أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتحليلتراجم وتحليلات

بعد الهجمات الإيرانية.. هل تعيد مسقط رسم حدود “الحياد” وتضع شروطاً جديدة أمام تحركات الحوثيين؟

يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:

لم تكن سلطنة عُمان حليفاً لإيران بالمعنى الاستراتيجي أو العسكري، لكنها شكّلت طوال عقود «الاستثناء الخليجي» في علاقة طهران بجيرانها العرب. فقد بنت مسقط مع الجمهورية الإسلامية شراكة براغماتية أتاحت للطرفين إدارة الخلافات، ومنحت عُمان دور الوسيط الموثوق بين إيران والولايات المتحدة ودول الخليج. غير أن الحرب التي بدأت بالهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 وضعت هذه العلاقة أمام اختبار غير مسبوق.

و سُجّل أول هجوم معلن على سلطنة عُمان في الأول من مارس/آذار، عندما أصابت طائرتان مسيّرتان ميناء الدقم وأصيب عامل أجنبي، قبل أن تتكرر الهجمات على موانئ ومنشآت ومناطق عُمانية. وكان ذلك التحول مهماً؛ لأن مسقط اعتادت النظر إلى علاقتها الخاصة بطهران باعتبارها مظلة تخفف تعرضها للارتدادات العسكرية للصراعات الإقليمية.

لكن الأهم بالنسبة إلى اليمن ليس تضرر العلاقات الإيرانية–العُمانية في حد ذاته، بل الطريقة التي يمكن أن يغيّر بها ذلك حسابات مسقط تجاه الحوثيين. فالسلطنة تستضيف الوفد السياسي للجماعة منذ 2016، وتوفر له قناة اتصال مع القوى الدولية، كما اضطلعت بدور الوسيط في المفاوضات مع السعودية والحكومة اليمنية والولايات المتحدة. ولذلك فإن أي إعادة تعريف عُمانية للعلاقة مع إيران ستنعكس، بدرجات متفاوتة، على المجال السياسي والدبلوماسي واللوجستي المتاح للحوثيين.

أولاً: توتر العلاقات الإيرانية -العُمانية

ترجع جذور العلاقة الخاصة بين مسقط وطهران إلى ما قبل الثورة الخمينية. فقد تدخلت إيران في عهد الشاه، ابتداءً من عام 1973، لمساندة السلطنة في مواجهة تمرد ظفار، وشاركت قوات إيرانية في حماية طرق الإمداد والمواقع العسكرية العُمانية. وبعد ثورة 1979، حافظت مسقط على علاقاتها بطهران، واتخذت موقفاً متوازناً خلال الحرب العراقية–الإيرانية، بخلاف عدد من دول الخليج التي مالت بوضوح إلى دعم بغداد.

وتعزز هذا النهج لاحقاً عبر دور مسقط في إنشاء القناة السرية التي مهدت للاتفاق النووي عام 2015، وفي اليمن، كانت السلطنة الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تنضم إلى التحالف العسكري الذي قادته السعودية في مارس/آذار 2015، وفضّلت العمل من خلال الوساطة والاتصالات غير المعلنة. واستضافتها منذ ذلك العام مسؤولين حوثيين ومكتباً للحركة أُنشئ، وفق مصدر دبلوماسي يمني تحدث لـ”يمن مونيتور”، بطلب أمريكي وإيراني وأوروبي لتوفير قناة اتصال خلفية مع قيادتها، ووفرت لهم بيئة آمنة لإدارة اتصالاتهم الدولية.

ومع ذلك، لم تكن السياسة العُمانية انحيازاً أيديولوجياً لإيران، بل جزءاً من استراتيجية توازن شملت أيضاً علاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة، تجنب تحويل عُمان إلى ساحة للصراع، وليس التزاماً بالوقوف إلى جانب إيران. لذلك، حين تحولت إيران من شريك يسهم في أمن عُمان إلى مصدر تهديد عبر استهداف أراضيها ومنازعتها إدارة الملاحة في مياهها الإقليمية، بدأت العلاقة الخاصة بين البلدين تدخل مرحلة مختلفة تحكمها اعتبارات السيادة والأمن المباشر، وهو ما يفسّر التحوّل الراهن.

 

البند الخامس ومعركة تفسير السيادة

كرّس البند الخامس من مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية الموقعة في إسلام آباد في 17 يونيو/حزيران 2026 الخلاف المتنامي حول مضيق هرمز. فقد تعهدت إيران ببذل «أفضل جهودها» لضمان المرور الآمن والمجاني للسفن التجارية لمدة ستين يوماً، وإعادة حركة الملاحة تدريجياً خلال ثلاثين يوماً بعد إزالة العوائق العسكرية والتقنية والألغام. كما ألزم البند طهران بالدخول في حوار مع عُمان بشأن الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المضيق، بالتشاور مع الدول الخليجية الساحلية ووفق القانون الدولي.

لكن الصياغة الغامضة أتاحت تفسيرين متناقضين. تعاملت طهران معها بوصفها اعترافاً أمريكياً بدور إيراني مهيمن في إدارة كامل المضيق، مع تعليق الرسوم لمدة ستين يوماً فقط. في المقابل، رأت واشنطن ودول الخليج أن النص يحمّل إيران مسؤولية تسهيل المرور وإزالة الألغام، من دون منحها سلطة سياسية أو قانونية على المياه العُمانية أو على الملاحة الدولية.

ووفق المنظمة البحرية الدولية، تولت إيران تنظيم المسار الشمالي داخل مياهها، بينما تولت عُمان تنظيم المسار الجنوبي داخل مياهها الإقليمية. ولا تمنح هذه الترتيبات الطارئة أياً منهما حق ملكية المضيق أو منع المرور فيه على نحو مطلق.

 

من شراكة إدارة المضيق إلى نزاع عليه

في 23 يونيو/حزيران، اتفقت طهران ومسقط على مواصلة الحوار بشأن الملاحة والخدمات البحرية، وتشكيل مجموعة عمل مشتركة، مع تأكيد حرية الملاحة واحترام سيادة الدولتين على مياههما الإقليمية. لكن هذا التوافق لم يصمد طويلاً. فقد دعمت الولايات المتحدة استخدام مسار جنوبي يمر عبر المياه العُمانية، بينما أصرت إيران على دفع السفن نحو مسار أقرب إلى سواحلها يخضع لتعليماتها وموافقاتها المسبقة.

ومع بدء تفكك مذكرة إسلام آباد في 7 يوليو/تموز، عقب إلغاء واشنطن ترخيصاً يسمح بتصدير النفط الإيراني، كثّفت طهران اعتراض السفن التي استخدمت المسار العُماني، ووصفت هذا الممر بأنه مشروع أمريكي يهدف إلى انتزاع السيطرة على المضيق منها. ولم يعد الخلاف تقنياً حول تنظيم حركة السفن، بل أصبح صراعاً على من يملك حق وضع قواعد العبور وتحديد مفهوم السيادة في الممر البحري. واندلع النصف الثاني من الحرب مجدداً بين الإيرانيين والأمريكيين التي بدأت في فبراير وإن كانت أقل حدة.

وبلغ التوتر مرحلة أكثر خطورة عقب زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط في 11 يوليو لمناقشة ترتيبات المضيق. فبعد ساعات من انتهاء الزيارة، استُهدفت مواقع في محافظتي مسندم والوسطى. وفي اليوم التالي، استدعت الخارجية العُمانية السفير الإيراني وسلّمته مذكرة احتجاج رسمية، ووصفت الهجمات بأنها «أعمال غير مسؤولة»، مطالبة باحترام سيادة الدول وحسن الجوار وعدم التدخل. وقد مثّل هذا الاحتجاج واحداً من أشد المواقف العُمانية تجاه طهران خلال تاريخ العلاقة الحديثة.

وفي 14 يوليو، أصدرت مسقط بياناً منفصلاً أكدت فيه التزامها باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتمسكها باستعادة حرية الملاحة وفق القانون الدولي. لم تسمِّ إيران مباشرة، لكن توقيت البيان ومضمونه شكّلا رداً قانونياً واضحاً على محاولة طهران تحويل تفوقها العسكري المؤقت إلى حق سيادي دائم في المضيق.

 

خطاب إيراني يتجاوز الخلاف الملاحي

يعكس الخطاب الصادر عن شخصيات إيرانية نافذة أن الخلاف لم يعد محصوراً في سلوك وحدات الحرس الثوري. فقد احتفى رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي بما سماه «إفشال الممر الجنوبي»، مقدماً إغلاق المسار العُماني باعتباره انتصاراً على مشروع أمريكي هدفه تقييد إيران.

وكان مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي أكثر وضوحاً، إذ قال إن مضيق هرمز «ملك لإيران»، وإنه أصبح خاضعاً للسيادة الإيرانية بقرار المرشد، باعتباره واحداً من إنجازات حرب الأربعين يوماً. كما وصف السماح بمرور جزء من حركة السفن قرب السواحل العُمانية بأنه تفريط في أصل وطني إيراني.

الأكثر استفزازاً لمسقط كان استدعاء ولايتي سردية تاريخية أبوية، تحدث فيها عن تحرير شاه عباس لمسقط من البرتغاليين، وتدخل نادر شاه لإعادة سلطان عُمان إلى الحكم. فعوضاً عن تقديم العلاقة بوصفها شراكة بين دولتين متساويتين، صاغها باعتبارها علاقة حماية إيرانية تاريخية لعُمان. وبذلك جرّد السلطنة سياسياً من الندية التي حافظت عليها في علاقتها بطهران، حتى وهو يتحدث عن «احترامها».

هذه التصريحات لا تعني بالضرورة أن القيادة الإيرانية اتخذت قراراً نهائياً بقطع العلاقة مع مسقط، لكنها تكشف عن تيار مؤثر يريد تثبيت نتائج الحرب في صورة حق إيراني مكتسب. وقال دبلوماسي خليجي لـ”يمن مونيتور” المطلع على الرؤية العُمانية إن هذا “تصور يتعارض جذرياً مع العقيدة العُمانية القائمة على سيادة الدولة ورفض الهيمنة الإقليمية، سواء صدرت عن إيران أو عن قوى أخرى”.

 

ثانياً: التحوّل العُماني في الملف اليمني

ليس التقارب العُماني–السعودي وليد الخلاف الأخير في مضيق هرمز. حيث ظهرت بوادره بوضوح خلال أزمة حضرموت والمهرة أواخر 2025 ومطلع 2026، عندما تقاطعت مصالح البلدين في منع القوى الانفصالية المدعومة من الإمارات من فرض سيطرة دائمة على شرقي اليمن. وترى كل من الرياض ومسقط أن قيام كيان منفصل ومسلح على حدودهما، خارج مؤسسات الدولة اليمنية، يمثل تهديداً طويل الأمد.

وتعزز هذا الاتجاه خلال زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى فرنسا في 29 يونيو. إذ أكد البيان المشترك العُماني–الفرنسي الدعم الكامل لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، وحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، والحق غير المشروط في المرور العابر وفق قانون البحار، إلى جانب التعاون في إزالة الألغام. وهذه صياغة تتجاوز الحياد التقليدي إلى تحديد مرجعية واضحة: الشرعية اليمنية في البر، والقانون الدولي في البحر.

وقال الدبلوماسي الخليجي “لا يعني ذلك أن عُمان تخلت عن سياستها المتوازنة أو أنها تستعد للانضمام إلى مواجهة عسكرية مع إيران الأصح أنها تنتقل من «الحياد بين الأطراف» إلى «الحياد المشروط باحترام السيادة»”. فمسقط ستواصل التحدث مع طهران، لكنها لم تعد مستعدة لمنح العلاقة الخاصة حصانة تتقدم على أمن أراضيها وموانئها ومياهها الإقليمية.

 

الرحلات الإيرانية واختبار السيادة في اليمن

مثّل وصول طائرة إيرانية إلى صنعاء في 3 يوليو/تموز أول اختبار مباشر لهذا التحول في الساحة اليمنية. لم تكن الرحلة مجرد عملية نقل مدني؛ فقد أقلّت وفداً حوثياً إلى طهران، ورافقتها تصريحات إيرانية وحوثية عن تدشين خط جوي مباشر وعدم الاعتراف بسلطة الحكومة اليمنية على الرحلات إلى صنعاء. وبذلك تحولت الطائرة إلى أداة لإظهار أن الحوثيين قادرون على إقامة علاقة دولة بدولة مع طهران، متجاوزين الحكومة المعترف بها والسعودية.

وفي 13 يوليو، استهدفت القوات الحكومية اليمنية، بدعم من التحالف، مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية كانت تقل الوفد الحوثي العائد من الهبوط، فحولت الطائرة مسارها إلى الحديدة. ورد الحوثيون بقصف مطار أبها بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في أخطر تصعيد مع السعودية منذ هدنة 2022.

جاء الموقف العُماني هذه المرة أقرب إلى السعودية. ففي 14 يوليو أدانت مسقط «التهديدات الصاروخية» التي تعرضت لها المنطقة الجنوبية السعودية، وأعلنت تضامنها مع الإجراءات التي تتخذها المملكة لصون سيادتها وأمنها واستقرارها. ورغم أن البيان لم يسمِّ الحوثيين، فإن الفاعل والسياق كانا واضحين. كما أضافت مسقط عبارة لافتة عن ضرورة أن يحفظ الحل في اليمن «مصالح الدول المجاورة له»، وهي صياغة تضع أمن الجوار قيداً على سلوك الحوثيين.

أما رحلة «ماهان إير» التي حاولت التوجه إلى صنعاء في 18 يوليو، فقد أعلنت الحكومة اليمنية أنها أُجبرت على العودة لعدم استكمال الإجراءات الرسمية. وتحدث مصدر من الحوثيين لـ”يمن مونيتور” أن مسقط رفضت السماح لها بعبور الأجواء العُمانية. وهو ما يمكن أن يجعلها أول ترجمة عملية مباشرة للتحول العُماني: الانتقال من تسهيل قنوات التواصل مع الحوثيين إلى منع إيران من استخدام الجغرافيا العُمانية لتكريس خط جوي يتجاوز الدولة اليمنية.

 

أوراق عُمان على الحوثيين

لا تملك عُمان قدرة على إصدار أوامر للحوثيين، ولا ينبغي المبالغة في نفوذها عليهم. فالجماعة تمتلك مشروعاً محلياً ومؤسسات عسكرية وأمنية ومصادر قرار خاصة بها، حتى مع ارتباطها المتزايد بإيران. لكن مسقط تملك مجموعة من أدوات التأثير النوعية التي يصعب تعويضها.

أهم هذه الأدوات استضافة الوفد الحوثي ومنحه منصة آمنة للقاء الدبلوماسيين وممثلي الأمم المتحدة والقوى الغربية. ومن دون مسقط، سيجد الحوثيون أنفسهم أمام خيارين أقل ملاءمة: نقل نشاطهم الخارجي إلى طهران أو عاصمة حليفة لها، بما يضعف ادعاء استقلال قرارهم، أو إدارة اتصالاتهم من صنعاء تحت قيود السفر والعقوبات والمخاطر الأمنية.

تملك عُمان أيضاً تأثيراً على مسارات السفر والعبور الجوي والبري، وعلى البيئة الحدودية في المهرة، فضلاً عن معرفتها المتراكمة بقيادات الجماعة وآليات تفاوضها؛ إذ كان الميسرين العُمانييّن يلتقون زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي الذي غالباً يرفض لقاء مسؤولين محليين أو دوليين. وكانت مسقط وسيطاً في التفاهم الأمريكي–الحوثي في مايو/أيار 2025، الذي أوقف الضربات الأمريكية مقابل وقف استهداف السفن الأمريكية، كما لعبت دوراً محورياً في الاتصالات المتعلقة بخريطة الطريق اليمنية والمشاورات الخلفية بين الحركة المسلحة والمملكة العربية السعودية.

من الصعب توقع مسار لجوء السلطنة إلى طرد الوفد الحوثي أو قطع اتصالاتها به، لأن ذلك سيفقدها ورقة دبلوماسية مهمة ويترك الساحة بالكامل لإيران. الأرجح هو تشديد الشروط بصورة هادئة: ضبط تحركات الوفد، الحد من استخدام الأراضي العُمانية للتنسيق الإيراني–الحوثي، التدقيق في الرحلات والعبور، وربط استمرار التسهيلات بانخراط أكثر جدية في المسار الأممي ووقف التهديدات للسعودية والملاحة.

 

مضيقان في صراع واحد

العامل الأكثر خطورة على مستقبل علاقة مسقط بالحوثيين هو انتقال استراتيجية المضائق الإيرانية من هرمز إلى باب المندب. ففي 16 يوليو، نقلت رويترز عن مصادر إيرانية وإقليمية أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لتعطيل طريق النفط في البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة شبكة الكهرباء أو البنية التحتية للطاقة في إيران. وأضافت المصادر أن الجماعة نشرت صواريخ ومسيّرات قرب باب المندب، وأن القرار النهائي بالتصعيد سيخضع لتنسيق وثيق مع الحرس الثوري.

الربط يضع عُمان أمام معضلة استراتيجية. فإيران تحاول استخدام سيطرتها النارية في هرمز والقدرات الحوثية في باب المندب لإحاطة شبه الجزيرة العربية بنقطتي ضغط بحريتين. وفي المقابل، تقوم المصلحة العُمانية على بقاء موانئ الدقم وصلالة وبحر العرب مفتوحة وآمنة، وعلى عدم تحول اليمن إلى منصة عسكرية تهدد خطوط التجارة والطاقة.

كما أن السعودية نقلت جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر هرباً من اضطراب هرمز. ولذلك فإن تفعيل الحوثيين جبهة باب المندب لن يكون مجرد إسناد لإيران، بل تهديداً مباشراً للمسار البديل الذي تعتمد عليه الرياض. وهذا سيعزز التقارب الأمني السعودي–العُماني، وقد يدفع مسقط إلى النظر إلى القدرات الحوثية البحرية باعتبارها خطراً على الأمن الإقليمي، لا مجرد ورقة في النزاع اليمني الذي تفضل أن تبقى فيه على الحياد.

 

إلى أين تتجه السياسة العُمانية؟

السيناريو الأكثر ترجيحاً هو احتواء هادئ للحوثيين لا قطيعة معهم. ستحتفظ عُمان بقناة الاتصال لأنها تمنحها نفوذاً لا تملكه بقية دول الخليج، لكنها ستعمل على تحويل استضافتها للوفد الحوثي من امتياز شبه مفتوح إلى علاقة مشروطة. وقد تستخدم هذه الورقة للضغط من أجل وقف التصعيد مع السعودية، ومنع فتح جبهة باب المندب، والعودة إلى التفاوض بشأن خريطة الطريق وصفقة الأسرى.

أما إذا أصرت إيران على اعتبار هرمز ملكية إيرانية، وواصلت استهداف الأراضي والمياه العُمانية، فقد تتوسع إعادة التموضع العُماني. وسيظهر ذلك في تعاون أوثق مع السعودية والحكومة اليمنية، وتشديد الرقابة على الحدود والأجواء، ورفع مستوى التنسيق البحري والدفاعي مع فرنسا والولايات المتحدة ودول الخليج، مع بقاء الخطاب العُماني حذراً وغير تصادمي.

في المقابل، قد يحاول الحوثيون تجنب خسارة مسقط عبر الفصل العلني بين موقفهم من السعودية وعلاقتهم بعُمان، وعدم توجيه انتقادات مباشرة إلى السلطنة. فالجماعة تدرك أن إغلاق منصة مسقط سيزيد عزلتها ويجعلها أكثر اعتماداً على إيران في لحظة تتعرض فيها طهران لضغوط عسكرية واقتصادية كبيرة.

وبذلك، لا يعني تدهور العلاقات الإيرانية–العُمانية أن مسقط ستتحول فوراً إلى خصم للحوثيين. لكنه ينهي تدريجياً البيئة المريحة التي سمحت للجماعة بالجمع بين التحالف العسكري مع إيران والاستفادة من الوساطة العُمانية في الوقت نفسه. وإذا تحولت إيران والحوثيون من شركاء في التهدئة إلى مصدر تهديد مباشر للممرات البحرية والسيادة الإقليمية، فستصبح عُمان أقل استعداداً لحماية الهامش السياسي الذي تمتع به الحوثيون طوال العقد الماضي.

إن استهداف إيران لعُمان، والصراع على المسار الجنوبي في هرمز، والرحلات المباشرة إلى صنعاء، والتهديد بفتح جبهة باب المندب ليست ملفات منفصلة. إنها أجزاء من مواجهة واحدة حول السيادة والمضائق وموقع اليمن في الحرب الإقليمية. وكلما ازدادت طهران اعتماداً على الحوثيين لتوسيع هذه المواجهة، اقتربت مسقط أكثر من الرياض والحكومة اليمنية، وضاق أمام الجماعة أهم منفذ دبلوماسي وجغرافي خارج دائرة النفوذ الإيراني.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى