الأخبار الرئيسيةتراجم وتحليلاتترجمة خاصة

تغيير جذري يجتاح اليمن مع تجاوز “الانتقالي” حدوده في حضرموت

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

المصدر: مجلس الشرق الأوسط للدراسات الدولية/ كتبه إبراهيم جلال ( باحث أول ومستشار سياسات)

في غضون ما يزيد قليلاً عن شهر، شهد اليمن تغيرات جوهرية على الأرض وفي الديناميكيات السياسية التي ارتكزت عليها أكثر من عشر سنوات من الحرب. ففي أوائل ديسمبر، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي عملية عسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، مما بسط سيطرته على كامل جنوب وشرق اليمن تقريباً. وبحلول 3 يناير، تم تقويض هذا المسار تماماً، وبشكل كبير عبر تدخل المملكة العربية السعودية والحكومة المركزية اليمنية التي تدعمها.

كان جوهر هذا التخبط في الحظوظ العسكرية والسياسية متمثلاً في مقامرة عالية المخاطر للاستيلاء على مناطق ذات أهمية استراتيجية للسعودية وسلطنة عمان. ورغم نفي دولة الإمارات العربية المتحدة تورطها، إلا أن تلك الحملة اختبرت، كما لم يحدث من قبل، مدى استعداد شركاء الإمارات في الخليج لقبول فرض “الأمر الواقع” الذي يمس أمنهم القومي وعمقهم الاستراتيجي. وربما على أمل أن تكتفي الرياض بقبول النتيجة والتدخل للوساطة -كما فعلت في عامي 2018 و2019- خاطر المجلس الانتقالي وحلفاؤه بالمكاسب الاستراتيجية التي حققوها على مدار قرابة عقد من الزمن داخل اليمن.

دفعت هذه المقامرة الرياض إلى التحرك بحسم ورشاقة غير معهودتين، مما جعل حسابات الأطراف الأخرى تبدو كأنها خطأ فادح. وعلاوة على ذلك، فتحت الأزمة نافذة من الفرص بفضل تغيير مماثل في التفكير الاستراتيجي السعودي والديناميكية التي تتماشى مع تطلعات أولئك المدافعين عن يمن موحد.

 

تجاوز الحدود

لسنوات، كان المجلس الانتقالي الجنوبي يعمل بثقة مفادها أن السيطرة على الأرض ستؤدي في النهاية إلى القبول السياسي. ومنذ عام 2017، تمتع المجلس بدعم إماراتي واسع النطاق، شمل التغطية الجوية والتدريب وغرفة عمليات مشتركة تديرها الإمارات، وقد مكنه هذا الدعم من بسط نفوذه في معظم أنحاء جنوب اليمن والهيمنة على السياسة المحلية.

وفي 3 ديسمبر، اقتحمت القوات الموالية للمجلس الانتقالي -التي أعيد نشرها من عدن وأبين والضالع وشبوة- مؤسسات الدولة والقواعد العسكرية والمنشآت النفطية في حضرموت، وفي غضون 24 ساعة زحفت دون مقاومة إلى المهرة. وبدا أن هذا التقدم السريع مصمم لخلق واقع جديد قبل ساعات فقط من وصول وفد سعودي رفيع المستوى. ومع ذلك، فإن ما بدا وكأنه وضع متماسك سرعان ما انكشف عن هشاشة مفاجئة.

وبعد أسابيع من الدبلوماسية الفاشلة، أصدر وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان طلباً مباشراً في 27 ديسمبر يقضي بانسحاب القوات الموالية للانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة، ونقل السيطرة على تلك المناطق إلى السلطات المحلية وقوات “درع الوطن”، وهي القوة المدعومة سعودياً والتي تعمل تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي. واقترن هذا الطلب بإنذار نهائي مدته 72 ساعة. وتحركت الرياض بعد أن ناشد الرئيس اليمني رشاد العليمي رسمياً “تحالف دعم الشرعية في اليمن” لاتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين والدفاع عن السيادة الوطنية للجمهورية اليمنية. وخلافاً للسنوات السابقة التي كانت فيها السعودية تتوسط في النزاعات بين الحكومة والانتقالي، اختارت هذه المرة فرض النظام.

وفي 30 ديسمبر/كانون الأول، شن التحالف بقيادة السعودية ضربة جوية محدودة أدت إلى شل اللوجستيات العسكرية للانتقالي وضيقت قدرة الإمارات على مواصلة دعم التصعيد. وأعقب الضربة اتهام علني غير مسبوق من الرياض للإمارات بالضغط على الانتقالي لإجراء عمليات قرب الحدود السعودية وتجاوز خطوطها الحمراء.

وفي غضون ساعات من التحرك السعودي، اتخذ الرئيس اليمني خطوات حاسمة، حيث ألغى العليمي الاتفاقية الدفاعية مع الإمارات، وأمر القوات والأفراد الإماراتيين بمغادرة البلاد، وأعلن حالة الطوارئ، ووصف أنشطة المجلس الانتقالي بأنها تمرد على الدولة. وبدعم لوجستي وسياسي سعودي، استعادت القوات الحكومية اليمنية السيطرة على حضرموت والمهرة في غضون 36 ساعة. وخاض الانتقالي أول مواجهة كبرى له دون غطاء جوي إماراتي أو مرونة سعودية، وخسر سريعاً. لقد حطمت هذه الهزيمة الوهم القائل بأن الهيمنة في عدن أو الأراضي الموالية لعدن تترجم تلقائياً إلى شرعية أوسع. وبحلول 7 يناير، فقد الانتقالي كل شيء، وفر رئيسه عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي بدلاً من التوجه إلى الرياض للتفاوض.

 

أبعاد الأزمة

يمكن تفسير رد الفعل السعودي القوي بشكل غير عادي بأهمية المحافظتين الشرقيتين، اللتين تضم ممرات تجارية حيوية تؤدي إلى بحر العرب والمحيط الهندي. فالمهرة تشترك في حدود تبلغ نحو 300 كم مع سلطنة عمان، بينما تمتد حدود حضرموت على طول حوالي 700 كم من الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية. ومن ثم، فإن أي محاولة من قبل حركة انفصالية مسلحة موالية لدولة غير حدودية لترسيخ نفسها في هذه المناطق كانت تُعتبر تهديداً مباشراً للمصالح الأمنية لجيران اليمن. وبالنسبة لكل من الرياض ومسقط، فإن خطوة الانتقالي قد تجاوزت الخطوط الحمراء بتحويل التنافسات اليمنية الداخلية إلى عدم استقرار حدودي محتمل.

تشير هذه الحادثة إلى رغبة جديدة في إدارة المواجهة علناً بدلاً من تطبيع عدم الاستقرار بهدوء، وهو ما يمثل تحولاً من الميل نحو “التسامح المفرط” إلى الاستعداد لوضع القواعد وفرضها. ومن خلال التحرك الحاسم ضد سوء تقدير أحد الحلفاء، أكدت الرياض مكانتها كمهندس أساسي للسياسة تجاه اليمن، وأظهرت رشاقة وقدرة على القيادة كانت مفقودة في السنوات السابقة.

كما يشير هذا التحول إلى أن الملف اليمني سيعود إلى صدارة الأولويات في الرياض. وبعد عقد من الانخراط في مسارات موازية، يبدو أن السعودية مستعدة للاستثمار بشكل أكثر مباشرة في تعزيز المؤسسات اليمنية، وإضفاء الصبغة المهنية على القوات المحلية تحت سيطرة الحكومة، ومتابعة استراتيجيات الاستقرار التي تعكس مصالح اليمن وجيرانه المباشرين. كما أدت هذه الواقعة إلى تقارب أكبر بين السعودية وعمان في تنسيق أمن الحدود وفي تفضيلهما المشترك للحلول المنضبطة التي تتمحور حول الدولة.

 

من التنافس إلى القطيعة

تعد هذه المواجهة نتاج تنافس طويل الأمد ومتعدد الأوجه بين أبوظبي والرياض، وهو تنافس لا يقتصر على الصراع الجيوسياسي، بل يشهد احتكاكاً كبيراً نتيجة لذلك. فمنذ الأيام الأولى لتدخل التحالف في اليمن، تبنى الجانبان رؤى متصادمة؛ إذ سعت الإمارات إلى تحقيق أهدافها الخاصة، مركّزة على أمن السواحل وتنمية شركاء محليين بدلاً من تعزيز المؤسسات المركزية اليمنية. وقد عزز الارتياب من “حزب الإصلاح” -وهي حركة سياسية سنية تربطها الإمارات بجماعة الإخوان المسلمين- من تفضيل أبوظبي للعمل عبر جماعات مسلحة جديدة، وكان المجلس الانتقالي نفسه قد برز من تلك البيئة في عام 2017.

قبلت السعودية تقسيم العمل هذا لسنوات كضرورة حتمية، إذ كان الحفاظ على الصورة الدولية للتحالف ومواجهة تقدم الحوثيين يتطلب من الرياض إبقاء الإمارات تحت مظلة التحالف. ولكن بمرور الوقت، أدى الاستخدام المتزايد للإمارات للوكلاء في مختلف الميادين -في القرن الأفريقي والمتوسط وشبه الجزيرة العربية- إلى تفاقم المخاوف السعودية من أن أبوظبي تحول الشراكات العسكرية إلى أداة نفوذ جيوسياسي مستقل، وبالتنسيق الوثيق مع إسرائيل. وعندما ضغط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإعادة معايرة السياسة الأمريكية بشأن السودان خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترامب في نوفمبر 2025، تزايدت حدة الخلافات الإماراتية السعودية.

وأخيراً، فإن الجمع بين التقدم الميداني الهائل للمجلس الانتقالي في اليمن وقوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً في السودان، إلى جانب اعتراف إسرائيل الأخير بمنطقة “أرض الصومال” المنفصلة، أدى إلى إدراك في الرياض بأن الإمارات قد ذهبت بعيداً في طموحاتها الجيوسياسية التي تطوق شبه الجزيرة العربية، وأنه يجب وضع حد لذلك.

 

التداعيات على اليمن والمنطقة

داخلياً في اليمن، تبدو النتائج عميقة؛ إذ خلفت خسارة المجلس الانتقالي في الميدان أزمة سياسية ومؤسسية داخل صفوفه. وللمرة الأولى، اضطر المجلس للاعتراف بأنه لا يحتكر تمثيل “القضية الجنوبية”. وتفتح هذه الواقعة المجال لإعادة تنظيم الملف الأمني في المناطق المحررة، وتقليص الهياكل الإدارية الموازية للانتقالي التي قوضت الحكومة اليمنية منذ عام 2017. كما تسلط الضوء على تطلعات الحضارمة للحصول على حكم ذاتي أوسع وتمثيل أكثر توازناً في الجنوب.

والأهم من ذلك، أن هذا التحول قد عزز من سلطة الحكومة المركزية اليمنية وتحدى الاعتقاد بأن البلاد مقدر لها التفتت الدائم. ففي ديسمبر الماضي، كان العديد من الدبلوماسيين يخشون تفكك اليمن وفقاً لحدود عام 1990، أما الآن، فقد ثبت أن إعادة الترتيب السياسي ممكنة، مما يعيد الثقة في سلطة موحدة يمكنها إنهاء سلاسل القيادة المتنافسة وإعادة بناء شرعية الدولة. لقد تسببت هيمنة الانتقالي، خاصة بعد عام 2022، في تعقيد جهود استقرار البلاد ومياهها الإقليمية، وتنسيق الأجندات المحلية والدولية لمواجهة الحوثيين.

إقليمياً، من المرجح أن تعيد هذه الأزمة تشكيل العلاقات الإماراتية السعودية؛ إذ إن محاولة الإمارات استخدام “قوة الوكلاء” في اليمن للمساومة العسكرية العابرة للأقاليم قد أدت إلى إلحاق الضرر بنفوذها نفسه، حيث قلصت التأثير الإماراتي في اليمن وأجبرت الوكلاء المدعومين من أبوظبي على اتخاذ خيارات صعبة. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا سيدفع الإمارات لإعادة النظر في نموذج سياستها الخارجية في أماكن أخرى، لا سيما إذا استلهمت الحكومات في السودان والصومال وليبيا هذه التجربة لمقاومة التدخل الإماراتي بشكل أكثر حزماً. لقد عزز رد الفعل السعودي الحازم، المنسق مع مسقط، من الحظر المفروض على عسكرة مناطقهم الحدودية، مما يجعل تعزيز التعاون الأمني الحدودي وتطوير مناطق وممرات اقتصادية حرة من الأولويات القصوى.

بالإضافة إلى ذلك، قد يشجع هذا الأمر على تنسيق أوسع عبر الأقاليم بين دول الشرق الأوسط الأخرى؛ إذ تشترك السعودية وتركيا وقطر ومصر والأردن وعمان بشكل متزايد في مصالح تتركز على سيادة الدولة والأمن البحري والحد من التفتت الناتج عن الوكلاء. ومن المرجح أن تتقارب هذه الدول بشكل أوثق لتحقيق الاستقرار في اليمن، ومواجهة الوكلاء المدعومين من إيران، وتعزيز الأمن البحري في حوض البحر الأحمر. ومن ثم، فإن القطيعة التي حدثت في ديسمبر قد تسرع من وتيرة تنسيق إقليمي أوسع من أجل الاستقرار.

 

تصحيح المسار

إن المناورة التي قام بها المجلس الانتقالي في الشرق، والتي جمعت بين ديناميكيات محلية وإقليمية، سرعان ما ارتدت عكسياً وأطلقت “عملية تصحيح” على مستوى النظام طال انتظارها. إن التراجع عن المكاسب الميدانية للانتقالي خلال 36 ساعة لم يغير توزيع القوى على الخارطة فحسب، بل كشف عن حدود “قوة الوكلاء” وحطم وهم أن الحقائق على الأرض مستقرة نهائياً. إن الدروس المستفادة من هذه الواقعة ستمتد إلى ما هو أبعد من حضرموت والمهرة وسيتردد صداها في أرجاء المنطقة، بينما يدخل اليمن مرحلة جديدة وتبرز السعودية كلاعب أكثر قوة في قضايا الأمن والسلم الإقليمي.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى