سباق الخدمات ضد الفراغ.. التحدي الأول أمام الحكومة اليمنية الجديدة
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
بعد أسابيع من المشاورات في الرياض، أعلن مجلس القيادة الرئاسي، وهو الحكومة المعترف بها دولياً في اليمن والمدعوم من السعودية، عن تشكيل حكومة جديدة تضم أعضاءً من مختلف الانتماءات السياسية والمناطقية، في إطار الجهود الرامية لإدارة الدولة العربية المنقسمة.
وجاءت هذه الخطوة يوم الجمعة بعد أسابيع من انهيار وحل المجلس الانتقالي الجنوبي وانسحاب القوات الإماراتية من جنوب اليمن. وكان الانفصاليون الجنوبيون المدعومون من الإمارات قد سيطروا لفترة وجيزة على محافظتين يمنيتين على الحدود مع السعودية، مما استدعى تحركاً عسكرياً من الرياض؛ وهي أحداث أدت إلى توتر العلاقات بين القوتين الإقليميتين.
أثار الإعلان عن الحكومة ردود فعل متباينة وحرباً كلامية، حيث رأى البعض فيها بصيص أمل وخطوة نحو بسط سلطة الدولة، بينما اعتبرها آخرون مجرد إعادة توزيع للسلطة والثروة بين النخب المتنافسة في البلاد.
وتضم الحكومة الجديدة 35 عضواً، بزيادة 10 أعضاء عن الحكومة السابقة، وتتمثل فيها خلفيات مهنية متنوعة تشمل مجالات الإدارة والاقتصاد والقانون والأكاديميا.
وقال الباحث السياسي اليمني، ياسين التميمي، إن الحجم الكبير للحكومة يمثل عودة قسرية إلى ما أسماه حقبة سياسة “الترضية”، التي تحاول استرضاء مختلف الجماعات والمناطق.
وأوضح التميمي في تصريح لـ “الجزيرة” أنه على الرغم من أن هذا العدد الكبير من الوزارات يضع عبئاً ثقيلاً على الموازنة، إلا أن المرحلة الحالية في البلاد تقتضي هذا النوع من الترضية؛ إذ تحتاج المجموعات السياسية المختلفة في البلاد إلى الشعور بأنها مُنحت حصة في السلطة لدفعها للعمل بما يتماشى مع أجندة الحكومة.
وأضاف التميمي: “أرى أن تشكيل الحكومة الجديدة مرضٍ، فهو يعكس حجم الجهد الذي بُذل خلال الأسابيع الماضية للظهور بهذه التشكيلة من الكفاءات التي تتمتع بقدر معين من المسؤولية السياسية والوطنية”.
وفي بيان على صفحته في “فيسبوك”، قال رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني إن تركيز الحكومة الجديدة سينصب على تحسين الظروف المعيشية والخدمات للمواطنين، ومكافحة الفساد، وتطوير الأداء المؤسسي للمساهمة في إنهاء سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من البلاد، واستعادة مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار.
وكان مجلس القيادة الرئاسي قد سيطر على جنوب اليمن بدعم من السعودية الشهر الماضي، بينما يظل شمال اليمن، حيث يقطن معظم السكان، تحت سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران.
وكان الحوثيون قد سيطروا على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وأطاحوا بالحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في فبراير 2015. ويُدير مجلس القيادة الرئاسي شؤون البلاد من ميناء عدن الجنوبي.

ما الذي تحتاجه الحكومة الجديدة للنجاح؟
أعرب محمد السامعي، وهو صحفي سياسي مقيم في تعز، عن أمله بعد تعيين الوزراء الجدد، واصفاً إياهم بالكفاءات المستحقة لمناصبهم، مؤكداً أن نجاحهم سيعتمد على مدى وحدتهم.
وصرح السامعي لـ “الجزيرة” قائلاً: “إن نجاح هذه الحكومة يظل رهناً بوجود إرادة سياسية حازمة من رئيس الوزراء ومجلس القيادة الرئاسي والقوى السياسية المختلفة. ولن تحقق الحكومة الجديدة نجاحاً حقيقياً ما لم تتحد هذه الأطراف لخدمة الوطن، بعيداً عن الصراعات الجانبية”.
وإلى جانب الإرادة السياسية الداخلية للحكومة، أشار السامعي إلى أن الدعم المالي السعودي المستمر سيكون أمراً لا غنى عنه، مضيفاً: “تواجه الحكومة الجديدة اليوم تحديات جسيمة، تشمل توفير الخدمات وتحسين سبل عيش المواطنين. وسيكون تجاوز هذه التحديات ممكناً بدعم رعاة العملية السياسية في اليمن، وخاصة المملكة العربية السعودية”.
وقبل يوم واحد من إعلان الحكومة الجديدة، أشار وزير الإعلام معمر الإرياني إلى أن السعودية أعربت عن استعدادها لدفع جميع الرواتب في جنوب اليمن، بما في ذلك رواتب الجنود. وقال الإرياني إن هذه الخطوة تهدف إلى إعادة هيكلة القوات العسكرية، وجعلها تابعة للدولة وتتلقى تعليماتها من القائد الأعلى للقوات المسلحة، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي.
كما أشار نائب وزير الخارجية الأسبق، مصطفى نعمان، المتواجد في الدوحة لحضور منتدى الجزيرة، إلى الدور الذي تلعبه السعودية في تقديم المساعدات المالية للحكومة. وصرح نعمان لـ “الجزيرة” بأن “الحكومة السعودية تحملت المسؤولية لمدة عام واحد، وهذا لن يكون كافياً ما لم يكن هناك تشغيل منتظم للبنية التحتية والأمن”.
وأوضح نعمان أن التحدي الأكبر الذي ستواجهه الحكومة في الأيام المقبلة هو إعادة هيكلة القوات الأمنية، التي أضاف أنها بحاجة لأن تتبع وزارتي الداخلية والدفاع. وأكد أنه بدون استقرار لا يمكن للحكومة العمل بسلاسة، مضيفاً أنه فقط بعد ترسيخ الأمن يمكن للبنية التحتية والخدمات أن تعمل وتستأنف الحكومة مهامها.
وقال الدبلوماسي اليمني إن على الحكومة أن تكون حازمة في أداء مهامها وإلا فستواجه فشلاً كبيراً سيؤدي إلى فراغ، مضيفاً أن “هذا الفراغ سيملؤه تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة (داعش) وغيرهما من الجهات الفاعلة غير الحكومية العاملة في اليمن”.
كما يتعين على الحكومة الجديدة معالجة التحديات الإنسانية المتزايدة في اليمن، حيث يواجه نحو 18 مليون يمني -أي حوالي نصف السكان- نقصاً حاداً في الغذاء، بينما يواجه عشرات الآلاف ظروفاً تشبه المجاعة.
تمثيل المرأة
وعلى عكس الحكومات السابقة، تضم التشكيلة الجديدة ثلاث نساء، مما أثار ردود فعل إيجابية من الناشطين وأعضاء المجتمع المدني؛ حيث عُينت أفراح الزوبة وزيرةً للتخطيط والتعاون الدولي، وإشراق المقطري وزيرةً للشؤون القانونية، وعهد جعسوس وزيرة دولة لشؤون المرأة.
وقالت نجيبة النجار، الناشطة الحقوقية والمجتمعية اليمنية، لـ “الجزيرة”: “اليوم يمثل لحظة سياسية فارقة؛ فالتشكيل الحكومي الجديد يضم نساءً في مناصب رئيسية ومؤثرة”.
وأضافت: “هذا ليس مجرد تفصيل بسيط، بل مؤشر سياسي ورسالة واضحة حول توجه هذه المرحلة؛ فهو يمثل اعترافاً بكفاءة المرأة ويشير إلى أن الدولة بدأت تتعامل مع مشاركة المرأة كحق دستوري وليس كمجرد ترضية مؤقتة”.
من جانبها، قالت فاطمة صالح، وهي خريجة جامعية في صنعاء، لـ “الجزيرة” إن الحرب أدت إلى تهميش دور المرأة السياسي. وأضافت: “لم أسمع بوجود وزيرة منذ سنوات، وإعلان ثلاث وزيرات في هذه الحكومة الجديدة هو لحظة فخر للفتيات والنساء في اليمن”.
وأقرت فاطمة بأنها وملايين النساء في شمال اليمن من غير المرجح أن يحصلن على فائدة مباشرة، لكن الخطوة تعد مؤشراً على أن قيادة الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة لا “تستهين بالمرأة كما تفعل جماعات راديكالية أخرى” في اليمن.
الانقسام الشعبي في الجنوب
وفي جنوب اليمن، حيث يظل الجمهور منقسماً بشدة حيال الدور السعودي، تباينت المشاعر تجاه الحكومة الجديدة؛ إذ يسعى الانفصاليون الجنوبيون بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى نيل السيادة في الجنوب.
وقال الصحفي من عدن، أحمد ماهر، إن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على الحكومة، مشيراً إلى أن أداءها هو ما سيحدد مصداقيتها. وأضاف: “تشكيل الحكومة هو بداية جديدة وليس النهاية، فأولئك الذين يعملون من أجل اليمن ومواطنيه سيبقون، أما الذين يتمادون في عنصريتهم وأخطائهم سيرحلون”.
ويوم السبت، أعرب حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع -وهما تكتلان قبليان في محافظة حضرموت التي استعادتها قوات مجلس القيادة الرئاسي من المجلس الانتقالي في أوائل يناير- في بيان عن رفضهما لتشكيل الحكومة الجديدة، قائلين إن آلية تشكيل الحكومة “فشلت في إحداث أي تغيير جذري في الواقع القائم، نظراً لغياب حل سياسي عادل وشامل يعالج كافة القضايا العالقة”. وأكدت المجموعتان القبليتان “التزامهما الراسخ برؤية الحكم الذاتي لحضرموت كخيار استراتيجي يؤسس لاستقرار دائم وسلام مستدام”.
وصدر هذا البيان بعد احتجاجات للانفصاليين الجنوبيين يوم الجمعة في مدينة سيئون بحضرموت، طالبت بالاستقلال وتعهدت بمواصلة النضال ضد الحكومة اليمنية المعترف بها والتدخل السعودي في جنوب اليمن.
وكان الانفصاليون الجنوبيون المدعومون من الإمارات قد سيطروا في ديسمبر على محافظتي حضرموت والمهرة، ووصلوا إلى الحدود السعودية؛ واعتبرت المملكة هذه الخطوة تهديداً لأمنها القومي، ومنذ ذلك الحين استعاد المقاتلون المدعومون من السعودية تلك المناطق بشكل كبير.
وقال عبد الكريم ناصر، وهو أحد الانفصاليين الجنوبيين في سيئون، إن الحكومة الجديدة لا تمثل الشعب الجنوبي الذي يملك علمه ورؤيته وهويته الخاصة. وأضاف: “نحن كحراك جنوبي سنواصل نضالنا ولن نقبل بأجندة هذه الحكومة وراعيها (السعودية). مطلبنا واضح وهو دولة مستقلة، ولا يمكننا التخلي عن الدولة المستقلة مقابل خدمات المياه والكهرباء. لا يمكن لأي حكومة إقناعنا أو إجبارنا على التخلي عن تطلعاتنا”.
إحياء الوحدة
وعلى الرغم من أن أعضاء الحكومة الجديدة ينتمون إلى مناطق ومجموعات سياسية مختلفة، إلا أن السامعي أكد أن ترميم الوحدة اليمنية المتضررة يظل تحدياً هائلاً.
وقال السامعي: “لقد أدت الحرب إلى تآكل وحدة البلاد، والانفصال القائم بين الجنوب والشمال مستمر منذ سنوات، كما أن الجنوبيين أنفسهم ليسوا متحدين بالكامل؛ لذا فإن معالجة هذه التحديات تعد مهمة جسيمة للحكومة الجديدة. إذا تمكنت الحكومة الجديدة من تحقيق الاستقرار في الجنوب والاندفاع نحو الشمال لاستعادته من الحوثيين، فقد يعني ذلك إحياء وحدة اليمن”.
ولم يعترف الحوثيون بسلطة مجلس القيادة الرئاسي، قائلين إنهم الحكومة الشرعية في البلاد، وفي نظر الحوثيين فإن مسؤولي الحكومة المدعومة من السعودية ليسوا سوى “مرتزقة”.
وقال عبد الله علي، وهو مقاتل حوثي في صنعاء، لـ “الجزيرة” إن الشعب هو من يمنح القادة الشرعية، وليس الأمم المتحدة أو السعودية. وأضاف: “قادتنا يعيشون بين شعبهم، ويقودون من الداخل ويتحملون كافة الصعاب، لذا فإن قيادتهم شرعية. وأي حكومة يفرضها لاعبون أجانب على الشعب هي حكومة غير شرعية، وقتالها واجب”.
المصدر الرئيس: Al Jazeera English




