كتابات خاصة

الثورة المضادة للجمهورية (1)

محمد المقبلي

الثورة المضادة للمشروع الجمهوري ليست وليدة انقلاب 21 سبتمر 2014، وإن كانت قد بلغت ذروتها في ليلة الغدر بجمهورية الشعب. الثورة المضادة للمشروع الجمهوري ليست وليدة انقلاب 21 سبتمر 2014، وإن كانت قد بلغت ذروتها في ليلة الغدر بجمهورية الشعب ودولته وعاصمته، وهي من  اكثر ليالي صنعاء الحديثة ظلاماً.
غير أن خيوطها الأولى ربما كانت مصاحبة من اللحظات الأولى لخيوط الفجر الجمهوري وظلت متأرجحة بين نمو واضمحلال، حسب طبيعة السلطة الجمهورية..
وربما تستطيع قوانين الكيمياء الفيريائية أن تفسر المسألة سياسياً فيما يتعلق بالعلاقة العكسية والعلاقة الطردية بين السلطة والجمهورية..
 فكلما كانت السلطة الجمهورية تسير نحو تحقيق أهداف الثورة الجمهورية في بناء مشروع الدولة المتقدمة والحضارية، كلما كانت خيوط الثورة المضادة تذهب نحو الاضمحلال وهنا تكون العلاقة عكسية وفق قوانين الفيزياء السياسية، إن جاز لنا التعبير.
وكلما كانت السلطة الجمهورية تسير على نحو مضاد من الأهداف الجمهورية تنمو خيوط الثورة المضادة، وتصبح العلاقة بين الثورة المضادة والسلطة علاقة طردية قائمة على طرد المضامين الجمهورية من كيان الدولة والمجتمع.
وإذا ما تعلق الأمر بأخطر ملامح الثورة المضادة بعد ضرب مشروع الوحدة السلمية باعتبارها خلاصة الثورتين؛ هي تلك الخيوط التي ظهرت ملامحها في الحكم العائلي والتمهيد لاكتمال  الثورة المضادة التي أفشلت اكتمالها ثورة فبراير 2011م، والتوريث العائلي بحد ذاته ضرب للمضمون السياسي للمشروع الجمهوري القائم أساساً على جمهورية حكم شعبي واسع، وفي أن يمتلك الشعب سلطته.
 هذه هي أهم تجليات الحرية الشعبية التي تحضر بحضور الجمهورية وتغيب في غيابها، وهو ما يعززه  الفيلسوف الروماني “شيشرون” في تفسير بالغ الأهمية والتأثير عن علاقة الحرية بالجمهورية بقوله: إن الحرية الحقيقية “تعيش فقط في الجمهورية التي يقبض الشعب فيها على زمام السلطة”.
ويحسب للشعب اليمني في نضالاته الوطنية من منتصف القرن أنه عندما قاوم الاستبداد رفع لافتة الحرية والجمهورية، فلا جمهورية بدون حرية ولاحرية بدون جمهورية..
وهذا ما تفسره تحركات الثورة المضادة ضد الحرية من خلال الانقلابات أو من خلال سلوكها الانقلابي داخل بنية السلطة، وتركيزها الأساسي على ضرب مضمون الجمهورية من خلال البدء بقمع الحريات كمقدمة لاستلاب الحقوق إذ أن وسيلة انتزاع الحقوق هي الحرية.
الحرية باعتبارها القوة الروحية لأي شعب يقاوم ويعارض القوة المادية للسلطة المضادة الحرية..
 وفي مقدمة ذلك من وجهة نظري الشخصية حرية الإرادة والاختيار الشعبي في أن يختار الشعب من يحكمه عن طريق الانتخابات..
وهذا المضمون الجمهوري الخالد حكم الشعب نفسه بنفسه، ولست هنا بصدد التفصيل هل الجمهورية والديمقراطية صندوق انتخابات فقط، ومسألة كيف تكون الانتخابات نزيهة كذا  طبيعة الديمقراطية الناشئة وظروفها؛ لأن المجال هنا لا يسفعني.
لكن سأكتفي بخلاصة لأحد شباب ثورة 11 فبراير المثقف الشاب “حارث الثور” الذي قدم تلخيصاً بالغ النضج بقوله إن “الاستقلال شرط الدولة الوطنية وشرط الاستقلال قيام الحكم على شرعية شعبية كلية، بدون ذلك لا استقرار لأي حكم ولا تغييره إلا على أنهار من الدم.”
وهنا يشير الحارث إلى الشرعية الشعبية، وهي الحرية السياسية والحكم الاختياري للشعب وهذا ما تتصارع معه فكرة تاريخية شريرة سلطوية قائمة على اغتصاب الحكم.
وللزبيري إرث أدبي تاريخي متعلق بمقاومة اغتصاب الحكم كأساس للرجعية من خلال البيت الشعري المهم الذي يقول مطلعه: والحكم بالغصب رجيعاً نقاومه.
 وفيما تعلق الأمر بضرب القوى الحية داخل المشروع الوطني الجمهوري بكل اخفاقاته كانت هذا الضرب أحد الأدوات الناعمة لخيوط الثورة في ضرب روح مشروع التغيير الذي تبلور داخل المشروع الوطني المعارض للسلطة التي انحرفت بالمشروع الجمهورية وعملت على مد خيوط الثورة المضادة إلى داخل احشاء الدولة الجمهورية والسير نحو حافة التوريث باعتبارها أخطر منزلق للمشروع الجمهوري.. مهد لعود المشروع الإمامي.
وأخطر دمار روحي الحقته سلطة التوريث بسبتمبر أنها أفرغت العديد من النخب النضالية الحزبية وغير الحزبية من حيوتها الجمهورية وجعلتها متصالحة مع التوريث كسرطان مضاد للجمهورية أنعش خيوط الثورة المضادة وجسرها..
كان صالح يعمل على ضم تلك النخب إلى طبقة الامتيازات السلطوية بالفتات، وبالتالي
افراغها من مضمونها الجمهوري التغييري، وتخليها عن رافعة التغيير والجمهورية.
ولو تأملنا في خارطة أغلب النخب الثقافية والاعلامية والسياسية التي في حوش صالح والحوثي ستجدها إما طيور مهاجرة إصلاحية أو إشتراكية أو ناصرية، وهؤلاء كان البعض منهم طلائع وطنية جمهورية، ليصبحوا ضمن خيوط الثورة المضادة.
ولتفسير الإشكالية النفسية لتلك النخب النضالية، أطرح هذا التفسير النفسي والروحي من وجهة نظر شخصية  لانخراطها في الثورة المضادة، وهي أن الإشكالية تكمن في ضعف الاستعداد النفسي والروحي للمناضل والسياسي والمثقف على تحمل تبعات النضال من أجل الحرية تحت أي ظرف والاستمرار في المشروع الوطني نحو الخلاص الجمهوري الجماعي. 
يستعجل المناضل والسياسي والمثقف في الخلاص الجمهوري الجماعي وربما تتدهور ظروفه الشخصية والاقتصادية على وجع الخصوص، وتستغل السلطة المضادة للجمهورية الظرف الشخصي للفرد  تقدم له خلاص فردي بعدها يتراجع عن مشروع الخلاص الجمهوري  الجماعي ويلتحق بالحوش والحاشية..
وكانت تلك الاستقطابات تزدهر بعد كل مرحلة استحقاق شعبي من الوحدة إلى الانتخابات  وغيرها.. وهذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق