أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

الكيد السياسي في تعز.. كيف تحولت جريمة اغتيال المشهري إلى أداة للصراع؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة حسين

لم تمر جريمة اغتيال افتهان المشهري مديرة النظافة والتحسين في تعز باعتبارها حادثاً جنائياً أو أمنياً فحسب، بل سرعان ما تحولت إلى مادة خام للصراع السياسي والإعلامي بين الأطراف المتنافسة في المدينة. فقد أظهرت طريقة التعاطي مع الجريمة كيف يتم تحويل المآسي إلى أوراق ضغط في لعبة “الكيد السياسي” التي تتكرر منذ سنوات في اليمن.

في ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي، اعترض مسلحون معروفون باسمهم وصفتهم طريق المشهري أثناء عودتها من عملها على متن سيارتها الصغيرة، لتصيبها 30 رصاصة مباشرة فارقت على إثرها الحياة فوراً. فرّ المسلحون بدراجتهم النارية، وألقت السلطات القبض على 4 منهم خلال الأيام الماضية.

وتلقت المشهري تهديدات متكررة خلال الأشهر الماضية، خصوصاً بعد أن شددت فرض سلطة الدولة وفرض رقابة على الإيرادات.

فور وقوع الجريمة، سارع خصوم سياسيون إلى تحميل المسؤولية للشرطة، بينما اتهم آخرون اللواء 170 دفاع جوي بالتواطؤ، وآخرون ذهبوا باتجاه تحميل أحد الأحزاب السياسية في المدينة السبب. وبدلاً من أن تتوحد الجهود لكشف القتلة، تحولت الحادثة إلى منصة لتبادل الاتهامات ونشر بيانات متضاربة، مما ضاعف من ارتباك الشارع وأضعف الثقة بأي رواية رسمية.

لم يكن الإعلام المحلي بعيداً عن هذه المعركة، إذ انقسمت المنصات بين من يصور الحادثة على أنها جريمة فساد تقف خلفها أطراف نافذة، ومن يربطها مباشرة بصراع الأحزاب على النفوذ في تعز. هذا الانقسام في السرد الإعلامي يعكس بدقة طبيعة “الكيد السياسي” الذي يجعل من كل قضية مادة للتجييش والتشويه المتبادل.

 

صراعات مكشوفة وفشل في فرض القانون

ما زاد الطين بلة هو التوتر العلني الذي اندلع بين الأجهزة الأمنية وقيادات عسكرية نافذة، وكشف عن فوضى “مؤلمة” وتداخل في الصلاحيات. في تصريح علني عبر فيسبوك، اتهم الناطق الرسمي باسم شرطة تعز، أسامة الشرعبي، قيادات في اللواء 170، وتحديدًا القيادي محمد سعيد المخلافي، بعرقلة مهمة أمنية حاسمة تهدف للقبض على أحد المتهمين الرئيسيين في قضية الاغتيال.

هذه الاتهامات العلنية، التي رد عليها المخلافي بالنفي والتهديد باللجوء إلى القضاء، لم تكن مجرد خلاف عابر، بل فضحَت الصراعات الخفية بين المكونات العسكرية والأمنية. ورغم إصدار بيان مشترك عن قيادة محور تعز والشرطة يؤكد “الانسجام الكامل” بين الوحدات، إلا أن هذا البيان لم ينجح في تبديد الشكوك، بل اعتبره كثيرون محاولة “لتطويق الأزمة” دون حلها جذريًا.

هذه الخلافات تؤكد ما ذهب إليه المحلل السياسي الدكتور عبد الوهاب العوش، من أن ما يجري هو “دليل على وجود تشظي” داخل محافظة تعز، وأن هناك “قوى عسكرية وأمنية متضاربة الأهواء تتبع تشكيلات حزبية”. وهذا الانقسام الخطير لا يهدد الأمن الداخلي فحسب، بل يمنح الفرصة لميليشيا الحوثي “لكي تكتسحنا جميعًا”، حسبما حذّر العوش.

“الكيد السياسي” يفتك بجهود المقاومة

وقال الصحافي والمحلل السياسي عبدالله دوبلة أن اغتيال المشهري في تعز لم يكن مجرد جريمة جنائية، بل كشف عن عمق الصراع السياسي القائم في المدينة.

وخلال تقديمه لبرنامج على قناة “يمن شباب”، أوضح دوبلة أن الجريمة تم استغلالها كأداة في “لعبة سياسية قذرة” بهدف “شيطنة” قوى معينة، في مقدمتها الجيش الوطني والتجمع اليمني للإصلاح.

واعتبر أن هذا الكيد السياسي ليس جديداً على الساحة اليمنية، ولكنه يظهر بشكل فج في تعز التي تتداخل فيها خطوط النفوذ العسكري والسياسي.

وأشار دوبلة إلى أن الحملة الممنهجة لتشويه سمعة الجيش الوطني والإصلاح في تعز تقوم على استغلال أي أخطاء فردية أو جماعية وتضخيمها، بهدف نزع الثقة عن هذه القوى.

ورأى أن هذه الممارسات لا تختلف عن “الكيد السياسي” الذي مارسته جهات أخرى في صنعاء سابقاً، مما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وسهل سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة قبل 11 عاماً.

وبحسب دوبلة، فإن قوى المقاومة في تعز، وعلى رأسها التجمع اليمني للإصلاح، تقع ضحية لتهميش متعمد. ففي حين سُمح لها بالقتال والتضحية في الجبهات الأمامية، حُرمت من أي تمكين سياسي أو إداري يمكنها من إدارة المدينة وتحقيق الاستقرار فيها. هذا الوضع يتركها في موقف دفاعي دائم، ويجعلها هدفاً سهلاً للانتقادات كلما وقعت أزمة أو حدثت انتكاسة أمنية.

جريمة اغتيال افتهان المشهري في تعز لم تكشف فقط هشاشة الوضع الأمني، بل عرّت أيضاً حجم الكيد السياسي الذي ينهش جسد المدينة. وبينما ينتظر الشارع القصاص من القتلة يبدو أن القوى المتصارعة وجدت في دماء المشهري فرصة لتبادل الطعنات السياسية، في مشهد يلخص مأساة اليمن والمدينة المحاصرة: بلد تُستغل فيه المآسي لتعزيز الصراعات، لا لتوحيد الصفوف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى