أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

تحقيق حصري- من مطار عدن إلى قاعدة الريف.. القصة الكاملة لـ 20 ساعة من هروب الزبيدي الكبير

يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ خاص:

في الساعات الأولى من فجر السابع من يناير/كانون الاثني 2026، وبينما كانت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن تغرق في ظلام دامس إثر انقطاع الكهرباء وتوتر أمني غير مسبوق، كانت تجري فصول عملية استخباراتية ولوجستية معقدة ستغير وجه الحرب في اليمن.

لم تكن تلك الليلة مجرد نهاية لطموح سياسي لرجل واحد، بل كانت إعلاناً رسمياً لوفاة “المجلس الانتقالي الجنوبي” التابع للإمارات كما نعرفه منذ تسع سنوات. والحدث المحوري هنا لم يكن سقوط المعسكرات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي فحسب، بل عملية “التهريب” الدقيقة لرئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، الذي تحول في غضون ساعات من “شريك في الشرعية” وعضو في مجلس القيادة الرئاسي إلى مطلوب بتهمة “الخيانة العظمى” فارٍ من العدالة.

 

فخ الرحلة “532” والمناورة البرية الأخيرة

بدأت فصول الهروب بمناورة سياسية قادتها الاستخبارات السعودية في الرابع من يناير 2026، حين وجهت قيادة التحالف دعوة رسمية مشروطة بمهلة زمنية للزبيدي للحضور إلى الرياض. وأبدى الزبيدي موافقة تكتيكية وتوجه مساء السادس من يناير إلى مطار عدن الدولي، حيث كان من المفترض مغادرته على متن رحلة الخطوط الجوية اليمنية رقم (IYE 532) المجدولة للإقلاع عند الساعة 10:10 مساءً. إلا أن الرحلة تعرضت لتأخير “مقصود” تجاوز الثلاث ساعات، وهي الفترة التي استغلها الزبيدي لإعطاء الأوامر النهائية لتحريك وحدات القناصة والدبابات من معسكري “جبل حديد” و”الصولبان” لتأمين ممرات انسحابه.

وفي خطوة استباقية لإشغال القوات الحكومية، أشرف الزبيدي قبيل اختفائه من المطار على توزيع كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر على خلايا مسلحة داخل أحياء عدن، مسنداً قيادتها لمؤمن السقاف ومختار النوبي. كان الهدف من توزيع السلاح هو إثارة فوضى عارمة واشتباكات شوارع تغطي على تحركه نحو الساحل. وعندما أُذن للطائرة (IYE 532) بالإقلاع أخيراً، كانت تحمل على متنها قيادات من الصف الثاني فقط، بينما كان الزبيدي قد تسلل بالفعل خارج أسوار المطار متجهاً نحو نقطة إخلاء بحرية سرية.

ومع انطلاق الضربات الجوية السعودية التي استهدفت تعزيزات الانتقالي في الضالع عند الرابعة فجراً، كان الزبيدي قد أتم عملية “التبخر” من المشهد الميداني في عدن. لقد كشفت التقارير أن الزبيدي استغل الثغرات الأمنية الناتجة عن انقطاع التيار الكهربائي والارتباك الناجم عن تأخير الرحلة الجوية لتنفيذ عملية الانسحاب نحو الرصيف البحري. وبهذا انتهت المرحلة البرية من الهروب، ليبدأ المسار البحري تحت حماية شبكة لوجستية إقليمية.

السفينة بامدهف التي استقلها الزُبيدي من الدكة في ميناء عدن إلى بربرة في الصومال

العملية البحرية “الشبح” (الهروب من عدن)

مع إغلاق الأجواء اليمنية تماماً بواسطة القوات الجوية الملكية السعودية، وسيطرة قوات العمالقة على مداخل مطار عدن، كان البحر هو المنفذ الوحيد المتاح. الخطة اعتمدت على الاستفادة من الفوضى الأمنية وضعف الرقابة على الموانئ الصغيرة وزحمة الحركة البحرية في خليج عدن.

في وقت متأخر من ليل السادس من يناير، وبحلول الساعات الأولى من فجر يوم الخميس 7 يناير (تحديداً بعد منتصف الليل)، تحرك موكب سري يضم عيدروس الزبيدي وعدد محدود من مرافقيه المقربين نحو نقطة إخلاء بحرية في ميناء عدن. هناك، كانت بانتظارهم وسيلة نقل تم اختيارها بعناية فائقة لعدم لفت الانتباه: السفينة بامدهف “BAMEDHAF”.

لم تكن السفينة المستخدمة قطعة عسكرية حديثة أو يختاً فاخراً، بل كانت اختياراً عملياتياً ذكياً للتمويه. “BAMEDHAF” (بامدهف) هي سفينة ركاب قديمة ومتهالكة نسبياً، مما يجعلها تبدو كواحدة من مئات السفن التجارية الصغيرة التي تجوب القرن الإفريقي.

تملك السفينة التعريف الدولي (IMO: 8101393) ترفع علم سانت كيتس ونيفيس ومملوكة لوكالة “بامدهف للتوكيلات الملاحية” ” BAMEDHAF AH&AH ”  وتقول إن مقرها المُعلا في عدن،  ومسجلة في موانئ خليج عدن تحت إدارة “عدنان حسن بامدهف”، ويظهر حسن عدنان كمسؤول تواصل وحجز للرحلات عند التواصل بالبريد الإلكتروني للوكالة، وكانت تدعى ” AKGUNLER II و DELFINEN و MIDTHORDLAND” حتى 2018م، وهي السفينة الوحيدة المسجلة لهذه الوكالة وتتحرك فقط بين “بربرة” وعدن.

وفي 9 يناير/كانون الثاني 2025 ما تزال موجودة في ميناء بربرة، حسب موقع (Goradar.ru).

استخدام علم “سانت كيتس ونيفيس” (St. Kitts and Nevis) يحمل دلالات عميقة في عالم النقل البحري الرمادي. تُعرف هذه الدولة بأنها ملاذ لـ “أعلام الملاءمة” (Flags of Convenience)، التي تسمح بتسجيل السفن دون تدقيق صارم في الملكية أو الأنشطة. والأخطر من ذلك، هو ما كشفه المتحدث باسم التحالف، العميد تركي المالكي، من أن هذا العلم هو ذاته الذي كانت ترفعه سفينة أخرى تدعى “GREENLAND” وهي السفينة التي كانت قبل أسبوع واحد فقط من هروب الزبيدي (في 30 ديسمبر 2025)، تقوم بتهريب شحنة عسكرية ضخمة من ميناء الفجيرة الإماراتي إلى ميناء المكلا في حضرموت. الشحنة تضمنت عربات مدرعة وأسلحة نوعية لدعم قوات الانتقالي هناك، وقد قام الطيران بقصف تلك الشحنة فور تفريغها في الميناء. استخدام نفس “العلم” ونفس التكتيكات يشير بوضوح إلى أن السفينة “BAMEDHAF” هي جزء من نفس الأسطول السري المخصص للعمليات الخاصة.

فور مغادرة “بامدهف” لرصيف ميناء عدن، قام طاقم السفينة بإطفاء نظام التعريف الآلي (AIS). هذا الإجراء يهدف إلى جعل السفينة “غير مرئية” إلكترونياً للرادارات التجارية ومواقع التتبع الدولية. الرحلة استغرقت حوالي 12 ساعة في مياه خليج عدن المضطربة، متجهة جنوباً نحو الساحل الصومالي.

استمرت الرحلة البحرية لمدة 12 ساعة تقريباً في مياه خليج عدن، حيث سلكت مسارات غير تقليدية لتجنب الدوريات البحرية التابعة للتحالف. وبحلول الساعة الثانية عشرة ظهراً من يوم السابع من يناير، رست السفينة في ميناء بربرة بـ “أرض الصومال”. ورغم محاولات التخفي، يبدو أن الاستخبارات السعودية كانت تراقب السفينة عبر وسائل أخرى (أقمار صناعية عسكرية أو مصادر بشرية في الميناء)، مما مكنها من توثيق الرحلة بدقة متناهية، وهو ما ظهر في بيان التحالف الذي حدد وقت الوصول إلى ميناء بربرة بالساعة 12:00 ظهراً.

إضافة إلى الفوضى في عدن، حرك عيدروس الزُبيدي موكبه باتجاه الضالع نحو مسقط رأسه مع ألوية العاصفة، والذخائر والأسلحة المنهوبة من جبل حديد، لإشغال الجميع بالتركيز على انتقاله نحو المحافظة الجبلية بدلاً من البحث بحراً عن سفينة شحن يختبئ في قبوها.

محطة بربرة والجنرال “أبو سعيد”

وصول السفينة إلى ميناء بربرة في “أرض الصومال” لم يكن عشوائياً. هذا الإقليم الانفصالي الذي لا يحظى باعتراف دولي كامل يعتبر الحليف الأوثق للإمارات في القرن الإفريقي والذي اعترفت به إسرائيل كدولة وتزامنت مع وجود سابق لوزير الخارجية الإسرائيلي. تدير شركة “موانئ دبي العالمية” ميناء بربرة باستثمارات مليارية، وتمتلك القوات المسلحة الإماراتية تواجداً عسكرياً واستخباراتياً قوياً هناك، بما في ذلك استخدام مطار بربرة كقاعدة جوية.

بمجرد رسو السفينة، دخل الزبيدي في “المنطقة الآمنة”، حيث تمكنت المخابرات الإماراتية من استلام “الطرد”  بعيداً عن أعين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

القائد العسكري عادل الأحبابي برفقة رئيس دولة الإمارات

في هذه اللحظة الحرجة، تم رصد اتصال هاتفي يكشف عن مستوى التنسيق العالي للعملية. قام عيدروس الزبيدي بالاتصال بشخصية عسكرية إماراتية رفيعة المستوى لإبلاغه بعبارة واحدة: “لقد وصلنا”. الطرف الآخر على الخط كان اللواء الركن/ عوض سعيد مصلح الأحبابي، الملقب بكنية “أبو سعيد”. وهو قائد العمليات المشتركة في القوات المسلحة الإماراتية. وهو الذي يقوم بالإشراف المباشر على العمليات العسكرية الخارجية للإمارات في اليمن والقرن الإفريقي.

ويعتبر كشف التحالف (السعودية) عن اسم هذا الضابط ورتبته ومحتوى المكالمة يمثل رسالة سياسية شديدة اللهجة؛ بأن الاستخبارات السعودية تخترق شبكة الاتصالات الإماراتية، وبأن العملية برمتها تعتبر عملاً عدائياً مباشراً تديره الدولة، وليست تصرفاً فردياً من ضباط صغار. وجود “أبو سعيد” في قلب الحدث يؤكد أن إنقاذ الزبيدي كان قراراً سيادياً من أبوظبي للحفاظ على أهم أصولها السياسية في اليمن.

وبالتزامن مع عملية نقل “عيدروس الزُبيدي” بحراً، كانت طائرة شحن عسكري تقطع المسافة بين قاعدة عسكرية في أبوظبي نحو أرض الصومال، تحضيراً للمرحلة الجديدة.

حصان العمليات القذرة.. الرحلة (MZB-9102)

انتقلت عملية الهروب في مرحلتها الثالثة من البحر إلى الجو، حيث نُقل الزبيدي من ميناء بربرة إلى مدرج الطيران لاستقلال طائرة شحن عسكري من طراز إليوشن (Ilyushin Il-76). تحمل هذه الطائرة الرمز (MZB-9102)، هذا الطراز السوفيتي الصنع هو العمود الفقري لعمليات النقل الجوي في مناطق الصراعات، نظراً لقدرته على الهبوط في مدارج قصيرة وغير مجهزة، وحمل شحنات ثقيلة.

أشار المتحدث باسم التحالف إلى أن هذه الطائرة تحديداً “تستخدم باستمرار في مناطق الصراع وعلى مسارات (ليبيا – السودان – الصومال)”. هذا الربط يضع عملية الزبيدي في سياق أوسع لشبكة التدخلات الإماراتية في المنطقة، من دعم الجنرال حفتر في ليبيا إلى دعم الحكومة الإثيوبية في حرب تيجراي، حيث كانت طائرات الإليوشن هي وسيلة النقل المفضلة لتلك العمليات.

رقم الرحلة الذي كشفه التحالف هو (MZB-9102). التحليل الدقيق لهذا الرمز يفتح باباً واسعاً للتكهنات الاستخباراتية: الكود (MZB): في سجلات الطيران المدني (IATA)، الرمز MZB يعود لمطار “موسيمبوا دا برايا” (Mocímboa da Praia) في موزمبيق. الشركة المشغلة: في سجلات (ICAO)، الرمز MZB يعود لشركة طيران صغيرة تدعى “Zebu Air” في ملاوي.

من المستبعد جداً أن تكون طائرة شحن عسكري ضخمة تابعة لشركة طيران صغيرة في ملاوي (غير معروفة بنشاطها العابر للقارة). الأرجح هنا هو سيناريو “انتحال الهوية”، استخدام رمز مطار “موسيمبوا دا برايا” قد يكون مقصوداً للتمويه، حيث أن تلك المنطقة في موزمبيق شهدت نشاطاً مكثفاً لتنظيم الدولة (داعش) وتدخلات لشركات أمنية خاصة ومرتزقة. مما يجعل ظهور طائرات شحن غامضة في سجلات الملاحة أمراً مألوفاً للمراقبين غير المدققين. اختيار هذا الرمز يهدف إلى إخفاء الهوية الحقيقية للمشغل (سلاح الجو الإماراتي أو متعاقد خاص) وإظهار الرحلة كرحلة تجارية إفريقية عابرة؛ لكن بمراقبة سجل نشاط الطائرة في الأسابيع الأخيرة تبيّن أنها نفذت رحلات مكوكية بين مطار أبوظبي الدولي وقاعدة المنهاد الجوية، و جيبوتي.

 

التوقف التكتيكي في مقديشو

لم تتوجه الطائرة مباشرة من بربرة إلى أبوظبي بل قامت بمناورة مثيرة للاهتمام، فبعد أن تمت عملية الإقلاع بإشراف ضباط إماراتيين متواجدين في المطار، هبطت الطائرة في مطار مقديشو عند الساعة 15:15 عصراً، حيث توقفت لمدة ساعة واحدة فقط تحت غطاء رحلة لوجستية اعتيادية. وعند الساعة 16:17، غادرت الطائرة مقديشو في رحلتها النهائية باتجاه الخليج العربي.

لماذا مقديشو؟ التوقف في مطار العاصمة الصومالية، الخاضع لرقابة دولية، قد يهدف إلى “شرعنة” الرحلة.  من خلال تسجيل التوقف في مطار رسمي، تحصل الطائرة على خط سير يبدو قانونياً كرحلة شحن عادية قادمة من الصومال، مما يقلل من احتمالية اعتراضها عند دخولها الأجواء الدولية فوق بحر العرب. كما أن التوقف قد يكون استُخدم للتزود بالوقود أو لإنزال/تحميل عناصر أخرى للتمويه على “الحمولة الثمينة” (الزبيدي).

أثناء عبور الطائرة للمجال الجوي الدولي، كررت نفس تكتيك السفينة. عند وصولها فوق خليج عمان، قامت بإطفاء أجهزة التعارف، لتختفي من شاشات الرادار المدنية. هذا الإجراء يؤكد الطبيعة العسكرية والسرية للمهمة، حيث يتم تجنب تتبع المسار النهائي نحو القاعدة الجوية.

ثم عادت الإشارة للظهور قبل الهبوط بعشر دقائق فقط. هبطت الطائرة في مطار الريف العسكري في أبوظبي الساعة 20:47 (8:47 مساءً) بتوقيت عدن. قاعدة الريف هي مقر الجناح الجوي للعمليات الخاصة والقيادة المشتركة، وهي المكان الطبيعي لاستقبال الشخصيات التي تتطلب حماية وعزلة تامة عن الأنظار.

وبذلك أُسدل الستار على عملية هروب استغرقت قرابة 20 ساعة، تنقل خلالها الزبيدي بين ثلاث دول (اليمن، الصومال، والإمارات) ووسيلتي نقل، مخلفاً وراءه مدينة عدن التي سقطت معسكراتها تحت سيطرة قوات “درع الوطن”. إن نجاح الاستخبارات السعودية في تتبع هذا المسار الدقيق “دقيقة بدقيقة” كشف عن حجم الاختراق في الاتصالات والتحركات الإماراتية في المنطقة.

 

لغز لملس والوالي: اختفاء قسري أم هروب مشترك؟

بينما تم تأكيد وصول الزبيدي إلى أبوظبي، ألقى بيان التحالف الضوء على غموض يكتنف مصير شخصيتين محوريتين كانتا آخر من التقى الزبيدي قبل مغادرته:أحمد حامد لملس: محافظ عدن السابق ووزير الدولة (الذي تمت إقالته وإحالته للتحقيق). ومحسن الوالي: القائد العام لقوات الأحزمة الأمنية، الذراع العسكري الضارب للانتقالي.

بيان التحالف ذكر نصاً: “انقطع الاتصال بهم”. هذا التعبير الدبلوماسي يحمل سيناريوهات قاتمة. فعدم تأكيد هروبهم مع الزبيدي قد يعني أن الطائرة لم تتسع لهم، أو أنهم تركوا خلفهم لترتيب أوراق الفوضى. اختفاء “الوالي” تحديداً يعني تفككاً فورياً لمنظومة القيادة والسيطرة لقوات الحزام الأمني، مما يسهل مهمة القوات الحكومية في بسط سيطرتها.

مع خروج “الرأس” المدبر، انهارت المجلس الانتقالي عسكرياً في عدن بشكل دراماتيكي. قوات “درع الوطن”، المدعومة سعودياً، وبإسناد من ألوية “العمالقة” (التي يقودها أبو زرعة المحرمي، والذي يبدو أنه اختار الحياد المائل للشرعية)، استكملت سيطرتها على قصر المعاشيق، المطار، ومعسكر جبل حديد ومعظم المدينة.

فرضت السلطات الجديدة حظر تجوال ليلي في المدينة، وبدأت عملية سياسية لملء الفراغ. تعيين قيادات جديدة موالية للشرعية في مناصب المحافظ والإدارات الأخرى يؤشر على بدء مرحلة “ما بعد الانتقالي” في عدن، حيث تسعى الرياض لإنهاء حالة ازدواجية السلطة التي عطلت عمل الحكومة لسنوات.

 

كشف الأوراق والاتهام المباشر

اللغة التي استخدمها المتحدث باسم التحالف في سرد تفاصيل الهروب تعتبر “سابقة” في العلاقات الدبلوماسية الخليجية. لم تكتف الرياض بإعلان الهروب، بل قدمت “لائحة اتهام” علنية للإمارات تضمنت: ذكر اسم الضابط الإماراتي المسؤول (اللواء الأحبابي) لربط العملية بالدولة مباشرة. كما قامت بفضح خطوط التهريب البحري والجوي (الربط بين BAMEDHAF و GREENLAND).

كما أن الإشارة إلى استخدام الطائرات في “مناطق الصراع” (ليبيا، السودان)، يضع الإمارات في خانة “المزعزع للاستقرار الإقليمي”.

هذا الكشف يمثل نهاية فعلية للتحالف العربي بشكله القديم. لقد تحولت العلاقة من “شراكة استراتيجية” إلى “عداء تكتيكي”، حيث ترى السعودية في النفوذ الإماراتي في اليمن تهديداً مباشراً لأمنها القومي، بينما ترى الإمارات في التحركات السعودية محاولة لإقصائها من المشهد الإقليمي ومحاصرة نفوذها البحري.

 

علامة فارقة

إن رحلة الهروب الدرامية عبر السفينة “BAMEDHAF” والطائرة “MZB-9102” ستبقى علامة فارقة في تاريخ الصراع اليمني. لقد أثبتت هذه العملية قدرة الإمارات العالية على تنفيذ عمليات لوجستية معقدة لإنقاذ حلفائها، لكنها في المقابل كشفت عن حدود نفوذها أمام الإرادة السعودية الصارمة.

عيدروس الزبيدي، الذي دخل عدن بمقاومة شعبية، غادرها متخفياً في قاع سفينة شحن، تاركاً خلفه مشروعاً سياسياً يترنح ومدينة تبحث عن الاستقرار. بالنسبة للرياض، فإن يوم 7 يناير 2026 يمثل انتصاراً لاستراتيجية “الصبر الاستراتيجي” ثم “الحسم”، وتأكيداً على أنها اللاعب الأوحد الذي يمتلك الكلمة الفصل في اليمن. أما بالنسبة لأبوظبي، فإن استقبال الزبيدي في قاعدة “الريف” يعني أنها لم ترمِ المنديل بعد، وأن جولة جديدة من الصراع البارد قد بدأت لتوها في أروقة السياسة وخلف الكواليس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى