئيس صالح حينها جميع الحلول التي وضعت بين يديه، كما أنَّه لم يتبن أي مُعالجات للاختلالات الاقتصادية الكبيرة، ولم يتقارب مع قوى المعارضة أو أقام معها شراكة حقيقية لإنقاذ البلاد والعباد، حتى فوجئ بـ «الثورة الشبابية الشعبية السلمية» التي لم يكن يتوقع أن تصمد في وجهه، وأن تنتهي بطي صفحته في الحكم وإلى الأبد.
كان «الحراكيون» ينظرون لعلي سالم البيض على أنَّه بطل قضيتهم في المنفى، يرفعون صوره في مسيراتهم كرئيس لجمهوريتهم المُستلبة، استغل الأخير ذلك، وعاود الظهور بدعم من جمهورية إيران الإسلامية، رافعاً شعار «فك الارتباط»، وما هي إلا سنوات معدودة حتى خفت ذكره؛ وتلاشت طموحاته مع بروز قيادات جنوبية جديدة مدعومة ومَفروضة من قبل الإمارات العربية المُتحدة – من دعمته بالأمس، والتي انتهجت سياسة «النفس الطويل»، وهي سياسة استحواذية مضمونها الانفصال – أو بمعنى أصح تقسيم الجنوب – بشكل مرحلي؛ كي لا يتحد فرقاء اليمن حول خيار الوحدة كما اتحدوا من قبل.
مُقابل تلك النزعة الانفصالية المُتطرفة ظهر من يرى أنَّ «القضية الجنوبية» حقيقية غير مُفتعلة، وأنَّ حلها الجذري والسريع ذو أهمية لما له من حيوية وطنية تخدم قضية الوحدة برمتها، بما تحتاجه من حلول سياسية شاملة تؤدي إلى إصلاح مسار الوحدة، وإزالة آثار حرب «صيف 1994م»، وتقود إلى «الاندماج الوطني» في سياق «المصالحة والتسامح.. بآفاق وطنية شاملة»، وفي إطار «مشروع للإصلاح السياسي والوطني الشامل».
وبالفعل تمت مناقشة بقاء الوحدة فوق طاولة «مؤتمر الحوار الوطني»، على اعتبار أن ليس لديها من خيار سوى الاستمرار؛ لأنها – حد توصيف غالبية أعضاء ذلك المؤتمر – صمام أمان لاستقرار اليمن ومحيطها الإقليمي، والأهم أنَّ المتحاورين دعوا إلى محاسبة ناهبي الاراضي العامة والخاصة، وإعادتها الى اصحابها باعتبارهم افراد معروفين، وسبق لـ «تقرير هلال وباصرة» أن حددهم بـ «16» مُتنفذا.
والأكثر أهمية أنَّ دول العالم الأساسية اجتمعت حينها – ومن النادر أن تجتمع – حول دعم هذا التوجه – وهو نفسه الإجماع الذي أيد وحدة اليمن عام «1990م»، وأيد استمرارها خلال عامي «1993 / 1994م» – لاعتبارات جمة؛ أهمها أنَّ أمر الوحدة معقود على المصالح العالمية ولا يمكن التفريط فيها، ولأن اليمن يقع على طريق الثروات، فضلاً عن كونه يتمتع بقدر من الثروة النفطية والغازية، وبالتالي فان استقراره عنصر حيوي للغاية، ويهم الجميع.
في غمرة انشغال «الأطراف المعنية» اليمنية بالحوار، وصياغة «دستور اليمن الجديد»، تسلل الإماميون الجدد، وقادوا جحافلهم المُتوحشة للقضاء على الجمهورية اليمنية، وهي لم تحقق أهدافها المُعلنة بعد، وبدعم كبير من قبل حُثالة العرب وإيران، وهو الأمر الذي أربك المشهد، وأدخل اليمن واليمنيين في دوامة مُنهكة لم يخرجوا منها حتى اللحظة، وللموضوع بقية.
المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن سياسة (يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها الأصلي.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى