
على طريقة الذين يواجهون ضجيج العالم بنغمة واحدة صافية، جاء محمد مشعجل من أقصى الشرق، من المهرة التي تعرّف نفسها بالبحر والصحراء والهدوء، يحمل في حنجرته تعريفا آخر لليمن. لم يقل كثيرا، ولم يطلب من الضوء اذنا، اكتفى بأن يغني؛ فإذا بالأغنية تفعل ما لا تفعله حكومات، تطمئن، وتجمع، وتدل على الطريق.
نودعه اليوم، فنكتشف اننا لا نرثي فنانا فحسب، بل نودع نافذة كانت مفتوحة على شرق يمني نحتاجه لاستعادة توازن الصورة واكتمال النغمة. عرفه الناس سفيرا للأغنية المهرية، لا بلغة المراسم، بل بقدرته على حمل لغة قومه الى مسامع اليمنيين والعرب كما هي، بوقار البادية، ووداعة الساحل، وصلابة الداخل. لم يتنكر لخصوصيته ليصير أوسع انتشارا، بل جعل من الخصوصية جسرا الى المشترك اليمني والعربي.
مشعجل ابن المهرة، من قبيلة رعفيت؛ هناك حيث يتجاور الرمل والخضرة والبحر، تعلم كيف تصير البساطة قوة. حضر في افراح الناس ومناسباتهم الاجتماعية والوطنية، لا ليؤدي فقرة عابرة، بل ليؤدي وظيفة اجتماعية كاملة، ان يكون للألفة موسيقى، وللمصالحة ايقاع، وللذاكرة سجل يخلد بالعود قبل ان يكتب بالمداد. كان ونيس السهارى، وحادي القفار والاسفار، وصوت المراهقة الأولى حين تحتاج الى لحن يهذبها.
غنى بالعربية اليمنية وباللغة المهرية؛ وهذا وحده كاف لندرك معنى الحراسة الثقافية. اذ ليست المهرية مادة للحنين فحسب ، بل كيانا وهوية حية. لذلك بدت تجربته فعل (حفظ بالأذن) فالأغنية هنا ليست رفاهية، بل ارشيفا حيا ينقل المفردات والأساليب والنبرات من جيل الى جيل بلا ضجيج نظري. ومع كل تسجيل يقل توتر سؤال الهوية، لان الصوت يسبق الجدل.
لم يكن مشعجل اسير دور واحد. قدّم الحانا وأداء لأغنيات، وتعاون مع شعراء وفنانين من بيئته، فخرجت اعماله مختومة بطابع المكان لا بتكلف السوق. وفي اعماله الأخيرة — ومنها «فيها جمال المهرة» — أعاد تذكيرنا بان تعريف اليمن لا يستعار من نشرات الاخبار؛ اليمن يعرّف نفسه حين يغني، تنوعا وثراء وصبرا واعتزازا.
برحيل محمد مشعجل، لم نفقد صوتا جميلا فحسب، بل فقدنا واحدا من حراس الهوية اليمنية. كان يعيد تعريف اليمن من هامشه الابهى — المهرة بلسانها المهري وايقاعها الخاص — لتصير الخصوصية جسرا الى المشترك لا سورا حوله.
سلام عليك يا مشعجل؛ ستبقى في ذاكرتنا الغنائية، في مرتبة استثنائية، حيث تتعانق العربية والمهرية بلا حرج، وحيث يصان ارث المهرة على الاوتار قبل ان يصان في الأرشيف. ومن بعدك علينا واجب لا يؤجل ، ان نجمع اعمالك المهرية ونشرح مفرداتها، وان نمد الضوء لأصوات جديدة تكمل السلالة نفسها.
فالأصوات النادرة لا تدفن؛ تتحول الى نبض مألوف في القلب، والى رصيد حي للهوية — هوية لا تكتمل الا اذا سمعت لهجاتها ولغتها الخاصة، وظلت المهرة تغني داخل الخريطة لا عند حافتها.




