حكايات اليمن الصامتة.. الفتيات المعنّفات على أرصفة الحياة
يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ من بشرى عبدالرحمن
في زاوية غرفة صغيرة، تحدق فتاة شابة بصمت في يديها المرتجفتين، محاولة إخفاء كدمات حديثة تحت أكمامها. خلف ملامحها المرهقة، تختبئ حكاية مأساوية تشبه قصص مئات الفتيات اللواتي يتعرضن للعنف يوميًا، سواء داخل بيوتهن أو في الأماكن العامة. يجدن أنفسهن دون ملاذ آمن أو صوت ينصفهن. العنف ليس مجرد حادث عابر، بل هو سلسلة متصلة من الانتهاكات التي تسلب طفولتهن، تحطم أحلامهن، وتغرس فيهن خوفًا دائمًا من المستقبل.
هذا التحقيق لـ”يمن مونيتور” يسلط الضوء على هذه الحكايات الصامتة، كاشفًا أبعاد الظاهرة وأسباب استمرارها. فكل قصة من القصص التالية تمثل مئات الفتيات المعنّفات، وتطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن حمايتهن من دائرة العنف التي لا تزال تحاصرهن؟
زواج مبكر ينهي حياة أسمهان
في أحد المراكز الطبية خارج العاصمة، لا تزال الطبيبة إيمان تتذكر قصة أسمهان، الطفلة التي كان يفترض أن تعيش براءة طفولتها، لكنها دُفعت إلى زواج قسري أنهى حياتها سريعًا.
“أسمهان، في الثالثة عشرة من عمرها، زوجوها لرجل في الأربعين. لم يعترض أحد، وكأن حياتها لا تساوي شيئًا”. كان الحمل أكبر من جسدها الصغير، والولادة أصعب من قدرتها على الاحتمال. “دخلت المستشفى وهي ترتجف، قال الأطباء: لا بد من عملية قيصرية”.
طفلة على سرير العمليات بدلًا من مقعد الدراسة، لكن قلبها توقف في منتصف العملية. رحلت أسمهان، تاركة خلفها حسرة لا تندمل.
تضيف الطبيبة لـ”يمن مونيتور”: “كلما تذكرتها، يغمرني الغضب… غضب على مجتمع يصمت أمام اغتصاب الطفولة ويبرر موتها بعبارة ‘قدر’. أي قدر يسرق حياة طفلة؟”

طفولة منهوبة خلف الجدران
تعيش الطفلة رهام (11 عامًا)، في أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة صنعاء، مأساة صامتة داخل بيت والدها منذ زواجه. تحوّل يومها إلى سلسلة من الصراخ والضرب والعمل الشاق.
تقول جارتها أسماء: “كل صباح أسمع صراخ زوجة أبيها يتبعه صوت الضرب. والله قلبي يتقطع وأنا أسمع”.
لم تعد رهام تعرف معنى اللعب أو الضحك. تروي الجارة مشهدًا مؤلمًا: “رأيتها تنظف الصحون ويدها مليئة بالجروح.
ناولتها ماءً فقالت بصوت مرتجف: ‘خالة بتكرهني… أمس ما تعشيت'”. الأب، كما تؤكد الجارة لـ”يمن مونيتور”، يتجاهل كل شيء: “يجلس يأكل بجانب زوجته وكأن البنت ليست ابنته”.
ملامح “رهام” تكشف قسوة التجربة؛ جسد نحيل، وجه شاحب، وطفولة منتهكة. وبينما يلهو أطفال الحارة، تبقى رهام أسيرة مطبخ وصوت قاسٍ.
المقعد الفارغ
في إحدى القرى النائية، لا تزال المعلمة ألطاف تتذكر تلميذتها نجاة، تلك الطفلة التي حضرت المدرسة لأيام قليلة فقط. تقول ألطاف: “كانت عيونها تلمع كلما أمسكت القلم… أدركت أنها ذكية وقد تكون الأولى على الصف”. لكن فرحتها لم تدم، فقد منعها والدها من الدراسة لتبقى راعية للغنم وخادمة في البيت.
تضيف ألطاف: “رأيتها بعيني، تقود الغنم بعصا أطول من جسدها، ويداها مليئة بالخدوش. قالت لي وهي تبكي: ‘اشتقت للمدرسة… بس أبي هددني بكسر رجلي لو رجعت'”.
واجهت المعلمة الأب، لكنه رد بسخرية: “البنات ما تنفعهن الكتب… مكانهن البيت والغنم”. منذ ذلك اليوم، ظل مقعد نجاة فارغًا، فيما أحلامها تُدفن وهي ما تزال طفلة.
طفولة تُجلد باسم “العيب“
تروي أم حسناء بصوت مكسور لا يخلو من غضب: “بنتي ما كملت عشر سنين… راحت تركض وتلعب بالكرة مع أولاد الحارة، كانت تضحك من قلبها… لكن ضحكتها ما كملت، شافوها أعمامها، جرّوها من شعرها وصفعوها وهي تبكي: ‘يمّه… ما عملت شي، كنت ألعب'”.
الأشد قسوة، كما تقول الأم، كان “صمت المحيط”: “الناس كلهم ساكتين، كأن الضرب حق طبيعي على البنات، كأننا نعيش في زمن ما فيه رحمة”. القصة ليست استثناءً، بل صورة يومية متكررة. “لو ضحكت البنت قالوا عيب، لو ركضت عيب، ولو غلطت تُعاقب بالضرب”، تقول الأم بأسى، وتضيف: “مو العيب إن بنتي لعبت… العيب قلوب قاسية وناس يتفرجوا وما يهزهم شيء”.

عنف تحت وطأة “دبّة الماء“
في إحدى قرى ريف حجة، تسرد أمّ حكاية طفلتها “بيان” ذات العشرة أعوام، التي تعيش حياة أقسى من سنّها بكثير. تستيقظ بيان باكرًا، وتحمل “دبّة الماء” في طريق وعر مليء بالحجارة والوحل. أحذيتها الممزقة لا تحميها من شوك الأرض ولا من البرد، فتعود منهكة وكتفاها الصغيران يئنّان من الثقل.
“حين تصل إلى البيت لا تجد رحمة، إن تأخرت يضربها أبوها، وإن لم يكن الماء صافيًا يصفعها عمّها ويشتمها… كأنها ارتكبت جرمًا، بينما هي مجرد طفلة ضعيفة أُجبرت على ما يفوق طاقتها”.
طعامها لا يتجاوز خبزًا يابسًا، وثيابها بالية، وصحتها تذبل يومًا بعد يوم. “تنهار على الفراش من التعب والضرب، لا من الشبع… وأنا أمها، قلبي يتفتت وأنا أراها بهذه الحال يوميًا”.
الأم قررت كسر صمتها: “يا سالم… اتقِ الله في ابنتك، أما يكفيها شقاء الطريق حتى تزيدها ضربًا؟”. تضيف الأم بأن العيب ليس في طفلتها، بل في قسوة من حولها وصمت المجتمع. “حرام أن تُدفن طفولة البنات تحت دبّة ماء وخبز ناشف وأحذية ممزقة، بينما القلوب صامتة كالحجر”.

طفلة تُزفّ إلى الموت
في قصة أخرى من أحد أرياف الحديدة، تحدثت الأم فاطمة عن طفلتها أمل: “ابنتي لم تكمل العاشرة، كانوا يقولون: ‘الستر واجب’، لكنني كنت أصرخ: ‘عادها صغيرة… ما زالت تلعب'”. زُفّت الصغيرة إلى رجل يكبرها بعقود، لتجد نفسها أسيرة بيت يغمره الخوف والوجع.
تضيف الأم: “كانت تبكي حتى جفّت دموعها، وحاولت أن تلقي بنفسها في البئر هربًا من عذابها، لكنهم أعادوها إلى الجحيم”.
وحين جاء موعد الولادة، لم يحتمل جسدها الهزيل ثقل التجربة. على سرير المستشفى، توقّف قلبها. “ماتت أمل… ماتت قبل أن تعرف معنى الحياة، دفنوا معها ضحكتها وطفولتها”. قصة “أمل” ليست استثناءً، بل جرح يفضح قسوة زواج القاصرات وصمت مجتمع يبارك المأساة باسم العادات والتقاليد.
طفولة مسروقة على رصيف التسوّل
أمام أحد المطاعم في العاصمة صنعاء، اقتربت طفلة صغيرة بقدمين حافيتين وثوب متسخ، مدت يدها بانتظار صدقة. وعندما سُئلت عن قصتها، تردد صوتها الخافت: “أنا أجي هنا كل يوم من الصبح للّيل… أهلي يرسلوني أتسوّل، ولازم أرجع بفلوس. إذا ما رجعتش بكافي… يضربوني، والفلوس كلها يأخذوها”.
كلماتها كانت خليطًا من براءة الطفولة وخوف أثقل من جسدها النحيل. في مثل عمرها، كان يفترض أن تكون على مقاعد الدراسة، لكنها حُرمت من أبسط حقوقها. “الناس لما يشوفوني أتسوّل… يضحكوا عليّ أو يطردوني، محد يشوفني كطفلة… يشوفوني شحّاته، وأنا بس نفسي أكون زي باقي الأطفال… ألعب، ألبس نظيف، وأتعلم”. لم تكن مجرد متسولة صغيرة تحاول كسب لقمة، بل صورة لطفولة تُنتزع كل يوم تحت قسوة الفقر واستغلال الأسرة وصمت المجتمع.
“اسكتي مالكش قيمة!”
تجلس “عافية” بجسدها النحيل في أحد الأسواق المزدحمة تبيع المناديل الورقية. تقول: “كل يوم أتحمل إهانات… يصرخون: يا عبدة، يا سوداء. وإذا رديت، يقولوا: اسكتي… ما لكِش قيمة”. كانت تحاول أن تبتسم، لكن التعب والخذلان كانا واضحين. حتى من يمد يد العون لا يفعل ذلك اعترافًا بحقها، بل كنوع من الشفقة.
“لما يشتروا مني، أحسها شفقة، مش احترام. أنا ما خرجتش أتسول رحمتهم… خرجت عشان حقي أعيش وأطعم أولادي”.
غادرت عافية بسرعة لتلحق بزبون عابر، وبقي صدى كلماتها في صخب السوق وضجيج الحرب، يضيع صوتها ومعه أصوات كثير من المهمشات، بين إهانات جارحة وحق بسيط مسلوب، الكرامة الإنسانية.

أثر عميق يتجاوز الطفولة
تقول الأخصائية النفسية إشراق السامعي: إن العنف الموجه للفتيات دون سن الرابعة عشرة يترك ندوبًا لا تزول بسهولة، فهو يضرب جذور الشخصية ويهدد مستقبل الصحة النفسية والاجتماعية.
وتوضح السامعي لـ”يمن مونيتور” أن الدماغ في هذه المرحلة العمرية يكون في طور التشكّل، وأي صدمة مبكرة قد تؤدي إلى اضطرابات ما بعد الصدمة، القلق، الاكتئاب المزمن، وحتى الميول الانتحارية لاحقًا.
كما أن الإساءة تزرع لدى الفتاة صورة مشوّهة عن ذاتها، ما يرسّخ أنماطًا معرفية سلبية تتحكم في علاقاتها وسلوكها مستقبلًا. على المستوى الجسدي، تشير إلى أن الخوف المستمر يضع الجسد في حالة استنفار دائم بسبب إفراز هرمون الكورتيزول، مما يضعف المناعة ويزيد من قابلية الإصابة بالأمراض.
ترى السامعي أن الخطر الأكبر يتجاوز حدود الفرد ليصل إلى المجتمع، إذ يمكن أن تنقل الفتاة المعنّفة أنماط العنف نفسها إلى أبنائها، ما يكرس دائرة متوارثة عبر الأجيال. تؤكد أن الحل يبدأ من الأسرة باعتماد التربية الداعمة بدلًا من العقاب، مرورًا بمدارس قادرة على التدخل المبكر، وصولًا إلى قوانين صارمة ومراكز دعم نفسي متخصصة. وتختم بالقول: “تجاهل هذه القضية يجعل العنف يغذي جيلًا هشًا نفسيًا قد ينفجر في المستقبل على شكل عنف أو أزمات اجتماعية واسعة”.
نصوص متقدمة وثغرات مؤرقة
ترى القاضي فاتن عبدالله دبوان أن القانون اليمني قطع شوطًا في حماية القاصرات، لكنه لا يزال يواجه ثغرات تحتاج إلى معالجة عاجلة.
وقالت لـ”يمن مونيتور”: “القانون يكفل حماية الفتيات دون الرابعة عشرة من أي عنف جسدي أو نفسي، سواء في الأسرة أو المجتمع”. فقد نص قانون حقوق الطفل لعام 2002 على حظر سوء المعاملة، وألزم بإحالة المعتدين إلى القضاء، بينما قرر قانون الجرائم والعقوبات عقوبات تصل إلى السجن أو الغرامة تبعًا لجسامة الفعل.
لكن المعضلة تظهر – بحسب دبوان – في حال وفاة الطفل، فالقانون يفرض القصاص (الإعدام) على الجاني، غير أنه يستثني الوالدين، مكتفيًا بالدية والحبس حتى ثلاث سنوات. توضح: “هذا الاستثناء يضعف الردع ويترك الأطفال عرضة للخطر”. اليمن التي صادقت عام 1991 على اتفاقية حقوق الطفل، مطالبة اليوم – كما تؤكد القاضي فاتن – بمراجعة تشريعاتها بما يضمن حماية شاملة ورادعة، لتبقى الطفولة في مأمن من أي عنف.
ليست حوادث فردية
يتضح أن تعنيف الفتيات ليس مجرد حوادث فردية عابرة، بل هو انعكاس لمنظومة اجتماعية وثقافية وقانونية تحتاج إلى مراجعة جادة. فكل قصة صمت أو خوف تخفي خلفها ندوبًا أعمق مما يراه الآخرون، وكل فتاة تُعنَّف هي خسارة لقيمة إنسانية ومجتمعية لا تُقدَّر بثمن. إن معالجة هذه الظاهرة تبدأ من الاعتراف بخطورتها، مرورًا بنشر الوعي المجتمعي، وصولًا إلى تطبيق صارم للقوانين التي تضمن حماية الفتيات وحقهن في العيش بأمان وكرامة. فالمجتمع الذي يصمت أمام العنف، إنما يشارك في استمراره، والمسؤولية اليوم ليست على الفتاة وحدها، بل على الأسرة، والمؤسسات، والقانون، وكل فرد يؤمن بأن الكرامة الإنسانية لا تُجزَّأ.



