أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

رسوم المدارس ترغم طفلاً على بيع الماء في طرقات تعز

يمن مونيتور/تعز/ من عميد المهيوبي

في شمس تعز الحارقة، على رصيف إسفلتي يلسع الأقدام، يقف محمد عبد الرحمن بجاش، فتى لم يتجاوز عمره السادسة عشرة، يُوزع قوارير ماء على المسافرين بابتسامة خجولة، لكن خلفها قصة تخطت سنّه بسنوات. لم يكن يومًا يتخيل أن يتحول من طالب مجتهد في مدرسة 26 سبتمبر الحكومية بمديرية المسراخ إلى بائع ماء على جانب طريق نجد قسيم.

وأوضح أنه كان يُعدّ من بين الطلاب الأوائل في صفه، ودفاتره تحمل ملاحظات مكتوبة بخط يد حازم، وكراساته تحمل رسمًا صغيرًا لجامعة، وأحلامًا وردية تدور حول شهادة ثانوية ثم جامعة، لكن الظروف المعيشية جرفت كل هذا في لحظة.

وقالت والدته، التي تدير بقالة صغيرة لتأمين قوت أبنائها: “وصل محمد إلى الصف الأول الثانوي، ودرس أسبوعين فقط، ثم فُرضت عليه رسوم شهرية بقيمة خمسة آلاف ريال، إضافة إلى مبالغ لطباعة الملخصات، لأن الكتاب المدرسي لم يكن متوفرًا”. وأضافت: “حاول أن يشرح وضعه لمدير المدرسة، لكنه لم يجد سوى باب مغلق، ثم صدر قرار بفصله، وانطفأت نار أحلامه”.

وأشارت إلى أن أخوه الأكبر ترك المدرسة منذ سنوات ليعمل على دراجة نارية، ويدرّب على قوته لتغطية مصاريف الأسرة، لكن مع توقف دعم صندوق المعلمين، وانقطاع رواتبهم، توقفت العملية التعليمية، وأصبحت الرسوم شرطًا لاستمرارها، رغم أن التعليم في اليمن يفترض أن يكون حقًا مجانيًا.

بينما يتابع محمد، لم يكن وحيدًا في مأساته. فتى آخر ظهر معه في مقطع فيديو متداول، أكد أنه اضطر للانسحاب من المدرسة لعدم قدرته على دفع الرسوم، بل حتى تغطية المبالغ البسيطة للتسجيل. ومعاناة جماعية تُضاعفها أزمة مالية ومؤسساتية أفقدت الأسر القدرة على تأمين التعليم لأبنائها.

وأفاد أن محمد بدأ العمل بعد الدوام مع شقيقه الأكبر، لكن عندما عجز عن دفع الرسوم، أصبح بيع الماء هو الدوام الوحيد الذي لم يغب عنه يومًا، بينما يحمل شقيقه الأكبر كامل مسؤولية الأسرة على ظهر دراجة نارية.

ولفت إلى أن حلمه بالاستمرار في التعليم لم يمت، رغم كل ما مرّ به. وقال بلهجة مثقلة بالحزن: “كنت أحلم بإكمال الثانوية، والالتحاق بالجامعة، وخدمة أسرتي ومجتمعي، لكن الظروف أجبرتني على ترك المدرسة والعودة لبيع الماء”.

وأشار إلى أن مبادرة من منتدى شباب المسراخ الثقافي، بعد مشاهدة الفيديو، سارعت بزيارة منزله، ووفرت له كل المستلزمات الدراسية، وسخرت جهودها لعودته إلى المدرسة. وعبر عن فرحه بالعودة، وقال: “أنا مبتسم الآن، لأن الحياة عادت إلى عيني”.

وأكد أن رسالته إلى الجهات المعنية تدور حول ضرورة صرف رواتب المعلمين، وقال: “إذا صُرفت مرتباتهم، فسيتمكن المعلمون من التعليم كما يجب، ويتمكن طلاب مثلنا من العودة إلى مدارسهم، دون أن نُجبر على بيع الماء في الشارع”.

أما والدته، التي تعيش من حافة العيش، فاختتمت مناشدتها بدعوة وزارة التربية والتعليم إلى التدخل العاجل: “أنا أخفي معاناتي يوميًا كي لا يشعر أولادي بالضغط، لكنني أطلب من المسؤولين أن يقفوا إلى جانب الطلاب، ويعملوا على منع تسرب الأبناء من المدارس، لأن تسرب طفل واحد يعني فقدان جيل كامل”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى