كتابات خاصة

سأعلمك يا طفلي

غادة العبسي

إلى طفلي الروح السابح في عالم الغيب..أعلم أنك تستعجل المجيئ إلى عالمنا..وتشتاق للحياة في هذا الكوكب..وأعلم أنك ربما تحقد علي في روحك؛ ﻷني أؤجل مجيئك، ولكني أرجوك تمهل فأمك تحبك وتشتاق رؤيتك. 

إلى طفلي الروح السابح في عالم الغيب..أعلم أنك تستعجل المجيئ إلى عالمنا..وتشتاق للحياة في هذا الكوكب..وأعلم أنك ربما تحقد علي في روحك؛ ﻷني أؤجل مجيئك، ولكني أرجوك تمهل فأمك تحبك وتشتاق رؤيتك. 
ياااه ياصغيري كم تخيلتك بين مقامطك بعد حمامك الصباحي الدافئ يشرق العالم من عينيك وتبتسم الشمس معك، ويسترق الكون النظر إليك، ولكني لن أسمح بمجيئك إلى هذا العالم المملؤ بذنوب البشر، لن أسمح أن تأتي ليكون لقبك اليتيم، أو ليكون جسدك الغض مأوى لرصاصة لا أعرف مصدرها، لن أسمح لأنانيتي أن تجلبك إلى وطن يبحث عن ملجأ يبحث عن تأشيرة خروج منه.
 هدئ من روعك يا صغيري..في هذه البقعة من الأرض التي توسدنا ترابها حبا والتحفنا سماءها عشقا، يمتهنون الحقد بحرفية عالية ويمارسون الموت وجبة يومية، يقتلون كل شيء حتى الأحلام الصغيرة التي يمارسها الصغار مثلك، يقتلون الحب قبل أن يولد ويعدونه رجسا من عمل النقاء..يقتلون العصافير ﻷن أصواتها تذكرهم ببشاعة وجودهم.! 
دعني أخبرك ماذا قال أحمد الطفل الذي لا يتجاوز عمره السابعة، كان أحمد نازحا مع اسرته حين سلمت صنعاء لحثالة الحوثي، وحين عاد إلى منزله وجد عصفور صغير وقد فارق الحياة دخل يحمله بين يديه حدثني قائلا( الله يلعنهم الحوثيين دمروا كل شيء حتى ما تركوا فرصة للعصفور يهرب..قتلوه) قالها بمرارة ﻷنه يحب الحياة وتمنى لو تركوا للعصفور فرصة للهرب فرصة للحياة. 
هذا هو الواقع الذي نعيشه يا صغيري، لم تعد لحقيبة المدرسة معنى سوى الحلم المستحيل، رفاقك الصغار يشتاقون لتحية العلم، ولصوت المعلم يأتي حاملا صداه ليزرعه في أرواحهم، وهو يقول استعدوا لتحية العلم، فالعلم لم يعد يرفرف يا صغيري، نحن الكبار نكذب أننا بخير، وأننا أقوياء وصامدون، نحن مجهدون يا صغيري متعبون قوانا تخور وأرواحنا تشنق في متاهات الضياع، نبكي كما يفعل أقرانك نبكي ونمسح دموعنا بظاهر أكفنا كما يفعلون تماما، لكنا نبكي حين يحتضنا الظلام ونحتضن وسائدنا..لا نملك الشجاعة مثلكم لنبكي بأصوات مرتفعة.
 لا أريد أن تأتي ويسرقك مني الوجع والخوف ورصاصة تخرج من بندقية، تدعي زورا وبهتانا أنا تقنص يهوديا وأمريكيا، ﻻ أريد لسمعك وعقلك أن يتلوث بتكبيرهم المعجون بالدم، ﻷ أريد أن تعتقد أن الله هو من يقتل وهو من يوجع وهو من يدمر. 
ستأتي أقسم لك أن ستأتي وستنمو بين أحشائي، وسيستمع قلبك لصوت قلبي وهو يخبره الحياة تنتظرك، وفي كل فجر سنستمع الأذان معا، وستدرك أن الله هو الحق والحب والسلام. وحين تأتي إلى الحياة وأضمك إلى صدري سأعلمك كيف تنطق اسم الله وكيف تنطق يمن، وحين تمشي سأعلمك دروب الحب والسلام، وحين تكبر سأشتري لك علبة ألوان وسأعلمك كيف تمسك القلم بثبات مثل أمك، وكيف ترسم وطن يبتسم، وفراشة تطير حرة، وعلم يرفرف بلا عبارات موت، وحين تكبر أكثر سأعلمك كيف تكون أنت أنت وإن وقف العالم بوجهك.
سأعلمك أبجديات الوطن، وكيف تكون وطن لتبني وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق