فكر وثقافة

«النقش على الجسد» مهنة تستقطب الفتيات في اليمن خلال الحرب

النقش على الجسد فن شعبي عرفته كثير من المجتمعات الشرقية منذ آلاف السنين
يمن مونيتور/القدس العربي

صارت نورا عبد العليم (23 سنة) من أشهر الفتيات احترافاً للنقش على الجسد في الأوساط النسوية في صنعاء، وتمكنت خلال الحرب من تعزيز شهرتها مستفيدة من مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لتجربتها وتعزيز دخلها، مثل كثير من الفتيات والسيدات اللواتي تزايد إقبالهن في اليمن على احتراف هذا المجال كمهنة تطورت واتسعت خلال الحرب المستعرة هناك.
وتقول نورا إن عملها في هذا المجال وفرّ لها مصدر دخل للإنفاق على عائلتها بعد توقف رواتب أبيها وأمها جراء الحرب.
النقش على الجسد فن شعبي عرفته كثير من المجتمعات الشرقية منذ آلاف السنين، وانتقل معها عبر العصور، وصار له اليوم في كثير من هذه المجتمعات تاريخ يُحكى وخصوصية تُروى؛ ولعل من أبرز ملامح خصوصيته في البلدان العربية وبلدان شبه الجزيرة العربية على وجه الخصوص، إنه تجاوز التقاليد الشعبية ممتزجاً بالطقوس العصرية.
«الحرب عززت من حضور النساء في هذا المجال، حيث جعلت هَمّ الكثير من النساء أن تجد عملاً شريفاً يُدر عليها دخلاً يغنيها عن الحاجة لأحد، وبالنسبة لي؛ فأنا مؤمنة أن هذا العمل فن وأي إنسان يمارسه هو فنان» توضح نورا عبد العليم لـ «القدس العربي».
وعلاقة النساء في بلدان الجزيرة العربية بهذا الفن قديمة وارتبطت منذ آلاف السنين بقواعد وعادات وتقاليد واءمت بين هذا الفن والثقافة المحافظة للمجتمع القبلي، وهو ما يؤكد أصالته، وانتظامه في تقاليد تؤكد أهمية هذا الفن وقيمته الاجتماعية وخصوصية علاقة النساء به؛ وهي علاقة لم تقصر على مناسبة معينة بل امتدت إلى كل المناسبات السعيدة، وبعدما كانت حكرا على فئة معينة من النساء في مناسبات معينة صار متاحاً لكل النساء في كل الأوقات.
ويقول الباحث اليمني في التراث الشعبي أكرم الصلوي: «فن النقش على الجسد قديم تؤكد عراقته العربية كثير من اللُقى الأثرية بما في ذلك الأواني الفخارية التي كانت تستخدم في تجهيز عجينة الحناء أو الخضاب في اليمن القديم. وعلى الرغم من الأصالة المرتبطة بهذا الفن إلا أنه ظل يتجدد؛ فبقي فناً جديداً بكل المقاييس ساعد على تطويره مواكبة تطوير مستلزماته من قبل بيوت الزينة ودور التجميل العصرية؛ فتغيرت أدواته وصبغاته ونقوشه التي صارت تعتمد في الغالب على الحناء بصبغات وألوان صناعية». ‏
وحسب مؤلف كتاب «رحلة الحناء من الطبيعة إلى الفن» فإن الحناء نبات يخضبون به الأطراف. وجاء في دائرة المعارف الإسلامية أن الحناء من فصيلة نباتية من ذوات الفلقتين وأجناسها كثيرة تبلغ 25 جنساً وكثيرة أنواعها أيضاً منها البري والطبي والصناعي والتزييني وشجيرته طويلة رفيعة تبلغ من الارتفاع بين 9 و12 قدماً، وقد تبلغ بالفعل مبلغ الشجرة، ولها زهر أبيض عنقودي عطر وأوراقه ناعمة كاملة غنية بالمادة الصبغية».
ومن (ليلة الحناء) حسب كثير من الباحثين، أخذت تتطور هذه النقوش لتتجاوز الكفين إلى القدمين، وتتجاوز مناسبة العُرس إلى مناسبات فرائحية أخرى. وبجانب نقوش الحناء التي ظلت مقتصرة على الكفين والقدمين قديماً كانت هناك صبغات أخرى تستخدمها النساء في تزيين الوجه ومساحة من الذراعين، إنه النقش باستخدام مادة «الخضاب»؛ ولعل هذا النوع من النقش يعد الفصل الأكثر متعة في رواية مسيرة فن النقش على جسد المرأة العربية. و»الخضاب» هو مسحوق أسود كان يستخلص شعبياً من شجرة من فصيلة الحنائيات تُعرف باسم (العفص) أو (السكة) حيث تؤخذ بعض أوراقها وأزهارها وتجفف وتسحق وتمزج بمواد صبغية وعطرية تعطي النقوش لونا ورائحة عطرية، إلا أنه لم يعد مستخدماً كثيراُ في الوقت الراهن وصار الحناء الأسود وصبغات صناعية عديدة تستخدم غالباً مع بقاء بعض النسوة ممن يفضلن النقش بالخضاب أو الحناء.
بدأت نورا عبد العليم، تمارس النقش على الجسد في سن مبكرة من طفولتها كهواية بدأت بالتمرس عليها في أيدي شقيقاتها وقريباتها وزميلاتها في المدرسة، ومع الوقت تطورت الهواية إلى احتراف، حتى أصبحت اليوم من أشهر محترفات هذا المجال بصنعاء خلال فترة الحرب: «أي عمل تريد أن تحترفه عليك أن تمارسه باستمرار من أجل الوصول إلى مرحلة من الاتقان وتطوير مَلَكة الإبداع، وهذا ما ساعدني كثيراً، لاسيما وأنني شغوفة بالرسم ومعه النقش وأمارسه باستمرار» تقول نورا موضحة إنها تعاني، في هذا المجال، من نظرة بعض الناس الدونية لـ(المُنقشة) أو الشارعة (تسمية يمنية لمَن تحترف هذه المهنة) أو مختصة التجميل باعتبارهم من فئة دنيا يسمونها في اليمن (المزاينة)؛ إلا أن هذه النظرة تراجعت كثيراً في الفترة الأخيرة بسبب إقبال الفتيات على هذا المجال من جميع الفئات مع اتساع حضور النساء في معظم مجالات العمل مع تدهور الأحوال المعيشية وانفتاح المجتمع، حتى أصبح هذا العمل مهنة مثل بقية المهن التي تلتحق بها النساء.
وكان النقش على الجسد الأنثوي في اليمن قديماً – حسب مصادر متعددة – عبارة عن (نقاط) بشكل دائري توضع حول الأصابع وبشكل متجاور على ظاهر الكف كانت تأخذ أشكالا نباتية تصل إلى منتصف الساعد فقط، وكان من غير اللائق ـ حينها ـ أن ترتفع عن هذا الحد؛ بالإضافة إلى رسم نقاط على أصابع القدم وحول حافتها، ورسم زهرة على الجبين ونقاط حول الحاجبين وفي الخدين والرقبة وذلك للمتزوجات فقط، أما بالنسبة للعازبات فيتزيّن بالنقوش البسيطة في الأعياد والأعراس فقط، ويكون النقش بالنسبة لهن في الأصابع لا غير، وهو ما تغير حالياً وأصبح التزين بهذه النقوش مُتاحاً لكل الفتيات والنساء وفي أي مناسبة.
تزايد واتساع دائرة الولع بهذا الفن أدى إلى ارتفاع أجور (المُنقّشات) في الوقت الذي كانت فيه الحالة الاقتصادية للمجتمع تتراجع وتحديداً منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الفائت وانتهاءً بفترة الحرب المستعرة هناك، والتي ازدادت فيها الأحوال المعيشية سوءاً، كل هذا شجع فتيات ونساء من غير المنتميات لشريحة (المزاينة) للعمل في هذا المجال تلتها مرحلة إخراج هذه المهنة من بيوت (المُنقّشات) إلى محلات الكوافير، وهي مرحلة تبعتها مراحل وصلت بهذه المهنة إلى أن صارت مشاعة تمارسها من تريد من اليمنيات وغيرهن في البلد، بل صارت هناك معاهد تنظم دورات تدريبية في النقش على الجسد لمن ترغب من النساء والفتيات.
لم يتوقف التطور عند الحد بل امتد لبقية عناصر هذا الفن بما فيها صبغات وكذلك أدوات النقش والنقوش نفسها التي لم تكن بمنأى عن هذا التطور؛ ومن شوك السدر وحتى الابرة قديماً صار يستخدم حالياً – وفق نوار عبد العليم – فرشاة صغيرة جداً مع استخدام (القِمع) فيما يخص الحناء. كما أن النقوش تطورت أيضاً، وصار لكل منطقة في الجسد نقوشها الخاصة من الأشكال النباتية أو العبارات أو أشكال ورسوم مختلفة بعضها صار متوفراً في تصاميم بلاستيكية أو ورقية تُباع في الأسواق، وأحيانا تتولى (المُنقّشة) رسم ما تريد على الجسد من أشكال قد تكون رسوماً أو كلمات أو غير ذلك، بل لم يعد أمام المرأة التي ترغب في التزيّن بالنقش سوى اختيار الشكل الذي يتناسب مع لون بشرتها وشكلها وذوقها ومناسبتها، وفي هذا السياق تطورت، أيضاً، مساحات النقش على الجسد.
تقول (ياسمين ـ 24 سنة) وهي من الفتيات اللواتي بدأن ممارسة النقش على الجسد خلال الحرب: «لم يعد هناك مجال للمقارنة بين النقش في الأمس واليوم بما في ذلك أماكن النقش على الجسد التي اتسعت مساحتها ومناطقها لتتعدى اليد والقدم إلى المعصم والعنق فتجاوزت اليد إلى الذراع كلها حتى أعلى الكتف وتجاوزت القدم لتشمل الساق كلها من الأصابع إلى أعلى الفخذ، وأصبحت النساء المتزوجات والعرائس ينقشن (رسوما) على الصدر في شكل أساور وفي مناطق مختلفة من الجسد بأشكال مختلفة… فالنقش بات حسب الطلب».
وعلى الرغم من الحضور الذي يمثله هذا الفن في التراث العربي إلا أن توثيق تاريخه لم ينل الدراسة الكافية؛ لدرجة ما زالت المصادر مختلفة في تحديد أصول هذا التراث. حيث تقول بعض المصار إن هذا الفن نشأ في الهند وانتقل إلى بلدان جزيرة العرب والبلاد المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط عبر قوافل التجارة خلال قرون، فيما ترى مصادر أخرى أن بدايته تعود لممارسات التعذيب في السجون التي كانت تترك آثاراً في الجسم تطور بها الحال إلى أن صارت ملمحاً جمالياً نسائياً، إلا أن أدلة توكيد كل هذه المعلومات لم تظهر بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق