
أين انتهى «الميثاق الوطني المقدس» لثورة الدستور اليمنية 1948، وهو ميثاق رسم خطوطه العريضة المصلحان الاسلاميان الجزائري الفضيل الورتلاني، والمصري حسن البنّا، مع شباب من الأحرار الدارسين في القاهرة، ثم استكمل في اليمن. هذا الحدث تأسيسي لحركة الأحرار اليمنيين، في التاريخ والسياسة والفكر، سعيًا منها إلى تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وئدت الثورة ودستورها بعد أسابيعٍ ثلاثة، إذ زحف الإمام أحمد والقبائل التي تكاد «صخورها تتشيعُ» إلى العاصمة فأباح لها النهب والسلب على ساكنيها.
بـ «مصرع ابتسامة» روادها التنويريين من حزّت رؤوسهم بالسيف الوشاح، وسّيق آخرين إلى السجون، ولا نكران في إن هؤلاء فتحوا ثغرة على سورة العزلة الاستقلالية لمملكة الإمام، وما فجر «26 سبتمبر» إلا نسيج من «48».
أحمد الشامي، الأديب والسياسي، الذي شارك في ذينك الحدث، عنده فقط نجد الحكاية في سفَره «رياح التغيير في اليمن» فهو من البارزين في صياغة مُسَوَّدة أدبيات الميثاق. ومنه لخص منهاجا ونظاما لحزب سياسي، بعد أن تقوم حكومة الدستور، يحكي الشامي:
«كان ميثاق حزب الدستور ضمن ما نهب من أشيائي وأوراقي على يد قبيلة «الحداء» وكنت قد وضعته مع المسودة الأولى للميثاق الوطني في مغلف وخبّأته في بطن إحدى المخدات ولهول سقوط صنعاء لم أفكر في إتلافه وظللت في قلق شديد خوفاً من أن يقع في يد الإمام أحمد أو أحد الأمراء وليس لما سيلحقني من الأذى فقط بل ولأنه سيضر بأولئك الشباب، وعندما التقيت بالشيخ علي بن ناجي القوسي كبير قبيلة «الحدا» في مؤتمر أركويت في السودان وهو أول مؤتمر للمصالحة يعقد بين الملكيين والجمهوريين 1964 أخبرني أن أصحابه كادوا أن يقتلوا بعضهم بعضا على تلك المخدة عندما سمعوا كشكشة الأوراق داخلها وظنوا أنها أوراق مالية وأراد كل شيخ أن يستبد بها ثم احتكموا إليه فقال يوزع ما داخلها على القبيلة كلها .. ووصف لي خيبتهم عندما فتحوها فإذا هي وثائق وخطابات».
عام 2013 جرى تبني الفيدرالية شكلاً للدولة اليمنية من ستة أقاليم، من قبل الرئيس هادي ونزلاء موفنبيك، وقد جال فريق صياغة الدستور وطاف بلدانًا بداعي استلهام تجاربها، وقعدوا فيها شهورٍ، في وقت كان الحوثي قد كرر ما فعله إمام 48 وزحف إلى صنعاء «المدينة المفتوحة» لمن شاء الدخول أو الخروج، مع قول قد يصح إن تلك المسوّدة هي مستصغر الشرر للنار اليمنية.




