ملاك الأغبري.. طالبة يمنية تحصد المركز الأول في الهندسة الطبية الحيوية بجامعة سامسون التركية
يمن مونتور/ خاص/ من هبة التبعي
تواصل المرأة اليمنية إثبات حضورها اللافت في ميادين العلم والمعرفة داخل الوطن وخارجه، متحدّيةً ظروفاً مركّبة وصعوبات لا حصر لها. ومن رحم هذه التحديات، تبرز قصص نجاح ملهمة، أصبحت تُروى في المحافل الدولية قبل أن يُحتفى بها محليًا.
في هذا الحوار الصحفي، تسرد لنا ملاك الأغبري، الطالبة اليمنية المتفوقة، تجربتها الدراسية التي توجت بتفوقها كالأولى على جامعة سامسون التركية في تخصص الهندسة الطبية الحيوية، لتغدو قصة نجاح تُحتذى ونموذجًا مشرفًا لكل امرأة يمنية تؤمن بقدرتها على التميز رغم كل العوائق.
من هي ملاك الأغبري؟ وكيف بدأت رحلتكِ من اليمن إلى تركيا؟
أنا ملاك جبريل صادق الأغبري، ابنة أكاديميين يمنيين؛ والدي أستاذ جامعي في جامعتي تعز والقصيم، ووالدتي أستاذة بكلية الآداب في جامعة تعز.
نشأت بين اليمن والمملكة العربية السعودية، حيث درست المرحلة الثانوية في مدينة عنيزة، وتخرجت بمعدل 100٪، كما حصلت على درجات متميزة في اختبارات القدرات (100٪)، والتحصيلي (98٪)، وSTEP (89)، واختبار IELTS بدرجة (7.0).
منذ البداية كنت أبحث عن تخصص يجمع بين حبي للطب وشغفي بالتقنية، فوجدت ضالتي في الهندسة الطبية الحيوية.
لماذا اخترتِ الدراسة في تركيا تحديدًا؟
جاء اختياري لتركيا لأنها من الدول القليلة التي توفر تخصص الهندسة الطبية الحيوية بجودة أكاديمية جيدة وتكاليف معقولة، إضافةً إلى أن البيئة الثقافية والاجتماعية في تركيا قريبة من قيمنا وعاداتنا، ما سهّل عليَّ قرار الانتقال والدراسة هناك.
ما الذي جذبكِ لتخصص الهندسة الطبية الحيوية تحديدًا؟
هذا التخصص يمثل مزيجًا بين الطب والتكنولوجيا، وهو ما لطالما جذبني. شعرت أنني من خلاله يمكنني المساهمة في تطوير حلول طبية مبتكرة تحسن جودة حياة المرضى وتحدث فرقًا حقيقيًا في الواقع الصحي.
حصلتِ على المركز الأول على مستوى جامعة سامسون.. كيف كان شعوركِ بهذا الإنجاز؟
شعور لا يمكن وصفه. كنت أتوقع تكريمي كالأولى على قسمي فقط، لكن المفاجأة كانت حين تلقيت اتصالًا من مكتب رئيس الجامعة يهنئني بأنني الأولى على مستوى الجامعة بأكملها. كانت لحظة فخر وامتنان لله، ولعائلتي، ولكل من دعم مسيرتي.

ما أبرز التحديات التي واجهتكِ كطالبة يمنية مغتربة في تركيا؟
التحديات كانت كثيرة في البداية، أبرزها حاجز اللغة الأكاديمية، صدمة الغربة، وصعوبة التأقلم مع نظام تعليمي مختلف تمامًا. كما أن شعور الوحدة كان حاضرًا بسبب قلة عدد اليمنيين في المدينة. لكن وجود والدتي وإخوتي لاحقًا في تركيا ساعدني كثيرًا في تجاوز هذه التحديات.
كيف ترين أوضاع الطلاب اليمنيين المغتربين في تركيا؟ وما أبرز المشكلات التي يواجهونها؟
الطلاب اليمنيون في تركيا يواجهون صعوبات كبيرة، تبدأ باستخراج الإقامات، مرورًا بارتفاع تكاليف المعيشة، وانتهاءً بغياب الدعم المؤسسي والمنح الدراسية.
كذلك، يعاني كثير من الطلاب من غياب التوجيه الأكاديمي المناسب، وعدم دراية كافية باختيار التخصصات أو فهم نظام الجامعات التركية.
ما حجم الدعم الذي تلقيتِه من العائلة أو من الجالية اليمنية خلال دراستكِ؟
الدعم العائلي كان جوهريًا في رحلتي. والدتي ضحت بالكثير وتركت كل شيء خلفها لتكون بجانبي في تركيا، وكان لوجودها دور كبير في دعمي واستقراري النفسي.
أما المجتمع اليمني، فرغم محدوديته في مدينتي، إلا أنني حظيت بدعم طيب من بعض الأسر والطلاب اليمنيين الذين تعرفت إليهم لاحقًا.
ما أبرز المشاريع أو الأبحاث التي عملتِ عليها خلال سنوات دراستكِ؟
أبرز مشاركاتي كانت في مشروع التخرج، حيث صممت نعلًا طبيًا مخصصًا لمرضى السكري باستخدام تقنيات المحاكاة والتحليل الهندسي، وقد حاز المشروع على المركز الأول في معرض الكلية. كما شاركت في إعداد بحث علمي مع أحد أساتذتي، وتم تقديمه في مؤتمر أكاديمي وتم نشره لاحقًا.
كيف تقيمين مستقبل تخصص الهندسة الطبية الحيوية في العالم العربي، وخاصة في اليمن؟
التخصص واعد للغاية، خصوصًا مع التحول الرقمي في قطاع الرعاية الصحية. لكن للأسف لا يزال غير مستثمر بالشكل الكافي في بلداننا. في اليمن تحديدًا، هناك حاجة ماسة لمهندسين طبيين مؤهلين للمساهمة في تطوير وصيانة القطاع الصحي، وكذلك في البحث العلمي.
ما خططكِ بعد التخرج؟ وهل ترغبين في استكمال دراستكِ العليا أم التوجه مباشرة لسوق العمل؟
أنا حاليًا في مرحلة دراسة الخيارات، بين استكمال الماجستير في تركيا أو بلد آخر، أو خوض تجربة العمل مباشرة. أطمح لاكتساب خبرات عملية وأكاديمية متنوعة، خاصة في بيئات بحثية تطبيقية.
هل تفكرين في العودة إلى اليمن والمساهمة في تطوير القطاع الصحي هناك؟
نعم، بالتأكيد. هذا ضمن أهدافي بعيدة المدى. أرغب في نقل المعرفة والخبرات التي اكتسبتها للمساهمة في تطوير التعليم والتطبيقات الهندسية الطبية في اليمن.
ما الرسالة التي ترغبين في توجيهها للشباب اليمني الطموح في الداخل والخارج؟
لا تنتظروا أن تتوفر لكم الظروف المثالية، بل اصنعوها بأنفسكم. آمنوا بقدراتكم، واسعوا للعلم والمعرفة أينما وجدت. اليمن يحتاج إلى شباب واعٍ، يحمل رؤية لبنائه، ولو بدأت خطواته من مكان بعيد.
هل مررتِ بلحظات يأس أو رغبة في التوقف؟ وكيف تجاوزتِها؟
نعم، خاصة في بداية تجربتي في تركيا. شعرت بالإرهاق والتشكيك في قدرتي على المواصلة. لكن دعم أسرتي، وتذكّري لأهدافي، واستحضار إنجازاتي السابقة، كانت كفيلة بإعادتي إلى المسار الصحيح.
من هو قدوتكِ في الحياة والعلم؟ ولماذا؟
قدوتي هما والديّ. رغم ما واجهاه من صعوبات، بنيا مسيرة أكاديمية وإنسانية تستحق الاحترام. زرعا فيّ حب المعرفة، والصبر، والإتقان.
ما الصفات أو المهارات التي تعتقدين أنها ضرورية للنجاح والتفوق؟
الانضباط، حب التعلم، المرونة، إدارة الوقت بفعالية، والسعي الدائم للفرص. كذلك التواضع العلمي والقدرة على العمل بروح الفريق من الصفات الجوهرية.
ما الكلمة التي توجهينها لكل فتاة يمنية تحلم بالدراسة في الخارج أو تواجه ظروفًا صعبة؟
لا تسمحي لأي شيء أن يوقفكِ. الغربة صعبة، والظروف قد تكون قاسية، لكنكِ أقوى مما تعتقدين. استعيني بالله، واطلبي العلم بشغف، وكوني أنتِ القصة التي تُروى يومًا ما لإلهام غيركِ.
بهذا القدر من الإلهام نختتم حوارنا مع ملاك الأغبري، الشابة اليمنية التي أثبتت أن النجاح لا تحدّه الجغرافيا، ولا تُقيّده الأزمات. شكراً لكِ ملاك على وقتكِ، ونتمنى لكِ مستقبلًا مشرقًا يليق بعزيمتكِ وقصتكِ التي ستبقى مصدر إلهام لكل من يؤمن بقدراته.
