كتابات خاصة

العلمانية والإسلام (5)

عبدالله القيسي

من يتأمل آيات القرآن الكريم لا يجد هناك إلزاما بالطاعة خارج طاعة الله ورسوله غير طاعة أولي الأمر. سلطة دينية أم سياسية؟
ذكرت في مقال سابق أني سأعتمد في هذه السلسلة تعريف العلمانية للمفكر الفرنسي جان بوبيرو أحد أهم الأخصائيين العالميين في دراسة العلمانية، لأن تعريفه لخص أهم مرتكزاتها كإجراء سياسي للتعايش والعيش المشترك بين مختلف التيارات والمذاهب، ولأن تلك النقاط التي ذكرها هي التي تستحق من أجلها أن نناضل لتسوية الأرضية المشتركة بيننا جميعا حتى لو أخذنا لها اسما مختلفا، وما عداها من تفصيلات في التعريف أو حمله التعريف لاحقا من حمولة فلسفية لا تهمنا لأنها لا تحقق الغاية التي نريد، ولأنها لصيقة بسياق الصراع الأوروبي ذاته.
في هذا المقال سأذكر ما قاله بوبيرو عن أضلاع العلمانية الثلاثة، ثم أنظر في تلك الأضلاع هل منها ما يمكن أن يتصادم مع أصول الفكر الإسلامي أم لا؟ سأناقش كل مرتكز من مرتكزات العلمانية التي ذكرها بوبيرو في ضوء فكرنا الإسلامي والنص المؤسس للدين (القرآن).
يقول بوبيرو “الضلع الأول فيه (وهو يتعلق بخاصية العلمانية) هو عدم تسلط الدين (أو أي نوع آخر من المعتقدات) على الدولة، ومؤسسات المجتمع والأمة والفرد، والضلعان الآخران من المثلث هما: حرية الضمير والعبادة والدين والعقيدة، وذلك في التطبيق المجتمعي وليس كمجرد حرية شخصية باطنية، والمساواة في الحقوق بين الأديان والمعتقدات؛ مع ضرورة تطبيق هذه المساواة واقعيا ومجتمعيا”.
يمكن أن أعيد صياغة تلك المرتكزات في ثلاث نقاط كالتالي:
1.استقلال مؤسسات الدولة عن السلطة الدينية.
2.حرية المعتقد.
3.حياد الدولة تجاه المعتقدات.
نقف أولا مع الفقرة الأولى التي تقول باستقلالية السلطة السياسية عن السلطة الدينية، وهذه الفقرة تعود بنا إلى ذاك الصراع الذي حصل في أوروبا بين سلطتين دينية وسياسية، كل سلطة لها أدواتها ونقاط قوتها التي مكنتها من السيطرة والتسلط، فمرة تقوى هذه ومرة تلك، ومرة يستفيد هذا من ذاك والعكس، ثم انتصرت في النهاية السلطة السياسية التي أيضا مارست بعد ذلك إرهابا واستبدادا على الناس بمثل ما عملته سلطة الكنيسة، فورثت كل تغول الكنيسة ولكن برموز ومصطلحات جديدة، حتى جاءت فكرة الديمقراطية التي نظمت علاقة الحاكم بالمحكوم ورتبت وسائل اكتساب السلطة وطرق تداولها بحسب اختيار الشعب.
برغم أن تاريخنا السياسي والفكري لم يشهد صراعا كذاك الذي حصل في أوروبا في قرونها الوسطى، ولم يشهد سلطة دينية بذلك الشكل، بل كانت السلطة السياسية هي من تستخدم الدين لتحقيق مصالحها في الغالب، فكنا بحاجة إلى تحرير الدين من الدولة أكثر من حاجتنا لتحرير الدولة من الدين، إلا أني سأتوقف عند هذه النقطة لأؤكد أن لا سلطة تطاع عندنا إلا سلطة واحدة وهي السلطة السياسية فقط، أما السلطة الدينية فلا يوجد ما تستند عليه في فكرنا، وسبب ثان لتوقفي عند هذه النقطة هو ما بدأ يظهر مؤخرا من صراع سياسي يغلف بثوب الطائفية والمذهبية للوصول إلى الحكم فكان لابد من سحب البساط من تحت الادعياء ومن خلفهم، وأيضا ما ظهر من محاولة جماعات متطرفة لقهر الناس والتسلط عليهم باعتبار أنها تستمد شريعتها من الله أو من الدين في تغييب للشعب ومحو للآخر المختلف. وكذلك ما تحاوله بعض المؤسسات الدينية أو المذاهب -عبر خطابها الذي يحمل تجاوزا للقانون والدستور المتفق عليه- من تأسيس لبعض السلطة عبر فتاوى يمكن أن يتأسس عليها أفعال خارج القانون والدستور المتفق عليه، كفتاوى التكفير التي تتبعها أفعال القتل حتى ولو لم ينطقوا بها، فصكوك التكفير تشبه إلى حد ما صكوك الغفران في أوروبا، ولو أن المسألة توقفت عند التكفير فقط لكانت أهون.
