روح أكتوبر تتجدد.. من مقاومة الاستعمار إلى مواجهة الانقلاب (تقرير خاص)

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من محمد عبدالقادر اليوسفي
قبل أكثر من ستة عقود، أشعل الأحرار في جبال ردفان شرارة الثورة ضد الاستعمار البريطاني في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، لتبدأ واحدة من أعظم صفحات النضال الوطني في تاريخ اليمن المعاصر.
لم تكن تلك الثورة مجرد مواجهة مسلحة ضد محتل أجنبي، بل كانت تعبيرًا عن إرادة شعبٍ قرر أن يكون سيد قراره، وأن يبني وطنًا حرًا مستقلًا على ترابه، بعيدًا عن الوصاية والتبعية.
واليوم، وبعد مرور أكثر من ستين عامًا على انطلاقها، تعود روح أكتوبر من جديد، ولكن في معركة مختلفة الشكل، متطابقة الجوهر؛ فاليمنيون يخوضون مواجهة شرسة ضد الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، الذي يسعى لفرض وصايته على القرار الوطني ومحو قيم الجمهورية التي قامت من أجلها ثورتا سبتمبر وأكتوبر.
تشابه التاريخ
من يتأمل المشهد الراهن في اليمن لا يمكنه تجاهل التشابه الكبير بين معركتين تفصل بينهما عقود طويلة من الزمن. فكما قاوم اليمنيون بالأمس مستعمرًا أجنبيًا حاول إخضاعهم بالقوة، يقاومون اليوم مشروعًا داخليًا بوجه خارجي يسعى لفرض وصاية إيرانية على اليمن من خلال جماعة الحوثي.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي عبد الواسع الفاتكي: “رغم اختلاف الزمن والأدوات، إلا أن الوصاية البريطانية بالأمس والوصاية الإيرانية اليوم تتشابهان في الهدف ذاته، وهو إخضاع اليمن للنفوذ الخارجي وتعطيل قيام دولة مستقلة ذات سيادة.”
ويضيف الفاتكي في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور” أن بريطانيا استخدمت نظام المحميات لتقسيم البلاد وإضعاف مركز القرار الوطني، بينما تستخدم إيران اليوم ميليشيا طائفية مذهبية لتفكيك الدولة والسيطرة على قرارها السياسي والعسكري.
وتابع قائلاً: “بين خطاب (التمدين البريطاني) بالأمس و(المقاومة الإيرانية) اليوم، تتشابه الغاية: تبرير السيطرة على اليمن ومنع قيام دولة وطنية موحدة.”
ويؤكد أن المعركة الراهنة هي امتداد طبيعي لمعركة التحرر الوطني، فاليمنيون الذين أسقطوا الاستعمار البريطاني قادرون على إسقاط الانقلاب الحوثي، لأن جوهر الصراع لم يتغير: إنه صراع بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع التبعية والهيمنة الخارجية.
عدو الأمس واليوم
في ثورة أكتوبر كانت المعركة واضحة المعالم: مستعمر أجنبي يحتل الأرض ويسيطر على القرار. أما اليوم، فالمعركة أكثر تعقيدًا، لأن العدو يتخفى في الداخل تحت شعارات دينية ووطنية زائفة، لكنه يحمل الهدف ذاته — مصادرة القرار الوطني وتدمير هوية الدولة اليمنية.
يقول العقيد عبدالباسط البحر، رئيس شعبة التوجيه المعنوي في محور تعز، في حديثه لـ”يمن مونيتور”: “في أكتوبر 1963 واجه اليمنيون مستعمرًا واضح المعالم، أما اليوم فنواجه ميليشيا داخلية تعمل كوكيلٍ لمشروعٍ توسعي إيراني يسعى لزعزعة استقرار اليمن والمنطقة.”
ويضيف: “الفرق بين معركة الأمس واليوم أن العدو تغيّر شكلاً لا مضمونًا، فبعد أن كان الاحتلال يُمارس بالسلاح والهيمنة المباشرة، أصبح اليوم بالوكالة وبالعقيدة المذهبية التي تسعى لإعادة اليمن إلى عصور الإمامة.”
ويشير البحر إلى أن الانقلاب الحوثي أعاد إلى الواجهة روح النضال التي تجسدت في ثورتي سبتمبر وأكتوبر، لكنه هذه المرة يوحّد اليمنيين تحت راية الشرعية والجمهورية، لا الانقسام. فالمعركة اليوم ليست فقط لتحرير الأرض، بل أيضًا لحماية الوعي الوطني من محاولات الطمس والتزييف التي تمارسها جماعة الحوثي عبر التعليم والإعلام والخطاب الديني.
أحفاد الأبطال
كما كان جيل أكتوبر بالأمس عنوانًا للتضحية والفداء، يواصل اليوم أبناء وأحفاد أولئك المناضلين المسيرة ذاتها في ميادين القتال دفاعًا عن الجمهورية والدولة الشرعية. فالقضية واحدة: رفض التبعية والخضوع لمشاريع الخارج.
يقول علاء بن سهل، من أبناء محافظة أبين وحفيد أحد مناضلي ثورة 14 أكتوبر: “نستحضر في هذه المناسبة نضال أجدادنا وصمودهم أمام آلة الاحتلال، فقد زرعوا فينا قيم التضحية والكرامة والوطنية الصادقة التي تدفعنا اليوم للوقوف في وجه الظلم والدفاع عن أرضنا وشعبنا.”
ويضيف لـ”يمن مونيتور”: “كانت معركة الأمس معركة تحرير واستقلال من الاحتلال الأجنبي، أما معركة اليوم فهي معركة الدفاع عن الجمهورية ومواجهة مشروع الحوثي الذي يهدد أمن اليمنيين ومستقبلهم.”
ويتابع بن سهل: “انضمامنا إلى صفوف قوات الشرعية نابع من إيمان راسخ بعدالة قضيتنا ورفض قاطع لمشروع الوصاية الإيرانية. فثورة أكتوبر بالنسبة لنا رسالة أمل وإصرار على استعادة الحقوق وتجسيد لمعاني الحرية والاستقلال التي ناضل من أجلها الأجداد.”
وهكذا تمتد جذوة أكتوبر في جبهات اليوم، فكل جندي يقاتل في مأرب أو تعز أو شبوة يحمل في داخله إرثًا ثوريًا متوارثًا من أجيالٍ ضحت لتبقى اليمن حرة مستقلة.
الشرعية.. مظلة الوطن الجامعة
ليست الشرعية التي يدافع عنها اليمنيون اليوم مجرد سلطة سياسية، بل هي امتداد لروح التحرر الوطني التي تجسدت في ثورتي سبتمبر وأكتوبر. فالدفاع عنها هو دفاع عن الجمهورية ذاتها وعن قيم السيادة والوحدة والاستقلال.
يقول العقيد البحر: “كل قطرة دم تُسفك في الجبهات اليوم هي امتداد لتضحيات جيل أكتوبر، فالانقلاب الحوثي جمع أبناء الوطن تحت راية واحدة هي الشرعية والجمهورية، لا تحت رايات الانقسام.”
ويؤكد أن الشرعية تمثل اليوم المظلة الوطنية الجامعة التي توحد كل اليمنيين في مواجهة المشروع الحوثي الإيراني، تمامًا كما وحدت ثورة أكتوبر أبناء الجنوب من مختلف القبائل والمناطق ضد الاحتلال البريطاني.
أما المحلل عبد الواسع الفاتكي فيرى أن الدفاع عن الشرعية هو دفاع عن جوهر الدولة الحديثة، لأن سقوطها يعني سقوط مشروع الجمهورية الذي ناضل اليمنيون من أجله لعقود.
وأضاف “فكما كانت ثورة أكتوبر رفضًا للتبعية البريطانية، فإن الوقوف مع الشرعية اليوم هو رفض للتبعية الإيرانية ومحاولات تحويل اليمن إلى تابع سياسي وعسكري لطهران.”
الحرية المستمرة
من ردفان إلى تعز، ومن عدن إلى مأرب، تتجدد روح أكتوبر في كل معركة يخوضها اليمنيون ضد الانقلاب الحوثي، فكما حرر الأجداد الأرض من الاستعمار البريطاني، يقاتل الأحفاد اليوم لتحرير الدولة من الوصاية الإيرانية واستعادة القرار الوطني المستقل.
يقول الفاتكي: “اليمنيون اليوم يعيشون المرحلة الثانية من معركة التحرر الوطني، مواجهة وصاية خارجية واستبداد داخلي في آن واحد. إنها معركة وجود وكرامة وطنية تهدف إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة المواطنة والسيادة والجمهورية.”
وهكذا تستمر ثورة أكتوبر، لا كشعارٍ تاريخي، بل كروحٍ متجددة في كل معركة يخوضها اليمنيون دفاعًا عن جمهوريتهم، فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق مرة واحدة، بل يُصان بالنضال المستمر، والحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
وفي مواجهة الانقلاب الحوثي اليوم، يثبت اليمنيون أن روح أكتوبر لم تمت، وأن الشعب الذي أسقط الاستعمار البريطاني قادر على إسقاط كل أشكال الوصاية والانقلاب.




