أمراء الحرب وسياسة التجويع في اليمن
وسط الضجيج السياسي الذي يملأ المشهد اليمني، وأروقة الاجتماعات التي تعقد تحت مسميات السلام والتسوية، أو ما يسمى تعزيز دور العمل المصرفي بهدف تجاوز المشكلات الإقتصادية في اليمن، هناك حقيقة واحدة لا تقبل التشكيك: المجاعة باتت واقعًا يوميا يطوّق الملايين من اليمنيين، ليس لأنها مشكلة عرضية للحرب والصراع بين مليشيا الحوثي والشرعية اليمنية، بل كأداة يستخدم فيها الاقتصاد لإدارة الصراع، بدلا من إنهائه. هذا النزاع الذي تاهت بوصلته بين المصالح الإقليمية والرهانات الدولية، لم يعد الشعب اليمني فيه سوى رقم في تقارير ترفع إلى المؤسسات الأممية، يحصى بعدد ضحاياه، لا بعدد من نجوا من فخ التجويع المنهجي الذي بات سياسة معتمدة، وليس مجرد نتيجة عرضية لانهيار اقتصادي.
لم تعد الحرب اليوم في المدن اليمنية صراعا نحو الخلاص من جماعة إنقلابية، فقد تحول إلى آلة لتدمير المجتمع نفسه عبر آليات التجويع الممنهج، ولم يعد القتال محصورا في الجبهات العسكرية، فقد امتد مؤخرا ليصبح حربا اقتصادية تستهدف الإنسان قبل أن تستهدف العدوان. أطراف النزاع، سواء كانوا لاعبين داخليين أو وكلاء إقليميين أو وسطاء دوليين، أصبحوا جميعا شركاء في عملية تعيد تشكيل حياة اليمنيين وفق نمط يجعل الجوع هو سيد المشهد، والموت البطيء هو المصير الحتمي لملايين المدنيين. اليوم، لم تعد الحرب قائمة في الجبهات العسكرية، فقد انتقلت إلى الأسواق، والمنازل، والحول من قدرة المواطن على الوصول إلى أبسط حقوقه المعيشية، ودفع الاقتصاد إلى فوهة النزاع، ليكون وسيلة لتحويل كل مواطن يمني إلى رهينة في يـد القوى المتصارعة.
بين الحين والآخر، تعلن أطراف النزاع الشرعية-الحوثية أنها حريصة على دعم الجهود الأممية في إنجاح خريطة الحل السياسي الشامل وإنهاء الحرب لما فيه مصلحة الشعب، لكن الواقع المؤسف يخبرنا أن الجميع، قد اتفقوا على ضرورة تجويع شاملة للمواطن اليمني الذي لا يعرفون حجم تعداده الحقيقي. لم يعد الوضع مجرد تحذيرات للاستعطاف والاستهلاك الإعلامي، فبعد الانهيار القياسي للريال اليمني، بوصوله إلى 2880 أمام الدولار الواحد، مرتفعاً من 214 ريالاً قبل الحرب، باتت المجاعة تقرع أبواب اليمنيين بشكل حقيقي، مستفيدة من تسهيلات قدّمها الجميع بلا استثناء. وفي ظل هذا الوضع المزري، تتسابق الأطراف المتنازعة إلى تقديم خطابات تعلن عن التزامها بالمسار السياسي، بينما يموت طفل يمني كل بضع دقائق بسبب الجوع وسوء التغذية.
ترفع الشعارات عن الحل الشامل، بينما تنهار قيمة الريال اليمني إلى مستويات تُحكم الحصار على ما تبقى من قدرة شرائية للناس، فلا يعود بإمكانهم حتى شراء لقمة تُبقيهم على قيد الحياة. وهكذا، يصبح القهر وسياسية التجويع المتعمدة، إعلان صريح بأن القدرة على الحياة نفسها أصبحت امتيازًا وليس حقا طبيعيا، وأن اللقمة لم تعد جزءًا من الحقوق الأساسية، بل ورقة تسخدم في لعبة الصراع.
الحكومة الشرعية، التي يفترض أنها الضامن الوحيد لاستقرار اليمن، تركت المدن الواقعة تحت سيطرتها عرضة لسلطة المليشيات المسلحة وسماسرة العملة، ولم تتحرك لضبط الاقتصاد، وتبنِ خطة لإنقاذ العملة، وتقديم حلول حقيقية يجنب الشعب المزيد من الانهيار، وإنما انشغلت بصراعات جانبية، تحولت إلى لاعب في الحرب أكثر من كونها جهةً تعمل على إنهائها. وفي المقابل، جماعة الحوثيين الإنقلابية التي تسيطر على الكتلة السكانية الأكبر في البلاد، تستخدم هذه الكتلة كرهينة في معادلاتها السياسية، تنهب الإيرادات، تسرق الموارد شمالا وغربا، وتحرم الموظفين حتى من نصف راتب كل شهرين، بحجة أن مواردها تضررت بفعل الضربات الجوية والاعتداءت الخارجية، ثم تتحدث عن معاناة اليمنيين وكأنها طرف محايد لا علاقة له بكل ما يحدث.
ليس هناك صراع على مستقبل الدولة بقدر ما هو صراع على إدارة الفوضى، وإعادة تدوير الأزمة لتبقى تحت السيطرة، دون أن تصل إلى الحسم أو إلى تسوية تنقذ المواطن العادي من الكارثة التي تتفاقم يوما بعد آخر. ومن سوء حظ الشعب اليمني أنه وقع بين فكّي سلطات وأطراف انتهازية لا تفكر سوى في مصلحتها، حتى وإن امتدت الحرب إلى عقود عدة. لا أحد يكترث لما يحدث من كارثة اقتصادية ومجاعة ستزهق حياة ملايين البشر. يقف المواطن اليمني اليوم بين طرف يتمسك بالمرجعيات الثلاث التي تضمن له الاستمرار في حكم بلد سيتحول إلى هياكل عظمية، وطرف لا هدف له سوى القيام بتعديل القوانين اليمنية المعمول بها منذ العام 1990 لتكريس حكمه الغاشم وخرافات التمكين الإلهي. وفي ظل الوضع القاتم، يبدو اليمن كما لو أنه أصبح مختبرا لمعرفة أي مدى يمكن أن يُدفع مجتمع بأكمله نحو المجاعة دون أن يتحرك العالم لإنقاذه.
وفي الجهة المقابلة، تكتفي الأمم المتحدة بإطلاق التحذيرات، دون أن تُقدِّم أي حل جاد لإيقاف الانهيار المالي الذي يضاعف الأزمة، لم تقدم أي رؤية لمعالجة الانقسام المالي بين مصرفي صنعاء وعدن، ولم تفرض توحيد النظام النقدي، أو العمل على إيجاد آلية تضمن على الأقل وجود سعر صرف موحد يمنع هذه الفوضى المالية التي تجعل المال نفسه يتحول إلى أداة استنزاف جديدة. بل تحوّلت إلى طرف آخر في إدارة الفوضى، تقدم بياناتها، وتطلق مناشداتها، بينما يواصل اليمنيون السقوط في حفرة بلا قاع، تُبتلع فيها أرواحهم، لا بسبب القذائف وحدها، بل بسبب السياسات المالية التي لم تترك لهم حتى القدرة على شراء أبسط احتياجاتهم اليومية. من يصدق أن التحويل المالي من عدن إلى صنعاء يحتاج إلى 80% عمولة؟ بمعنى، من يريد إرسال 100 ألف ريال لأحد معارفه سيجد أن 20 ألفًا منها ستذهب لشركات الصرافة بفعل التعسف الحوثي وانعدام السيولة النقدية؟… أي اقتصاد هذا الذي يدار وفق منطق النهب العلني، وأي سياسة هذه التي يفرضها سماسرة العملة وتجار الحروب، وتُترك الأسواق للفوضى المالية التي لم يعد فيها للناس سوى الانتظار، حتى تنتهي الحرب، أو تنتهي حياتهم تحت رحمة الجوع.
من يصدق أن أسعار المواد الغذائية ترتفع يوميا بفعل انهيار مالي لا يتحكم فيه السوق الطبيعي، بل بفعل مراكز القرار التي تستخدم الاقتصاد أداة للضغط السياسي، لا وسيلة لإنقاذ شعبها؟.. هذه المعاناة هي من تجعل اليمنيين في موقع أكثر قسوة من أيّ وقت مضى، بحيث لا يكون الحل السياسي محور اهتماماتهم. لم يعد المواطن اليمني يبحث عن انتصارات سياسية، ولا يهتم بمن يملك القرار، لأن المعركة الحقيقية التي يخوضها يوميا ليست معركة تحرير أو سيطرة، بل معركة بقاء في واقع لم يعد يُتيح له حتى أدنى احتياجاته المعيشية. لا تهمه الاتفاقات، ولا يعنيه الحديث عن مستقبل السلطة، لأنه فقد الثقة بكل الخطابات التي ترفع باسم الشعب بينما يترك الشعب نفسه لمصيره داخل دائرة قاتمة من المجاعة والفقر المرضي.
الحرب لم تعد معركة بين جيوش، بل صراع اقتصادي لا يعرف الرحمة، تتحكم فيه الأرقام، الأسواق، المصارف المنقسمة بين صنعاء وعدن، الحسابات التي تزداد ثراءً كلما ازداد الفقراء فقرًا. لم يعد الانهيار للعملة مجرد كارثة مالية، وإنما حكمٌ بالإعدام الجماعي، يُفرض تحت أنظار العالم، ويُترك ليواصل انتشاره بلا أي محاولةٍ جادة لإنقاذ البلاد من هذه الهوة التي تبتلعها. الحرب، التي يقال إنها تهدف إلى الحفاظ على كرامة اليمنيين، لم تُقدِّم لهم سوى قهر مستمر، ووعود كاذبة، وسياسات تدير الفوضى بدلًا من حلها.
كل من يتحدث عن حماية الشعب، بينما يترك المجاعة تتفاقم حتى تصل إلى كل بيت يمني، لا يمكن أن يكون صادقا، لأن الكرامة لا تبنى وسط الطوابير الطويلة أمام الأفران، ولا تتحقق حين تُصبح قارروة الماء، أو عبوة الدقيق حلما بعيد المنال. لا يريد المواطن اليمني حالياً أكثر من تحييد الاقتصاد، وإذا ما عادت الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، وأصبحت الخدمات الأساسية متاحة للفقراء كافة، فلا يهمه الاتفاق السياسي أو استمرار الحرب التي تكيّف معها، وإذا ما توفرت لقمة العيش لأولاده، فلتذهب جميع الأطراف وخريطة الحل الشامل إلى الجحيم.
المزايدات المفضوحة لم تعد تنطلي على الشارع اليمني من قبل أطراف الصراع وأمراء الحرب. ومن يزعم أنّ هدف استمراره بالحرب هو الحفاظ على كرامة شعبه العظيم، في وقت يترك الجوع يفتك بالناس مثل المنجل، مجرّد كاذب، ولا يعمل سوى لصالح متحاربين بالوكالة. لا يمكن أن تكون الحرب وسيلة لحماية الشعب، إذل كانت هذه الحرب قد جعلت الشعب نفسه هو الضحية الأولى لكل سياسة تدار باسمه.




