كتابات خاصة

حبلك السري يا ليد (2-3)

معاذ المقطري

الشاب الذي حمل بندقيته في “الباب الكبير”دفاعا عن شرعية رئيسه المنتخب، يعود إلى حيه القديم دون أن يغلق أبواب جرحه على نحو لائق، فكان عليه أن يترك أبواب ندوبه مشرعة أمام منتسبي طائفته المسماة: “جرحى تعز”. يتعاظم ما هو سري وشائك في متاهات الرحلة العلاجية للجريح، أمجد السري!!
فالشاب الذي حمل بندقيته في “الباب الكبير”دفاعا عن شرعية رئيسه المنتخب، يعود إلى حيه القديم دون أن يغلق أبواب جرحه على نحو لائق!!
افترست الحرب مدينته، وأخذ الحصار  يطوقه بفكه الملغوم من كل جانب، فكان عليه أن يترك أبواب ندوبه مشرعة أمام منتسبي طائفته المسماة: “جرحى تعز”!
وهي الطائفة التي قارب قوامها العددي نحو عشرين ألف جريح، معظمهم من المدنيين.
لم تتح له هذه الحرب أكثر من تلك الدراجة النارية التي مدته بحبل سري تدلى به هامدا من تحت نيران القناصة الحوثية التي نهشت جمجمته على مشارف وادي الدحي، يوم عيد الأضحى الماضي!!
على أن المشفى الذي أوقف به نزيفه الدماغي، بعد أن رموه بها قرابة يوم كامل، لم يعد متاحاً أمام الجرحى الذين تزايدت أعدادهم!!
بالطريقة ذاتها يرمى المئات من الجرحى على مشافي تعز، حيث باتوا يشكلون ضغطاً هائلاً على كوادر طبية تواصل الليل بالنهار بغية إنقاذهم، فيما العديد من المشافي دمر!!
وتورد الأحصاءات أرقاماً مرعبة عن حجم الدمار الذي لحق بالهياكل الطبية والصحية لتعز علاوة على البشر.. فالحرب التي راح ضحيتها أكثر 2500 شهيداً خلفت ما يزيد عن 18000 جريح، وأكثر من  600 معاقاً، فيما ألحقت دماراً كلياً وجزئياً بعشرين مستشفى ومركز طبي و65 عيادة، حسب إحصائيات أوردها إئتلاف تعز للإغاثة الانسانية.
الأحصائية ذاتها أوردت أرقاماً مفزعة لحجم الأطفال والمسنيين والمرضى الذين ماتوا لشحة الدواء وتوقف الأجهزة الطبية أو لعدم قدرتهم في الوصول إلى العلاج.
وعلى نحو أشمل، خلفت الحرب ما يزيد عن  600 ألف أسرة متضررة وألحقت الدمار بآلاف المنازل والمنشئات التي تشرد إثرها ما يزيد عن 50 ألف أسرة..
لقد حمل الإنقلابيون أوزار حربهم على الهياكل الصحية والإجتماعية والإنسانية الهشة التي حملت على عاتقها تعز بكتلتها السكانية الهائلة..
وضيقت لأبعد الحدود خيارات “أمجد السري” وطائفة جرحاه في النجاة ومتابعة العلاج!!
حيال هكذا خناق، كان على هذا “السري” إمتطاء تلك الناقة الصفراء التي نفذ بها للعلاج إلى  عدن عبر نقيل طالوق في جبل صبر!
وهو المنفذ الذي عبره مئات الجرحى على متن البعير والدواب التي حملت الإمدادات الغذائية والطبية لملايين السكان المحاصرين في مدينة تعز والأرياف المتاخمة لها.
في ديوان الشيخ “العزي نعمان” ببلدة ذبحان الجميلة، قابلت أمجد السري أثناء رحلته العلاجية إلى عدن!
كانت لهفته كبيرة في الوصول إلى العاصمة المؤقته التي تحررت لتوها ومعها يرتفع سقف توقعاته بالشفاء هناك، أو السفر للعلاج في السودان كما كان مقررا له!!
اعتبرت شعوره هذا جميلا ومطلوبا للغاية بالنسبة لرحلته العلاجية التي كانت انتكاستها متوقعة الإ من حبه الكبير لعدن!!
 اعلم الكثير بما جرى ويجري هناك في أجمل المدن اليمنية التي شكل إهمالها لعقود العنوان الأكبر لاحتجاجات السكان في الجنوب ما بالك بالحرب الأخيرة التي دارت فيها!!
فالمدينة التي ما زالت في طور الإنعاش المبكر ألحق بها الإنقلابيون دماراً هائلاً خلف ورائه آلاف من الشهداء والمشردين والجرحى وماساة مماثلة لمأساة تعز!
على أن هناك تدخلات إنسانية وطبية تبذلها بلدان التحالف والحكومة الشرعية أحدثت تحسناً نسبياً في التجهيزات والمستلزمات الطبية قياساً بتعز التي واصل الإنقلابيون حربهم عليها وحصارهم لها..
لم يمضِ أسبوع من وصول أمجد السري ورفاق جرحه إلى عدن إلا وتصاعد الأنين من أعماقهم مصحوباً بخيبة الأمل.
وفي صفحته على فيسبوك قدم أمجد نفسه مناضلاً في الصفوف الأولى لنقابة جرحى تعز التي كان سقف طلباتها مرتفعاً أقلّه العلاج في السودان، لينخفض هذا السقف رويدا رويدا حتى أخذت مشكلتهم مع الطباخ وحصولوهم على الطعام في مقر الإيواء الذي استأجره لهم محافظ تعز هناك، تشكل هماً يومياً لهم.
وأمام أمجد السري تتجلى أعمق مشاهد الألم التي لم يكن قد رأها حتى في مدينته المدمرة تعز.
راح “السري” يكتب سلسلة من المنشورات التي تحكي مشاهد مروعة عن جرحى تعفنت جراحهم وبترت أطرافهم وفقدت أبصارهم أمام ناظريه!!
وتجلت واحدة من أكبر المشكلات المتعلقة في حصولهم على وثائقهم المكتملة كجرحى يستحقون العلاج في الداخل أو الخارج على حد سواء..
لقد أغلقت جراء الحرب مراكز إستصدار بطائق الهوية الشخصية وكذا جوازات السفر، وطبياً شكّل الضغط والدمار الهائلان على البنية الصحية والطبية صعوبة بالغة في الحصول على تقارير طبية تشخص للجريح حالته على نحو يستوفي شروط سفره للعلاج في الخارج.
الأكثر إيلاماً في ملف جرحى تعز هو أن هذا الملف يجري استغلاله والمزايدة به حتى من قبل فصائل  يسودها التنافس لا الخصام في المعسكر الموالي للشرعية.
لا طائل من هكذا استغلال سوى تعقيد هذا الملف الإنساني أكثر مما هو كارثي في الوقت الحالي!!
فطائفة أمجد السري المسماة بـ”جرحى تعز” تشكل اليوم اختباراً عسيراً للضمير الإنساني في دائرة يخنقها الحصار الذي هيمن على المال والقرار بالقوة الغاشمة، ليواصل حربه على تعز منذ مارس 2015..
دون استعادة الدولة المنهوبة تبقى التدخلات الطبية والإنسانية إزاء ملف جرحى تعز محدودة الخيارات والقدرة والحركة.
تقتصر جهود الغوث والإنقاذ الطبي والإنساني في تعز عموما على الأواصر التقليدية للمجتمعات المحلية المسنودة بتدخلات تبذلها الحكومة الشرعية (الهيئة العليا للإغاثة) عبر حشدها وترتيبها لمساهمات وأدوار عدد من المنظمات والهيئات الإنسانية الإقليمة والدولية بالتوازي مع أخرى محلية كالتي انضوى العديد منها ضمن إئتلاف تعز للإغاثة الإنسانية.
في المقال القادم سنقف أمام هذه التدخلات وما الذي حققته؟ وأين أخفقت؟ وما الذي يمكنها فعله في كل الأحوال والظروف؟
جرحاك يا ليد!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق