كتابات خاصة

جوارح الإمام

بلال الطيب

العساكر الذين عاثوا في ربوع «اليمن الأسفل» فساداً وإرهاباً، كانوا هم جميع «جـوارح» الإمام التي يبطش بها. “من قـال برأسه كذا، قلنا بسيفنا كذا”؛ قانون الغاب الذي كرسه الأئمة من بيت «حميد الدين» في سلطانهم، فـأزالوا قيم الحب والتسامح، وبعثـروا بكرامة الإنسان اليمني فوق التراب، وكان لهؤلاء الطغاة عساكر «أعفاط»؛ تم تجنيدهم بعناية لقـهر الشعب وإذلاله، وتطبيق قـانون الغاب بصورة أشمل، كي تعُم مصائبه الكبيـر والصغير دون استثناء.
وكان حال هـؤلاء «المُتنفذون» أشبه بوصف «المُتنبي» الشاعر:
جوعان يأكل من زادي ويمسكني
لكي يقال عظيم القدر مقصود
وقول «الزبيري» الثائر:
العسكري بليدٌ للأذى فطنٌ
كأن إبليس للشرِ رباهُ
أسس الإمام يحيى حميد الدين ذلك الجيش خالصاً مُخلصاً على أسـاس قبلي محض، ومعظم افراده من قبائل شمال الشمال «أبنـاء ألأنصار ــ أنصـار الله ــ أنصار الحـق»؛ الذين حـاربوا معه الأتراك، وصاروا يعانون من البطالة بعد رحيلهم، وكان يُسمى بالجيش «البراني»، حيث يتولى أفراده تسليح أنفسهم، وفق رغباتهم، ومن مالهم الخاص، ولأن الخـدمة فيه اختيارية، فقد ظل قوامه يتأرجح صعودا وهبوطا، وتذكر بعض المراجع أن أعلى سقف بلغه حوالي «50,000» مقاتل.
حددت مدة بقاء الفرد فيه من سنه إلى سنتين، ثم إبداله بشخص من أهله أو قرابته، ولكل مجموعة «عريفة» أو «شيخ»، وهو المسئول عنهم، وكان الـواحد منهم لا يُسمى جندياً، بل مجاهداً في سبيل الله؛ وكانت تسميتهم الشائعة «عُكـفي»، وهي كلمة مشتقة من «الاعتكـاف»، والمغزى منها: أنهم في حالة «جهاد» و«اعتكاف» ما دامـوا بعيدين عن أهلهم وقراهم، عبـادة لله، وطاعة للإمام.
ومن الصفات التي تطلق على ذلك الجيش أنه غير نظامي، بل عـدو النظام، وكان أفراده يضيقون من الانضباط، ورؤساؤه يرفضون التحديث، ويصورونها للإمام على أنها مرهقة للميزانية والأفراد، ووصل بهم الأمـر إلى تحريم ارتداء السراويل القصيرة لأنها مخالفة للشرع؛ وغيرها من الأمثلة المضحكة التي لا يتسع المقـام لذكرها.
أفراد ذلك الجيش دائما في حالة تحفز للحرب، وأغانيهم وأهازيجهم أغاني وأهازيج حرب، والعسكري منهم يحظى باحترام من يعمل في معيته، وكان يبدي العامل سروره بأن يكون ذلك العسكري في رفقته، فهـو بالإضافة إلى مسنده القبلي، غليظ الطباع، لا يتهـاون في أمور الجباية، ولا يعـرف قلبه الرحمـة.
تتلخص مهام ذلك الجيش في «الخطاط، التنافيذ، المأموريات»، والويل كل الويل للرعية إذا لم يحسنوا استقبالهم، فعندئذ يقوم العسكري «المنفذ» بإطلاق رصاصة في الهواء، تسمى «تضميره»، ويعود إلى العامل ويدعي أنهم «ضمروه»، فيرسل الأخير على الفور مجموعة من العساكر لتأديبهم.
يتسابق هـؤلاء العساكر لشراء «المأموريات»، مقابل مبلغ من المال يدفعونه للمسؤول عنهم «رشوة»؛ تتفاوت من «أمر» لآخر، فكل منطقة لها ثمنها، وهذا التهافت سببه أن أجرة «التنافيذ» تساوي مرتب عدة أشهر، كما أن الأكل الذي يأكلونه عند الرعية لا يجدونه في ثكناتهم، والضيافة التي يحضـون بها لا يجدونها عند أهلهم؛ ولذلك كانت هذه المهنة محببة عند هؤلاء، وبسببها نجح الأئمة في ايجاد ذلك العداء السـافر بين الرعية والعساكر.
في رسالة طويلة بعثها أحد الأحرار ـ يُعتقد أنه الاستاذ أحمد النعمان ـ إلى الجامعة العربية، منتصف خمسينيات القرن الفائت، قال فيها كلاماً كثيراً عن هؤلاء العساكر المتوحشون، وذكر بأنهم يعبثون بحقوق الرعية، بصورة تفزع لها النفوس، وتنكرها الأخلاق الكريمة، وتغضب لها شريعة الوحوش، وأرجع ذلك إلى نشأتهم الأولى، القائمة على الشراسة، والحقد، والحرمان.
وأضاف: «وقد يبلغ اللؤم في نفوس هؤلاء العسكر أن يصروا على أن يستقبلهم الرعية بالطبول والمزامير، وبعضهم لا يكتفي بهذا، بل يبلغ به التعنت أن يشترط على الرعوي بتوسيع باب بيته حتى يدخل الدار والبندقية في وضع أفقي؛ وبعد الغداء يقومون بمضغ القات، ويحيط بهم بعض المغنيين والمسوطين من رجال ونساء القرية، وصاحب البيت وأولاده واقفون للخدمة، ثم تمر الشهور وهم على هذه الحالة يتنقلون من قرية إلى أخرى، والحقوق التي تجمع تحمل على دواب العشائر المُسخرة».
وأردف: «وقد تبلغ بهم النكاية إلى أن يتطلعوا إلى عورات النساء، ومطاردتهن، وإجبارهن في بعض الأوقات على الفاحشة، ولابد لصاحب البيت أن يطلق لهم الحرية للاطلاع على كل ما يحويه البيت، ويتغاضى عن اقتراف أشنع الجرائم التي تلحق بشرفه، وإلا ضربوا جسمه بالسياط».
وهذا «أبو الأحرار» الشهيد محمد محمود الزبيري، نقل لنا في احدى قصائده صورة مصغرة لذلك التوحش، نقتطف منها:
والجيشُ يحتلّ البلادَ وما لَه
في غيرِ أكواخِ الضعيفِ مقامُ
يَسْطُو وينهبُ ما يشاءُ كأنّما
هُوَ للخليفةِ مِعْولٌ هدّامُ
كما نقل لنا ذات الصورة عبر مساجلة بديعة، اختزلت كل المعاناة:
«العسكري»:
 اين الدجاج.. وأين القات فابتدري
إنا جياع وما في حيكم كرمُ
«العجوز»:
يا سيدي ليس لي مال ولا نشب
ولا ضياع ولا قربى ولا رحمُ
إلا بني الذي يبكي لمسغبة
وتلك أدمعه الحمراء تنسجمُ
«العسكري»:
إني إذن راجع للكوخ أهدمه
يا شافعية إن الكذب دأبكموا
الغرض الأول من وجود هذا الجيش، يرجع إلى رغبة الإمام يحيى في منافسة الجيش النظامي، فهو لا يريد لهذا الأخير أن يكون جيشا قويا حتى لا ينقلب عليه، فـ «البـراني» يعتبر الأصل في نظره، لأنه الجيش الـوفي الذي عاصر أسلافه، ووقف في كل الحـروب إلى جانب الأئمة، لذلك كانت له الأسبقية في كل الأحوال والظروف.
حين زار الرحالة الدنماركي «نيبور» اليمن في عهد «المهدي» عباس «1763»، نقل أحوال عساكر ذلك الزمان، تفاصيلها تتشابه إلى حدٍ ما مع ما ذكرناه أنفاً، قال: أن الواحد منهم يستبسل في خدمة وإرضاء الإمام، وإذا كان ثمة مواجهة فإنه يربط ساقه إلى ركبته، ويستمر في إطلاق النار على أعدائه إلى أن يفنيهم أو يفنوه.
وأضاف: «يحتفظ الإمام بقوات من الجنود لم استطع معرفتها بالضبط، جند معظمهم من حاشد وبكيل، والرؤساء الأربعة لهذا الجيش، هم مشايخ همدان ووداعة وسفيان وخولان، أما أسلحتهم فهي الرماح وسيوف المبارزة، وبعضهم يحمل المسدسات في قراب السروج، والجميع لا يعرف شيئاً عن الملابس الرسمية، وكل واحد منهم يلبس ما يروق له».
وقد أشتهر أولئك العسكر بـ «إدمانهم» لـ «البردقان ـ الشمة»، و«الحشيشة»، و«الخمرة»؛ وكانوا يفرضون «الجزاءات» المالية على الناس، في سبيل الحصول عليها، وفي ذلك قال العلامة ابن الأمير الصنعاني:
وأما الجزاءات التي كل ليلةٍ
سياراً تسمى وهي إحدى الفواقرِ
ففي بردقانٍ أُنفقت وحشيشةٍ
وخمرٍ لخمارٍ ولهوٍ لسامرِ
واختــم بالـقــول: أن أولئك العساكر الذين عاثوا في ربوع «اليمن الأسفل» فساداً وإرهاباً، كانوا هم جميع «جـــوارح» الإمــام التي يبطش بها، وكانــوا أيضاً دعامــة وسند نظام بيت «حميــد الدين» البائــد، ولولاهم لما استمر مخــاض ثــورة «26سبتمبر1962» لأكثر من سبع سنوات، ولولاهم ما عادت «الإمامة الزيدية» لتكشر عن أنيابها من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق