ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
بعد أسبوع أثار فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب احتمالية توجيه تهديدات اقتصادية – بل وعسكرية – ضد دول أوروبية ما لم تذعن لمطلبه بالاستحواذ على غرينلاند، ثم تراجعه لاحقاً بعد محادثات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أفضت إلى اتفاق “إطاري”، فلا شك أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني كان محقاً فيما ذهب إليه.
فقد قال كارني في كلمة ألقاها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم الثلاثاء: “نحن في خضم تمزق، ولسنا في مرحلة انتقال”، مضيفاً أن “النظام القديم لن يعود”.
وقد ردد السيد كارني صدى تصريح أدلت به رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين العام الماضي، حين قالت: “إن الغرب كما عرفناه لم يعد له وجود”. ربما كان ذلك الحكم في أبريل 2025 متسرعاً بعض الشيء، ولكن بمجرد أن يرفض رئيس أمريكي استبعاد استخدام القوة للاستيلاء على أراضٍ ذات سيادة تابعة لحليف في الناتو (حتى لو استبعد ذلك لاحقاً)، فإنه يمكننا الاتفاق مع السيدة فون دير لاين؛ إذ يعد هذا خروجاً صادماً وعدوانياً عن الأعراف لدرجة أن “الغرب” بصيغته السابقة قد انتهى تماماً.
وسؤالي الآن هو: هل سنفتقده؟
بداية، يجب أن أوضح من المقصود بكلمة “نحن”. فهي تشير بصفة عامة إلى بقية العالم، وبشكل خاص بالنسبة لي، إلى منطقتين ارتبطتُ بهما ارتباطاً وثيقاً معظم حياتي: جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط.
ثانياً، حتى السيد كارني أقر خلال خطابه بأن الرواية التي كان الغرب يروجها عن نفسه ليست سوى “خيال ممتع”.
حيث قال: “كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئياً؛ فالدول الأقوى كانت تعفي نفسها منها عندما تقتضي مصلحتها، كما كانت القواعد التجارية تُطبق بشكل غير متكافئ”.
وأضاف: “كنا نعلم أن القانون الدولي يُطبق بصرامة متفاوتة بناءً على هوية المتهم أو الضحية”.
إن السيد كارني يستحق الإشادة على صراحته، فنحن لن نفتقد تلك المعايير المزدوجة، كما لن نفتقد المحاضرات التي تتمحور غالباً حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي أصبحت على أي حال عبثية بشكل متزايد. فكيف لحكومة حزب العمال البريطانية، التي فازت بأغلبية تقارب الثلثين في البرلمان بأقل من 34% من الأصوات في عام 2024، أن تجرؤ على إلقاء الدروس على أي طرف بشأن أهمية الديمقراطية؟
ورغم أن ذلك لم يحدث (ولن يحدث)، إلا أنني أحب أن أتخيل صدور بيان عن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في ذلك الوقت يقول: “إننا نشعر بالفزع من هذه النتيجة غير التمثيلية وغير الديمقراطية بشكل صارخ، والتي كانت ستؤدي إلى اتهامات غربية بحدوث مخالفات انتخابية أو تزوير للأصوات لو حدثت في أي من دولنا الأعضاء. إن اعتبار كافة الأصوات حق إنساني أصيل، لذا نحث المملكة المتحدة على إجراء اقتراع جديد وأكثر إنصافاً حتى يتمكن الملايين من المحرومين من التعبير عن آرائهم، ولكي لا تلطخ ‘أم البرلمانات’ مفهوم الانتخابات الديمقراطية”.
هل نشعر بالقلق من أن أمريكا في عهد ترامب يجب اعتبارها الآن “ما بعد غربية”؟ تقديري هو أن دول الخليج تتمتع في الواقع بعلاقات أفضل مع واشنطن في ظل ترامب – ويكفي استذكار حفاوة ونجاح زياراته إلى الإمارات والسعودية وقطر في مايو الماضي. كما سارت مشاركة الرئيس الأمريكي في قمة “آسيان” بكوالالمبور في نوفمبر الماضي بشكل ممتاز، وتناقضت بشكل إيجابي مع “قمة الديمقراطية” التي نظمتها الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة جو بايدن، ومحاولاتها المستمرة لتأليب الدول الآسيوية ضد الصين.
دعونا نكن منصفين ونقر بأن بعض الذين حاولوا إعادة تشكيل العالم على صورة الغرب كانوا حسني النية. فهل سنفتقد شخصيات مثل البريطاني كريس باتن؟ أعتقد أن آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ قد أخطأ بمحاولته تحويل الإقليم إلى ديمقراطية ليبرالية قبيل تسليمه للصين، لكني أعتقد أيضاً أنه رجل نزيه وصاحب مبادئ.
ومع ذلك، لن نفتقد فرض أو تصدير الأيديولوجيات الأوروبية إلى دول لا تناسبها، أو حيث تتداخل مع أنظمة الحكم والشرعية القائمة. وأنا لا أتحدث فقط عن ثقافة حقوق الإنسان التي غالباً ما يُنظر إليها بريبة في المجتمعات الأكثر تديناً، أو التركيز على حقوق الفرد على حساب الجماعة؛ فلا تنسوا أن كارل ماركس وفريدريك إنجلز، مؤلفا “البيان الشيوعي”، كانا أوروبيين أيضاً.
على أي حال، لدينا مصادر إلهامنا الخاصة؛ فنيلسون مانديلا، أعظم شخصية حقوقية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، كان من جنوب إفريقيا وليس من الغرب. كما يعد المهاتما غاندي ملهماً للملايين، بينما يُعتبر النبي محمد نموذجاً مثالياً مكتملاً للمليارات. وهناك العديد من شخصيات الاستقلال و”الآباء المؤسسين” الذين يُحظون بالتبجيل في بقية دول العالم.
وقد أشار عالم السياسة أميتاف أشاريا، مؤلف كتاب “النظام العالمي القديم والمستقبلي: لماذا ستنجو الحضارة العالمية من تراجع الغرب”، إلى أن آسيا وشمال إفريقيا كانتا تنتجان مبادئ التعاون بين الأمم وحقوق الإنسان قبل فترة طويلة من ظهور فكرة “الغرب” أصلاً. وكتب في مقال نُشر العام الماضي: “أقدم ميثاق مكتوب معروف لعدم الاعتداء وعدم التدخل أُبرم بين مصر والحثيين حوالي عام 1269 قبل الميلاد، ويمكن العثور على القواعد الإنسانية للحرب، بما في ذلك حماية المدنيين ومعاملة الجنود المهزومين، في ‘قانون مانو’ الهندي منذ 2000 عام”.
لم يكن تاريخ الغرب في بقية العالم مجرد تاريخ من الإمبريالية الوحشية – رغم وجود الكثير منها. فقد كان هناك كتاب قد يُتهمون بمعايير اليوم بـ “الاستشراق”، ومع ذلك فقد استكشفوا أماكن كانت جديدة عليهم بإعجاب ومودة واضحين. وأستحضر هنا ويلفريد ثيسجر، الذي أقنعني كتابه “الرمال العربية” وأنا في الحادية والعشرين من عمري بضرورة العودة يوماً ما للعيش في الخليج، كما فعلت في طفولتي. أو روايات وقصص سومرست موم وأنتوني بيرجس القصيرة التي تدور أحداثها في جنوب شرق آسيا وتستحضر الأجواء بشكل رائع.
وتجدر الإشارة إلى أن السيد ترامب زعم في خطابه في دافوس أنه يريد الدفاع عن الغرب و”الثقافة الخاصة جداً… التي تشترك فيها أمريكا وأوروبا”. ولكن مع إشاراته إلى “الكثير من الجينات السيئة” وتفجعه على “الهجرة الجماعية غير المنضبطة”، فمن الواضح أي نوع من “الغرب” كان يقصده. هذا الغرب لن يفتقده أحد. ومع ذلك، فإن انهيار المفهوم الأكثر شمولاً وعظمة، والمتغطرس أحياناً ولكنه يظل طموحاً للغرب – مع اعتبار الولايات المتحدة “مدينة فوق تلة” – بهذه السرعة المذهلة، لا يمثل في نظري لحظة تقتضي الكثير من التفاخر العلني من جانب منتقديه.
قال السيد كارني إنه لا ينبغي لنا أن “نحزن” على رحيل النظام القديم. ربما يكون محقاً. ومع ذلك، فمن الجدير بالتأمل كيف يمكن لصرح أيديولوجي بهذه الضخامة أن يشبه بسرعة تمثالاً محطماً في قصيدة بيرسي بيش شيلي “أوزيماندياس”، بقاعدته التي تحمل كلمات: “اسمي أوزيماندياس، ملك الملوك: انظروا إلى أعمالي، أيها الجبابرة، وارتعدوا!”.
** صحيفة ذا ناشيونال عدد 23/1/2025
شولتو بيرنز كاتب صحفي وعمل مع مؤسسات ومراكز أبحاث مهتمة بجنوب آسيا والشرق الأوسط.




