تحركات سياسية واجتماعات أمنية في عدن.. هل تستعيد العاصمة المؤقتة طابعها المدني؟ (تقرير خاص)
يمن مونيتور/ من إفتخار عبده
شهدت العاصمة المؤقتة عدن في الآونة الأخيرة حراكاً سياسياً وأمنياً لافتاً، جسدته سلسلة لقاءات للسلطات المحلية والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.
وحظيت هذه التحركات بدعم سياسي واجتماعي كبير، يقوم على قناعة بضرورة إخراج القوى العسكرية من داخل عدن ونقلها إلى خارجها، لأداء مهامها في مواقعها الطبيعية.
خطوة نحو عدن المدنية
يرى صحفيون ومحللون أن هذه التحركات تعكس توجهاً جاداً لإعادة ترتيب المشهد الأمني والعسكري في العاصمة المؤقتة، وفتح مسار جديد يستعيد الطابع المدني للمدينة، بما يعزز حضور الدولة ويهيئ البيئة اللازمة للاستقرار الأمني والخدمي، ويُمكّن عدن من أداء دورها كعاصمة مؤقتة ومركز لإدارة مؤسسات الشرعية.
بهذا الشأن، قال الصحفي والناشط المجتمعي، مكين العوجري: “إنه رغم الطابع العسكري الذي يطغى على خلفية اللقاءات التي شهدتها مدينة عدن، إلا أنها بدأت تفرز مؤشرات جديدة في المشهد، يمكن قراءتها كبداية تحول في إدارة المدينة ووظيفتها، باتجاه تقليص العسكرة وتعزيز الطابع المدني”.
ويرى العوجري أن من أبرز المؤشرات التي توحي بإعادة المدينة إلى مدنيتها هي: “إعادة توظيف بعض المعسكرات السابقة ضمن مشاريع مدنية، كما حدث في جبل حديد؛ إذْ جرى تحويل الموقع من ثكنة عسكرية مغلقة إلى فضاء سياحي وثقافي واجتماعي مفتوح”.
ولفت إلى أن هذه الخطوة لا تحمل بعداً خدمياً فحسب، بل تعكس محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المدينة والسلاح، وبين المكان ووظيفته، بما ينسجم مع طبيعة عدن وتاريخها العريق.
وأكد العوجري في حديثه لـ”يمن مونيتور” أن “مدينة عدن بجوهرها الاجتماعي والتاريخي، مدينة مدنية تأسست على الانفتاح والتعدد والتجارة، لا على ثقافة المعسكرات أو منطق الحواجز، غير أن السنوات التي أعقبت الحرب فرضت واقعاً مغايراً، تمثل في عسكرة واسعة للمدينة، وتحويل عدد من أحيائها ومواقعها الاستراتيجية إلى ثكنات عسكرية، ما أضعف هويتها المدنية وأثقل حياة سكانها”.
وأوضح أن المرحلة التي تلت تحرير عدن شهدت تعدداً أمنياً واسعاً، تمثل في نشوء أجهزة وقوى مختلفة المرجعيات والمهام، ورغم أن هذا التعدد أدى دوراً مرحلياً في تثبيت الأمن، إلا أنه أفرز مع الوقت حالة من الهشاشة نتيجة تداخل الصلاحيات.
وأردف: “اليوم، تبرز خطوة الدمج وإعادة الهيكلة بوصفها تحولاً نوعياً، عبر توحيد هذه التشكيلات ضمن إطار مؤسسي واحد هو الأمن الوطني، ليضطلع بمسؤولية تأمين المدينة وحماية المصالح العامة والخاصة”.
ويرى العوجري أن هذا المسار يستمد أهميته من كونه يتم بإشراف مباشر من قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، ما يمنحه بعداً داعماً وضمانات سياسية وأمنية تعزز فرص نجاحه. وقد انعكس ذلك نسبياً على الأوضاع المدنية والخدمية، حيث بدأت ملامح استقرار أكثر وضوحاً تظهر في حركة المدينة وحياة سكانها.
وتابع: “عدن مدينة محررة، بعيدة عن الجبهات، وتمثل رمزاً سياسياً للدولة وعاصمة مؤقتة ومركزاً لعمل الحكومة والبعثات الدبلوماسية؛ لذا فإن تحييدها عن الصراعات المستقبلية وحمايتها من الانزلاق نحو الفوضى يصبح هدفاً استراتيجياً، يعيد للمدينة موقعها الطبيعي كحاضنة مدنية لمشروع الدولة، لا ساحة صراع أو رهينة للسلاح”.
دمج التشكيلات وتوحيد القرار الأمني
في السياق، قال الصحفي والمحلل السياسي عبدالواسع الفاتكي: “إن اجتماع قيادة السلطة المحلية في العاصمة المؤقتة عدن مع قيادة وزارة الدفاع وهيئة الأركان، بحضور مستشار قائد القوات المشتركة اللواء فلاح الشهراني، جاء في إطار اهتمام جاد ومكثف ببحث مسألة خروج المعسكرات من العاصمة المؤقتة عدن وتحويلها إلى عاصمة مدنية خالية من التشكيلات العسكرية”.
وأوضح الفاتكي في تصريح لـ “يمن مونيتور” أن خطوة إخراج المعسكرات من عدن تندرج ضمن إعادة ترتيب مسرح العمليات العسكرية والأمنية في المدينة، خاصة في ظل التطورات الأخيرة التي شهدها المشهد العسكري والأمني عقب اقتحام تشكيلات عسكرية لمحافظة حضرموت، وما تبع ذلك من إخراج تشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من محافظتي حضرموت والمهرة، وما رافقه من تدخل عسكري من قبل الحكومة الشرعية بدعم كبير من المملكة العربية السعودية لتعزيز حضور الدولة وفرض الأمن والاستقرار في هذه المحافظات، وكذلك في العاصمة المؤقتة عدن.
وأشار إلى أن خروج المعسكرات من عدن يُنظر إليه باعتباره خطوة مهمة في مسار مؤسسية العمل الأمني والعسكري والقضاء على الاختلالات والفوضى الأمنية التي شهدتها المدينة خلال الفترات السابقة، إضافة إلى إفشال أي محاولات تستهدف بث القلاقل والاضطرابات الأمنية.
وأضاف الفاتكي أن “الحادثة الأخيرة المتمثلة في محاولة اغتيال حمدي شكري تعزز من أهمية المضي الجاد في تنفيذ هذه الخطوات، وفي مقدمتها إخراج المعسكرات وتسليم الملف الأمني للمؤسسات المعنية، وعلى رأسها وزارة الداخلية والسلطة المحلية وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية”.
وبيّن أن “هذه الإجراءات تأتي في سياق إعادة ترتيب الوضع الأمني والعسكري ودمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية في إطار مؤسسي موحد، بما يضمن توحيد القرار الأمني والعسكري”، مشيراً إلى وجود توجهات واضحة وإرادة قوية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية في عدن، بما يضمن أن تكون مدينة آمنة ومستقرة وقادرة على أداء دورها كعاصمة مؤقتة للدولة.
وأكد أن “نجاح هذه الخطوات سيمهد الطريق لعودة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة لمزاولة أعمالهم من داخل العاصمة المؤقتة عدن، باعتبار ذلك أمراً ضرورياً وحتمياً، كما سيؤكد جدية مؤسسات الشرعية في إدارة شؤون الدولة من الداخل، بما في ذلك عودة البرلمان وبقية مؤسسات الدولة للعمل من داخل العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المحررة الأخرى”.
استحقاق وطني لا يقبل التأجيل
بدوره قال الصحفي نسيم البعيثي، رئيس تحرير “البلاد الآن”: “جاءت اللجنة التي أعلنها فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي برئاسة التحالف في إطار استحقاق وطني وسيادي لا يحتمل التأجيل أو الجدل، إذ تُعد مهمة توحيد القوات المسلحة والأمن، وإعادة تنظيمها وانتشارها، حجر الأساس في مسار استعادة الدولة وترسيخ مؤسساتها”.
وأضاف البعيثي لـ”يمن مونيتور”: “هذه قرارات سيادية عليا، لا تخضع للمزايدات أو النقاشات العبثية، وستُنفذ حتماً وفق رؤية وطنية واضحة، تستند إلى مبدأ الدولة الواحدة والسلاح الواحد والقرار العسكري والأمني الموحد”.
وأكد البعيثي أن “الواقع اليوم يشهد ترجمة عملية للخطوات الأولى في هذا المسار، من خلال إعادة تنظيم وانتشار القوات، وإخراجها من عدن، برعاية وإشراف قيادة التحالف، في خطوة تعكس جدية التوجه نحو تصحيح الاختلالات القائمة وبناء مؤسسة عسكرية وأمنية مهنية”.
وتابع: “ننظر بتفاؤل كبير إلى هذه الإجراءات المهمة، لما تحمله من دلالات إيجابية على صعيد تعزيز سلطة الدولة وبسط نفوذها، وتهيئة البيئة المناسبة لدمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت إطار وزارتي الدفاع والداخلية، بعيداً عن أي ولاءات ضيقة أو تشكيلات موازية، وبما يرسخ الأمن والاستقرار ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها”.