من يتأمل آيات القرآن الكريم لا يجد هناك إلزاما بالطاعة خارج طاعة الله ورسوله غير طاعة أولي الأمر، فمن هم أولوا الأمر وما هو الأمر؟ هل هم الساسة أم العلماء؟ وهل الأمر أمر ديني أم دنيوي؟
إن ما تقوم به المؤسسة الدينية أو المذهب أو الجماعة هو أنها قد تعتبر نفسها المعنية بأولى الأمر في تلك الطاعة، أو تعتبر نفسها الناطقة باسم طاعة الله ورسوله، وتصير طاعة الله ورسوله هي ذاتها طاعتهم، أو تعتبر نفسها الاثنين معا.
أما فساد الثانية فواضح وقد كتب فيه الكثير، ففهم مجموعة من الناس وإن كثروا لا يمثل القول النهائي للنص الديني ولا يعتبر ناطقا رسميا باسم الله ورسوله، والدين علاقة بين الإنسان وربه، وعلاقة بين الإنسان والمجتمع والكون، والأولى خاصة لا تحتاج إلى وسائط من رجال الدين، والثانية يقنّنها وينظمها مجموع المجتمع بحسب ثقافته، وعن طريق أهل الشورى فيه، فإن كان مجموع المجتمع مؤمنا بدين ما فإنه يستقي قوانينه من روح ومبادئ ذلك الدين مع الاستفادة من تراكم الخبرة الإنسانية التي سعت نحو العدل.
أما بالنسبة لأولي الأمر التي جاءت آية النساء بطلب طاعتهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فإن المقصود بها السلطة السياسية لا الدينية، وقد اختلف المفسرون قديما حول المقصود بأولي الأمر، فذهب فريق -وهو الأكثر- إلى أنهم الأمراء (أي السلطة السياسية بلغة اليوم)، وذهب فريق آخر إلى أنهم العلماء (ما يمكن أن نسميه سلطة دينية)، ومنهم من رأى أن المقصود بهم الفريقان.
وبعد تأمل واستقراء للفظ الأمر في هذه الآية وآيات أخرى في نفس السياق نجد أن الأمر ارتبط بالشورى “وشاورهم في الأمر” “وأمرهم شورى بينهم” فهاتان الآيتان توجهان النبي عليه السلام إلى مشاورة أصحابه في الأمر باعتبار النبي ولي أمرهم، ولا تتم تلك المشاورة التي يتخذ على أساسها القرار إلا إن كان الأمر أمرا دنيويا لا دينيا خالصا، إذ الأمر الديني يعود فيه النبي لله وحده.”يستفتونك قل الله يفتيكم” فهذه الآية تقول للنبي أن يقول لأصحابه أن الفتوى ليست له وإنما هي لله وحده، وما محمد إلا رسول يبلغ تلك الفتوى، وإذا كانت الفتوى ليست للنبي فبالأولى لن تكون لمن هو دونه مهما بلغ من العلم.
هذا المعنى للأمر جاء واضحا في آية أخرى تقول “وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به” والأمن والخوف أمران دنيويان لا دينيان.
إذن فالمقصود بأولي الأمر المطلوب طاعتهم هم السلطة السياسية (قضاء وتشريع وحكومة) الذين اخترناهم بإرادتنا ليديروا أمر حياتنا الدنيوي، ولا دخل لهم ولا لغيرهم بأمر حياتنا الديني فهو عائد إلى الله وحده، وعلى هذه السلطة أن لا تستبد بالأمر وإنما تشاور من اختارهم الناس ليكونوا ممثلين عنهم -يسمون بأهل الشورى- ثم تتخذ القرار المناسب الذي ينبغي على الناس طاعتهم فيه.
بهذا يتضح أنه لا يوجد في فكرنا ما يمكن أن تستند عليه أي مؤسسة دينية أو مذهب أو جماعة في محاولة لإيجاد يد لها في السلطة كيفما كان شكلها، مع العلم أنه يحق لمن يسمي نفسه رجل دين أن يرشح نفسه ويختاره الناس ويصير جزءا من السلطة السياسية، ومن حق الناس أيضا أن يسقطوه إن رأوا أنه غير صالح، كما أن من حق أي مجموعة من الناس تكوين نقابة لهم أو مؤسسة يطرحون فيها رؤيتهم شرط أن لا يجعلوا من كلامهم مقدسا يجب على الناس تنفيذه حتى ولو لم يقتنعوا به، بل عليهم أن يكتفوا بأن يقنعوا الناس في المجتمع المدني، فإذا اقتنع الناس بشيء حولوه لقانون ودستور ينظم حياتهم،  وهكذا يكون تنظيم الشأن العام بين الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق