كتابات خاصة

الحركة الإسلامية في اليمن: يقظة وطنية لا صحوة دينية

 

جذور الحركة وسياقها العام

لم تكن الحركة الإسلامية في اليمن انعكاساً لجدل ديني أو صراع مذهبي بحت، بل تعبيراً عن يقظة وطنية شاملة. فمنذ مطلع القرن العشرين وحتى بداية ستينياته، كان المجتمع اليمني يرزح تحت وطأة الاستبداد الثيوقراطي، والانغلاق والتخلف البنيوي، في شمال الوطن، فيما يواجه في الوقت نفسه تحديات الهيمنة الخارجية، والاستعمار البريطاني في جنوب الوطن.

في هذا السياق، برزت الحركة الإسلامية كأحد تجليات البحث عن مشروع وطني جامع يناهض الاستبداد ويؤسس لنهضة حديثة. وكانت ثورة 1948 الدستورية أولى هذه التجليات، حيث شاركت فيها مختلف القوى الوطنية، بمن فيهم رموز ذات توجه إسلامي، وعلى علاقة بجماعة الإخوان المسلمين في القاهرة، ولعل ابرزهم الرائد التنويري الشهيد محمد صالح المسمري الذي سقط شهيدا بعد فشل الثورة.

المرجعية الإسلامية والسؤال الوطني

استعارت الحركة الإسلامية خطابها من المرجعية الإسلامية بوصفها المخزون الأعمق في وجدان اليمنيين، لكنها لم تنشأ كصحوة وعظية أو أخلاقية محضة، بل ارتبطت بالسؤال السياسي والاجتماعي حول بناء الدولة، واستعادة الهوية، وتحقيق الاستقلال. ولهذا كان حضورها بارزاً في معارك الثورة والوحدة والدفاع عن الدولة، أكثر من انخراطها في السجالات المذهبية أو التنظيرات الفقهية الخالصة.

كما استندت إلى مدرسة الاجتهاد اليمنية التي كان شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني (ت. 1834م) أبرز رموزها، فصارت هذه المدرسة الإصلاحية ركيزة أساسية للحركة. ومع تأثرها بخطاب الحركات الإسلامية في مصر وغيرها، ظلت المدرسة الاصلاحية اليمنية هي بوصلتها الفكرية والسياسية. وهذا مأكدت عليه وثائق الحزب الصادرة عنه، وما اكدته قياداته، في مرات عدة، ومناسبات كثيرة. وننقل هنا ما ورد على لسان رئيس الحزب، في كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيسه “وهذا الموقف ليس بجديد علينا فقد أكده الأمين العام للإصلاح في لقائه بقناة الجزيرة في تسعينيات القرن الماضي على عدم ارتباطنا باي جماعة او حزب خارج حدود الجغرافيا اليمنية، ولمزيد من تعزيز هذا الموقف -الذي لا لبس فيه ولا غموض- أعلن الإصلاح ذلك مجددا في الوثيقة الصادرة عنه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتأسيسه واسميت حينها بإعلان الإصلاح، والتي نصت على “أن التجمع اليمني للإصلاح يمني المنبت والجذور وهو امتداد لحركة الإصلاح اليمنية التاريخية فكراً وسلوكاً في جميع ربوع اليمن، وأن انتماءه الوطني هو الأساس في وجوده وتأثيره السياسي، ومرجعيته يمنية وطنية خالصة”، وأكد الإصلاح في تلك الوثيقة بمنتهى الوضوح والشفافية وقطعا لأي تأويلات أو اشاعات عدم وجود أية علاقات تنظيمية أو سياسية تربطه بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، فأولويات الإصلاح كحزب سياسي هي أولويات وطنية، وكل جهوده تنصب- مع شركائه من القوى السياسية اليمنية- في إخراج اليمن من محنته الحالية وفي النهوض باليمن من وهدته واستعادة أمنه واستقراره ومسيرته السياسية”.

ثورة سبتمبر والمسار الجمهوري

أدركت الحركة الإسلامية مبكراً خصوصية التجربة اليمنية، فكان من الصعب عليها أن تتبنى خطاب الخلافة أو الإمامة، كما فعلت بعض تيارات الإسلام السياسي في المنطقة. إذ جاءت ثورة 26 سبتمبر 1962 ضد نظام ثيوقراطي يزعم تمثيل الدين والخلافة، ومن هنا تبنت الحركة المسار الجمهوري الذي خلّص اليمن من الاستبداد الإمامي الكهنوتي، وابتعدت عن أطروحات “البحث عن إمام أو مرشد”، لتتموضع في سياق المشروع الوطني الجمهوري.

علاقة استثنائية مع ثورة يوليو وعبدالناصر

من أبرز سمات الحركة الإسلامية في اليمن، أنها نظرت بإيجابية إلى ثورة يوليو المصرية وزعيمها جمال عبدالناصر، على خلاف كثير من الحركات الإسلامية العربية. ويعود ذلك إلى الدعم الكبير الذي قدّمه ناصر للثورة والجمهورية، ضد الإمامة وحلفائها من الرجعية والاستعمار. وحتى الأصوات التي حاولت لاحقاً النيل من ناصر أو ثورته بقيت شاذة لا تمثل الحركة وقياداتها.

التحولات السياسية وبروز الإصلاح

ظل مسار الحركة الإسلامية في اليمن يتأثر بتقلبات الواقع السياسي، فضاقت أحياناً واتسعت أحياناً أخرى، ولم تكن بمعزل عن “الانتهازية” كغيرها من التيارات السياسية، أو التأثر بالمؤثرات الإقليمية. ومع قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 واعتماد التعددية السياسية، برز “حزب الإصلاح” بوصفه الامتداد السياسي الأبرز للحركة، وسعى إلى إقامة تحالفات واسعة وترسيخ خطاب يقوم على المواطنة والمساواة والعدالة وقيام دولة المؤسسات.

كما يحسب له عدم انزلاقه في تفسير الاحداث، من زاوية مناطقية او قبلية او مذهبية، او التعبئة على اسس ما قبل وطنية، كما فعلت كثير من الأطراف في قراءتها لاحداث الثورة اليمنية، والصراعات التي عرفتها البلاد، منذ مطلع القرن العشرين وحتى اللحظة.

وحين بدأ بعض ناشطيه، وكتابه، قراءة وتفسير الصراع على خلفية مناطقية، وقبلية، ومذهبية، وجدت تلك الكتابات استهجانا من داخل الحزب.

تقييم التجربة وخصوصية الإصلاح

لا شك أن للحركة الإسلامية وامتدادها حزب الإصلاح سلبيات كغيره من القوى السياسية، لكن ما يُحسب للإصلاح أنه الحزب اليمني الوحيد الممتد على رقعة الوطن كله، والمتماسك تنظيمياً، إذ لم ينقسم ولم تتعدد أجنحته، ولم يتمايل مع كل ريح، بل ظل متمسكاً بالثوابت الوطنية. كما أن خطابه الراهن، خصوصاً بين شبابه، يركّز على العقد الاجتماعي وضرورة استعادة الدولة وبناء مؤسساتها، والحفاظ على النظام الجمهوري، والوحدة اليمنية، ليجسد استمرارية لدوره التاريخي كأحد مكونات اليقظة الوطنية اليمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى