صمود أم استسلام؟ …صيادو البحر الأحمر بين فكي التصعيد والجوع

يمن مونيتور/ من محمد عبد القادر اليوسفي
مع كل فجر يُلقي فيه صيادو البحر الأحمر شباكهم في المياه المتوترة، لا يكون الخوف من شح الرزق وحده هو الهاجس، بل من رصاصة طائشة أو لغم عائم أو مطاردة من جهة مجهولة، في هذه السواحل الغنية بثروتها والفقيرة بأمنها، باتت رحلة الصيد مغامرة يومية لا أحد يضمن نهايتها.
يعيش الصيادون على أملٍ يشبه التعلق بزعانف سمكة تنجو من شِباك الموت، فيما تتآكل حياتهم من الداخل بين تصعيد عسكري يُحاصر البحر وفقر يُطبق على اليابسة، في هذا التقرير نوثق حياة الصيادين في غرب اليمن، نلتقط معهم تفاصيل يوم يترنح بين الأمل والفقد، ونرصد كيف خنقت الحرب آخر المتنفسات.
بحر بلا أمان
في عرض البحر لم يعد الزورق وسيلة للرزق فقط، بل قارب نجاة محتمل من رصاص يطاردهم من كل اتجاه، لا قوانين تحمي الصيادين، ولا جهة توفّر لهم ضمانًا من موت مباغت، قد يأتي من فرقاطات بحرية أو ألغام انفجرت بمراكب زملاء لم يعودوا
يقول الصياد محمد أحمد من المخا: “أصبحنا نودّع أهلنا وكأننا في طريق حرب لا في طريق رزق، في كل رحلة هناك من لا يعود”، هكذا تحوّل البحر من حاضن للحياة إلى فم مفترس مفتوح بلا رحمة.
التصعيد العسكري الذي تشهده مياه البحر الأحمر منذ أشهر، وخصوصًا مع تصاعد الهجمات البحرية، جعل من الصيد مغامرة شديدة الخطورة، الألغام البحرية طافت حتى وصلت شواطئ الخوخة، وأدت إلى مقتل صيادَين في يونيو الماضي. حسب مواطنين محليين
يشير الصياد محمد، الى ان هناك سفن مجهولة تتحرك في مناطق الصيد، تلاحق بعض القوارب وتمنع الاقتراب، في ظل غياب تام لأي رقابة أو تواصل رسمي يحمي حياة المدنيين الذين لا علاقة لهم بأي صراع.
حتى قوارب خفر السواحل اليمنية، لم تعد تملك القدرة أو الإرادة على فرض حماية، فيما تقف مؤسسات الدولة عاجزة أمام مشهد الفوضى في عرض البحر.
مهنة تختنق
مع تدهور الوضع الأمني تصاعدت الأعباء الاقتصادية على الصيادين لتصبح هذه المهنة التي كانت مصدر عيش كريم عبئًا لا يُحتمل.
“أسعار الوقود ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، وبات تشغيل القارب ليوم واحد يتطلب ما يعادل دخل اربعة ايام إن لم يكن أسبوع كامل”، بحسب شهادات متفرقة جمعها “يمن مونيتور”، من صيادين وعاملين في الصيد.
الصيادون الذين كانوا يخرجون يوميًا أصبحوا يغامرون مرة أو مرتين في الأسبوع فقط، بسبب الكُلفة العالية، في هذا الصدد، يعلّق الصياد ناصر سيف من الخوخة: “نحتاج من 30 – 40 لتر ديزل على الأقل لكل رحلة، وسعر اللتر تجاوز 1300 ريال، ولا نضمن أن نعود بغلة توازي الكلفة”.
إلى جانب الوقود هناك مشكلة تآكل معدات الصيد وغياب البدائل، يقول صادق علي (اسم مستعار)، وهو احد الصيادين في محافظة الحديدة، لـ “يمن مونيتور”: “الشباك تتلف، والمحركات تحتاج صيانة، والبدائل إما غير متوفرة أو باهظة الثمن، دعم الجهات الرسمية معدوم والجمعيات السمكية في حالة موت سريري”.
يشير صادق، الى ان أسعار بيع الأسماك تراجعت مؤخرًا نتيجة تدهور القدرة الشرائية للمواطنين ما جعل هامش الربح ينخفض بشكل حاد في بعض الأحيان : “تُلقى الأسماك التي يتم اصطيادها في البحر أو تُمنح مجانًا، لعدم قدرتنا على تسويقها وتخزينها”.
هذه العوامل كلها جعلت المهنة تختنق ببطء مع غياب أي سياسات إنقاذ أو دعم استثنائي، فيما يستمر الانهيار دون أن يلتفت أحد لحجم الكارثة القادمة من البحر.
عائلات في مهب الريح
وراء كل قارب يعود خالي الوفاض، هناك أسرة تنتظر دون طعام، تتأثر العائلات مباشرة بانكماش هذه المهنة، خصوصًا وأن معظم سكان الشريط الساحلي يعتمدون على الصيد كمصدر رزق أساسي ولا يمتلكون بدائل أخرى.
في منطقة الدريهمي بمحافظة الحديدة، تجلس أم صابر تراقب صحن الأرز الخالي على الموقد البارد، قائلة: “اليوم الثالث لم ناكل سمكا، صابر لم يصطد شيئًا منذ أسبوعين، ولم يبق في البيت إلا الملح والدعاء”.
تضيف ام صابر: “اطفالي الاثنين انقطعوا عن التعليم بسبب عجزنا عن دفع الرسوم، وانشغالهم بالبحث عن عمل يوفروا لنا من خلاله لقمة العيش”.
ليست ام صابر وحدها من يعيش هذه المأسآة، فالكثير من جيرانها لجأؤا الى إرسال أبنائهم للعمل في موانئ أخرى، والهجرة إلى عدن والمكلا.
الوضع الصحي بدوره تدهور بشكل خطير، فمع انعدام الدخل توقفت زيارات المستشفيات، وتضاعفت حالات سوء التغذية خصوصًا بين الأطفال والنساء الحوامل، تقول مصادر طبية في مركز صحي بمديرية الدريهمي لـ “يمن مونيتور”،: “نستقبل بشكل شبه يومي، حالات فقر دم حاد عند أطفال صيادين، ولا قدرة لهم على شراء حبة دواء”.
المأساة تتجاوز الفقر، إنها مجاعة مقنعة تضرب شريحة كاملة من المجتمع، وسط تجاهل رسمي، وتخلي المنظمات الإنسانية عن تغطية احتياجات هذه المناطق المنسية.
بين الأمل والاستسلام
رغم كل ذلك، لا يزال الصيادون يتمسكون بأمل هش، يُحييه تضامنهم البسيط، وصمودهم الجماعي في وجه الجوع والموت، مبادرات أهلية بدأت تظهر هنا وهناك، تحاول تقديم دعم طارئ للصيادين المتضررين.
بحسب مصادر محلية، بعض الجمعيات المجتمعية حاولت التدخل، لكن قدراتها محدودة، مع ذلك هناك جهود تسعى لتدريب الشباب على صيانة القوارب وتعليمهم مهن أخرى يمكن أن تشكّل مخرجًا مؤقتًا من الكارثة.
تُطرح كذلك مطالب واضحة من الصيادين أنفسهم ارادوا ايصالها عبر “يمن مونيتور”: “تأمين الحماية البحرية، تقديم دعم للوقود، إعادة تفعيل الجمعيات السمكية، وفتح الأسواق الخارجية لتصدير الإنتاج”.
الحلول ليست معجزة، لكنها تتطلب إرادة سياسية وقرارًا واضحًا بإعادة الاعتبار للمواطن الذي يعيش على الشاطئ، البحر لا يزال قادر على العطاء، لكنه لا يمنح شيئًا لمن لا يحترمه أو يحميه.
يختم الصياد سالم، وهو شيخ تجاوز الستين: “نحن أبناء البحر لا نعرف غيره، إذا أغلقوه في وجوهنا فلن نغرق فقط، بل ستموت اسر بأكملها من الجوع”.




