الجمهورية بين السلطة والقبيلة في اليمن: قراءة في كتاب أبو بكر السقاف.
كتاب “الجمهورية بين السلطة والقبيلة في اليمن الشمالي”، من تأليف الدكتور أبو بكر السقاف، وهو مثقف يمني ينتمي إلى المدرسة الاشتراكية الماركسية.
صدر الكتاب عام 1988، وهو كتاب عميق يتناول بالتحليل الفلسفي متغيرات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الجزء الشمالي من اليمن خلال المراحل التي سبقت قيام الوحدة اليمنية.
عند صدور الكتاب، نُشر باسم مستعار “محمد عبدالسلام”، حيث كانت المرحلة تتسم بالقمع الفكري، على حد قول المؤلف. ولكن بعد ذلك، أتيح للمؤلف إعادة نشره باسمه الحقيقي، أبو بكر السقاف.
والحقيقة أن هذا الكتاب يحتاج إلى ثقافة واسعة لقراءته وفهمه، خصوصًا في ما يتعلق بالمفاهيم النظرية السياسية الاشتراكية والماركسية، كون مؤلفه اعتمد الإسقاط النظري على الواقع اليمني. وقد وُفّق في جوانب كثيرة منه، ولا أدري إن كان قد أخفق في جوانب أخرى.
عمومًا، يطرح الكتاب قضايا مهمة وجوهرية ربما لم يسبق لأحد أن طرحها وناقشها بهذا المستوى من العمق. يقول السقاف في الكتاب:
“ينبغي أن ندرك أنه إذا لم يتم تناول قضايا الوطن بجرأة ووضوح، فإن الوعي الزائف سوف يستمر، وفي مصاحبته أوهام تتيح للظلام أن يسود.”
يجيب الكتاب عن أسئلة محورية عديدة، ظلت منذ أمد بعيد دون مراجعة. من بينها سؤال ينتشر بين عامة الشعب: لماذا لا يتمتع جميع أبناء اليمن الشمالي حتى الآن بحقوق مواطنة متساوية لا تفرق بين أبناء الوطن الواحد؟ وبكلمات أخرى: لماذا لم يستقر مفهوم المواطنة بدلًا من مفهوم الانتماء القبلي، على الرغم من سقوط الإمامة وإعلان الجمهورية منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا؟
في حدود 200 صفحة، يناقش المؤلف المحاور التالية:من الإمامة إلى جمهورية سبتمبر، الجمهورية بين السلطة والقبيلة، التبعية المزدوجة،النفط في مأرب وآفاق المستقبل السياسي.
غير أني في هذه المقالة لن أدخل في تفاصيل سياسية كثيرة، بل سأركز على زاوية القبيلة والمواطنة المتساوية.
من الدروس المهمة في الكتاب أن المجتمع الجامد تكون رواسب الماضي فيه قوية. يقول السقاف:
“كلما قلت ديناميكية مجتمع ما، كان نصيب الماضي ورواسبه فيه قويًا. فأكثر المجتمعات قدرة على الحركة وتحقيق وتيرة عالية من الحراك الاجتماعي، هي تلك التي لا يثقل كاهلها ميراث باهظ يشل حركتها أو يفرض عليها البطء عندما تكون السرعة واجبة. ومن أحد أسباب التطور في أمريكا الشمالية كان خلو مؤسساتها الجديدة من الحكم والإدارة من الموروث الذي نجده في أوروبا.”
ينفي الكتاب كون الإمامة حكمت اليمن لفترة طويلة باستقرار، كما تقول بعض الروايات. يقول السقاف:
“لا يستطيع تاريخ الإمامة أن يفخر بأنه حقق حكمًا مركزيًا طويلًا أسهم في تطوير المجتمع بمنحه سنوات من الاستقرار والازدهار. بل قد يكون من أسباب نجاح الإمامة الزيدية مناسبتها لمنطق البيئة والقبيلة في الشمال.”
ويضيف أن الإمام يحيى كان يقف ضد العرف القبلي بقوة خوفًا منه، واصفًا حكم العرف القبلي بحكم الطاغوت على حساب تمدد الحكم بالمذهب الزيدي فقط:
“لو كانت الرابطة الدينية قائمة بين حكم الإمام يحيى والقبائل، لما ارتفع صوته مندّدًا بحكم الطاغوت الذي كان يصف به العرف القبلي. إنه يريد حكم المذهب الزيدي ومحو حكم الطاغوت.'”
ومن سمات الإمامة التناقض والحيلولة دون وحدة اليمن. فقد كانت تقف عائقًا أمام توحيده في لحمة واحدة، وكل ما تريده هو إخضاعه:
“كانت شخصية الإمام عائقًا أمام الوحدة. فهي، في وقت واحد، تريد إخضاع المجتمع لحكمها وتخشى توحيده. إنها تمثل جزءًا منه وتريد حكمه كله. وهذه بعض تناقضاتها.”
بسبب هذا الوضع السياسي المتناقض، كان الولاء للإمام يحيى ولاءً زائفًا أساسه الخوف من الطغيان أو بفعل الخرافة والهالة الدينية التي ارتداها. ولهذا يقول الكاتب:
“ما يسلم به الشيخ أو ابن القبيلة للإمام، رغم الهالة الدينية، ليس نابعًا من الولاء الذي يربطه بالحاكم في إطار تصور للحكم والدولة، وإن لم يغب هذا الولاء كلحظة في الوعي الاجتماعي. وأهم منه العلاقة التي ملخصها سيف المعز وذهبه: الغلبة لا الشريعة. الأولى عمادها العصبية، والثانية تقوم على تصور رابطة دينية بين الحاكم والمحكوم.”
لذلك، ونتيجة لهذا كله، يقول المؤلف إن المواطنة لم تكن موجودة منذ الإمامة في اليمن. فقد كان المواطنون، في تعريف الإمام، هم أتباع المذهب الزيدي ومحبي آل البيت فقط. يقول:
“فالمواطنة مفهوم لم تعرفه تلك المجتمعات. وهذا ينسجم كل الانسجام مع تصور الإمام يحيى للتاريخ والحكم داخل المذهب الزيدي. فهو لم يتنازل إلا لرعية محتملين من السنة، ولكنه لم يفرط في أتباع المذهب ومحبي آل البيت، الذين بلغ عطفه عليهم حدًا جعله ينجح في إعفاء بعضهم من الزكاة لفقرهم.”
ينتقد المؤلف الحكم الجمهوري أيضًا، كونه أخفق في بناء المواطنة المتساوية كمفهوم وممارسة سياسية في اليمن. حيث لم تزدهر بعد قيام الجمهورية، إذ بقيت القبيلة تتحكم بالسياسة في اليمن وتعيد فرز الأفراد على أساس مناطقي وقبلي، من خلال تسللها إلى المؤسسة العسكرية وكثير من مرافق الدولة:
“قامت القوى الجديدة بالدور الأكبر في الدفاع عن الجمهورية في حصار صنعاء. وانتصر شعار ‘الجمهورية أو الموت’ الذي رفعته المقاومة الشعبية، لا في صنعاء بل في جميع المدن الأخرى. وفي الريف، لم يكن أحد المخلصين في الجيش أو المقاومة الشعبية يتوقع أن الجمهورية المنتصرة ستغير جلدها بعد حوالي عامين. وأن عددًا من الذين حموها سوف يزجون في السجون ويتشردون، وأن بعضهم سيقع فريسة للجنون تحت ثقل الفارق بين الحلم والواقع والتضحيات.”
يتحدث المؤلف عن خصائص مشرقة للقبيلة اليمنية بقوله:
“إن القبيلة ركيزة سلطة المشائخ، وهي مؤسسة اجتماعية يضفي عليها البعض سمات تجعلها معادلة للتاريخ اليمني، بل والعربي العام كله. وهي جماع الفضائل العربية. إنها كيان اجتماعي يجسد كل القيم التي كان العرب يلخصونها بكلمة المروءة. إنها، في سياق خطابي مبهرج، أثمن ما في الشخصية اليمنية. وتحدد أحيانًا وكأنها هدف التاريخ كله.”
لكنه يعود للحديث عن الوجه الآخر للقبيلة، ويعدد مساوئها من حيث هي مؤسسة اجتماعية:
“المؤسسة القبلية لا تستطيع التعايش مع أي حكم مستقر. وهي بطبيعتها نقيض السلطة المركزية، حتى في أضعف صورها.”
ويضيف:
“إن الوجه الذي يفخر به النسّابة المعاصرون، في حقيقته ضعف أساسي في كيان الدولة اليمنية القديمة. فهي لم ترقَ إلى مستوى الدولة القومية بسبب ما يشبه ‘الديمقراطية العسكرية’ القديمة، التي توجد توازنًا بين القبائل داخل اتحاد القبائل. ولما كانت القبيلة لا تجيد إلا لغة الشقاق، فإنها تكسر إطار الاتحاد دوريًا لتسود إحداها. فلا يتيح ذلك أي فرصة لنشأة سلطة مركزية قوية على غرار تلك الدولة الشرقية التي تعرف عند المؤرخين الغربيين بدولة الاستبداد الشرقي.”




