الشيخ بين القبيلة والدولة: تحولات المكانة والدور في المجتمع اليمني

لا تُقاس المكانة الاجتماعية لأي شخصية قيادية بمجرد المنصب الذي تشغله، وإنما تتحدد بطبيعة العلاقة التي تربطها بالمجتمع الذي تمثله، وبمدى قدرتها على التعبير عن مصالحه والدفاع عنها. فالقائد الاجتماعي، كما السياسي، يكتسب شرعيته من ثقة الناس، إلا أن مصدر هذه الشرعية يختلف بينهما؛ فبينما يستمد السياسي شرعيته من الانتخابات أو التعيين وما يرتبط بهما من مسؤوليات دستورية وقانونية، يستمد شيخ القبيلة شرعيته من الأعراف القبلية، ومن الاعتراف الاجتماعي الذي تمنحه له قبيلته. وفي الحالتين، لا تكفي الشرعية وحدها للحفاظ على المكانة، إذ تبقى هذه المكانة رهينة بما يقدمه كل منهما للمجتمع الذي يمثله، وبقدرته على تحقيق مصالحه والدفاع عنها.
ومن هذا المنطلق، فإن صورة الشيخ في الوعي العام لا تتشكل بمجرد حمله لقب “الشيخ” أو انحداره من أسرة عرفت بالمشيخة، وإنما هي حصيلة تراكم طويل من المواقف والسلوكيات والأدوار التي يؤديها داخل قبيلته وخارجها. ومن منظور المجتمع، لا يُحكم على الشيخ وفق نسبه أو مكانته الاجتماعية وحدهما، بل يقيسه بمدى التزامه بمقتضيات المشيخة، من تواضع، وتحمّل للمسؤولية، وقدرة على احتواء الخلافات، وحل المنازعات، والدفاع عن مصالح أفراد قبيلته، وتوظيف علاقاته مع الدولة والقوى النافذة لخدمتهم، لا لخدمة مصالحه الشخصية. كما تتأثر هذه الصورة بطبيعة مواقفه السياسية، وعلاقته بالسلطة، ومدى نجاحه في تحقيق التوازن بين التزاماته تجاه قبيلته ومتطلبات علاقته بالدولة.
ولم يكن الشيخ، حتى في المراحل التاريخية السابقة، معزولاً عن السلطة السياسية، بل ظل يؤدي، بدرجات متفاوتة، دور الوسيط بين الدولة والقبيلة، إلا أن طبيعة هذا الدور وحدوده تغيرت بتغير طبيعة الدولة نفسها؛ فكلما ازداد اعتماد الدولة على المشايخ في إدارة المجتمع، ازداد ارتباطهم بها، وكلما تعاظم هذا الارتباط، انعكس على مكانتهم داخل قبائلهم، سواء بصورة إيجابية عندما استطاعوا توظيف نفوذهم لخدمة مجتمعاتهم، أو بصورة سلبية عندما غلبت مصالح السلطة أو مصالحهم الشخصية على مصالح القبيلة.
ورغم أن العلاقة بين القبيلة والدولة مرت بمراحل متعددة منذ قيام الجمهورية، فإنها بلغت ذروتها خلال حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي نجح في بناء شبكة واسعة من التحالفات القبلية جعلت المشايخ أحد أهم أدوات إدارة السلطة والمجتمع. ومنذ تلك المرحلة، لم تعد صورة الشيخ تُبنى فقط على صفاته الشخصية أو مكانته القبلية، وإنما أصبحت تتأثر، بصورة متزايدة، بطبيعة علاقته بالنظام السياسي، ومدى استقلاله عنه أو ارتهانه له.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن صورة الشيخ في الوعي العام تشكّلت نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها مدى شرعية وصوله إلى المشيخة وفق الأعراف القبلية، ثم طبيعة أدائه في التعامل مع أفراد قبيلته، من حيث تحمله للمسؤولية، وحل النزاعات، والسعي إلى خدمة أبناء القبيلة ضمن الإمكانات المتاحة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال علاقاته بالدولة والجهات النافذة. كما تدخل في تشكيل هذه الصورة عوامل أخرى، مثل انتمائه السياسي، وطبيعة علاقته بالسلطة الحاكمة، ومدى توظيفه لهذه العلاقة لخدمة مجتمعه أو لخدمة مصالحه الخاصة، ومن خلال مجموع هذه العناصر تتكون الصورة النهائية للشيخ في نظر المجتمع، إيجابًا أو سلبًا.
وإذا تتبعنا تطور العلاقة بين الشيخ والمجتمع خلال العقود الأربعة الأخيرة، نجد أنها تأثرت بصورة مباشرة بطبيعة العلاقة التي نشأت بين مشايخ القبائل ونظام الرئيس صالح. فقد اعتمد النظام، منذ وقت مبكر، على بناء تحالفات قبلية وعسكرية شكلت إحدى ركائز بقائه، في ظل نظام سياسي جمع بين المركزية الشديدة وهامش محدود من التعددية السياسية. وأدى ذلك إلى إعادة تعريف وظيفة الشيخ بصورة تدريجية، فلم يعد يمثل، في كثير من الأحيان، زعامة اجتماعية مستقلة تدافع عن مصالح القبيلة أمام الدولة، بل تحوّل إلى وسيط بين الطرفين، يقوم بتسهيل سياسات الدولة داخل المجتمع القبلي أكثر مما ينقل مطالب القبيلة إلى مؤسسات الدولة.
وهنا بدأ التحوّل الحقيقي في صورة الشيخ داخل المجتمع؛ فقد انحرفت الوظيفة التقليدية للمشيخة، التي تقوم على حماية مصالح أفراد القبيلة والدفاع عن حقوقهم، لدى شريحة من المشايخ، ليصبح الحفاظ على العلاقة مع السلطة وما توفره من نفوذ وامتيازات جزءاً أساسياً من أولوياتهم، ومع مرور الوقت، أصبحت مكانة بعض المشايخ تُقاس بمدى قربهم من النظام، أكثر من ارتباطها بمقدار ما يقدمونه لأبناء قبائلهم.
ولعل أبرز مظاهر هذا التحول أن كثيراً من المناطق ذات الحضور القبلي ظلت تعاني من ضعف الخدمات الأساسية، رغم ما كان يتمتع به شيوخها من نفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، ويعكس ذلك انتقال أولويات عدد من المشايخ من الدفاع عن احتياجات مجتمعاتهم إلى الانخراط في شبكة المصالح التي نسجها النظام، بينما اقتصرت المكاسب التي عادت على أفراد القبائل، في كثير من الأحيان، على فرص التجنيد في الجيش أو الأجهزة الأمنية، أو الحصول على امتيازات فردية محدودة، دون أن ينعكس ذلك في صورة مشاريع تنموية أو تحسين ملموس في مستوى الخدمات العامة.
ولم يكن اعتماد صالح على المشايخ مجرد امتداد للعلاقة التقليدية بين الدولة والقبيلة، بل كان جزءاً من استراتيجية سياسية هدفت إلى بناء منظومة حكم تقوم على توازنات المصالح أكثر من اعتمادها على المؤسسات؛ فقد أدرك، مستفيداً من تجارب من سبقوه، أن القبيلة لا يمكن إخضاعها بالقوة وحدها، ولا يمكن ضمان ولائها بالإقصاء، وإنما من خلال شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة، تجعل استمرار نفوذ الشيخ مرتبطاً باستمرار علاقته بالسلطة.
وفي هذا السياق، انتهج صالح سياسة يمكن وصفها بـ”تفريخ المشايخ”، فإذا كانت منطقة ما تدين بالولاء لشيخ يتمتع بنفوذ واسع، فإن السلطة كانت تعمل على دعم شيخ آخر، أو أكثر، داخل المنطقة نفسها، سواء عبر منحهم الاعتراف الرسمي، أو تقديم الامتيازات المالية والإدارية لهم، أو إتاحة الفرصة لهم للوصول إلى مواقع سياسية أو عسكرية. وكان الهدف من ذلك منع احتكار النفوذ داخل القبيلة، وإيجاد مراكز قوة متنافسة تجعل الجميع في حاجة دائمة إلى دعم السلطة، بدلاً من امتلاك قاعدة مستقلة تستطيع فرض شروطها عليها.
وقد أسهمت هذه السياسة في إضعاف البنية التقليدية للمشيخة تدريجياً، إذ لم يعد معيار الزعامة هو القبول القبلي وحده، وإنما أصبح القرب من السلطة مصدراً مهماً لإنتاج مشايخ جدد أو تعزيز نفوذ بعضهم على حساب آخرين. ونتيجة لذلك، دخل كثير من المشايخ في منافسة مستمرة لإثبات ولائهم للنظام، أملاً في الحفاظ على امتيازاتهم أو توسيعها، وهو ما انعكس على استقلالية القرار القبلي، وأضعف قدرة الشيخ على تمثيل مصالح قبيلته بصورة مستقلة.
ومع مرور الوقت، تحوّلت العلاقة بين النظام والمشايخ إلى علاقة عضوية، تقوم على تبادل المصالح؛ فالنظام كان بحاجة إلى المشايخ لضبط المجتمع القبلي، وحشد الأنصار عند الحاجة، وضمان الاستقرار في المناطق الريفية، بينما كان المشايخ يعتمدون على الدولة في تعزيز مكانتهم الاجتماعية، والحصول على النفوذ والامتيازات والموارد. وأدى هذا التشابك إلى تداخل المصالح بين الطرفين، بحيث أصبح أي تهديد للنظام يُنظر إليه، في كثير من الأحيان، باعتباره تهديداً مباشراً لمصالح عدد من المشايخ أيضاً.
وانعكس ذلك بوضوح على الحياة السياسية، إذ اتجه عدد كبير من مشايخ القبائل إلى الترشح لعضوية مجلس النواب والمجالس المحلية، وهو ما منح القبائل حضوراً أوسع في المؤسسات المنتخبة، ويمكن النظر إلى هذا التطور من زاويتين؛ فمن جهة، أسهم في توسيع المشاركة السياسية لأبناء القبائل وإدماجهم في الحياة العامة، لكنه، من جهة أخرى، عكس إدراك النظام أن الشيخ يمتلك فرصاً أكبر للفوز مقارنة بالشخصيات المدنية، بحكم حضوره الاجتماعي ونفوذه التقليدي داخل دائرته الانتخابية. وهكذا، لم يكن اختيار كثير من المشايخ مرشحين للحزب الحاكم مجرد اعتراف بثقلهم الاجتماعي، بل كان أيضاً وسيلة لضمان نتائج انتخابية تخدم استمرار السلطة.
ولم يقتصر دور المشايخ على المجال السياسي، بل امتد إلى المجالين العسكري والأمني؛ فقد لعبوا دوراً بارزاً في دعم النظام خلال المحطات المفصلية التي واجهها، وفي مقدمتها حرب صيف عام 1994، عندما ساهموا في الحشد القبلي والشعبي إلى جانب القوات الحكومية. كما تكرر هذا الدور خلال حروب صعدة الست بين عامي 2004 و2010، حيث اعتمدت الدولة بدرجة كبيرة على القبائل في دعم العمليات العسكرية ضد جماعة الحوثي.
غير أن هذا الدور كلّف القبائل أثماناً باهظة؛ فبعد سيطرة الحوثيين على محافظة صعدة عام 2010، ثم تمددهم إلى عمران وصنعاء وبقية المحافظات ابتداءً من عام 2014، أصبحت القبائل التي وقفت إلى جانب الدولة هدفاً مباشراً للحوثيين، وتعرض عدد كبير من مشايخها وأفرادها للتهجير والملاحقة، ولا يزال كثير منهم نازحين حتى اليوم.
وخلال هذه المرحلة، أصبحت علاقة الشيخ بالنظام السياسي العامل الأكثر تأثيراً في صورته داخل المجتمع؛ فكلما تعمقت هذه العلاقة، ازداد تقييم الناس له على أساس مواقفه السياسية، لا على أساس دوره الاجتماعي فقط. وظهر ذلك بوضوح مع بدء الحوثيين زحفهم نحو محافظة عمران عام 2014، حين دفعت الحسابات السياسية لصالح إلى التعاون مع الحوثيين، بهدف إضعاف خصومه السياسيين والعسكريين، وفي مقدمتهم آل الأحمر واللواء علي محسن الأحمر.
وفي هذا الإطار، برز ما عُرف بـ”اتفاق الخط الأسود”، الذي سمح بمرور قوات الحوثيين عبر الطريق الإسفلتي المؤدي إلى عمران، دون مواجهة القبائل المرتبطة بالنظام. وأدى سقوط عمران إلى فتح الطريق أمام الحوثيين للوصول إلى صنعاء، قبل أن يتحوّل التعاون غير المعلن بينهم وبين صالح إلى تحالف سياسي وعسكري معلن، مكّن الجماعة من السيطرة على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية.
ومع انتقال موازين القوة تدريجياً إلى الحوثيين، بدأ مركز النفوذ القبلي ينتقل هو الآخر من صالح إلى الجماعة؛ فبعد أن كان الرئيس السابق هو الطرف القادر على كسب ولاءات المشايخ عبر النفوذ والموارد، أصبح الحوثيون يمارسون الدور نفسه، مستخدمين مزيجاً من الترغيب والترهيب لإعادة تشكيل شبكة الولاءات القبلية بما يخدم مشروعهم السياسي والعسكري.
ومع انتقال النفوذ الفعلي إلى الحوثيين، بدأ صالح يدرك أن التحالف الذي جمعه بهم لم يعد يحقق أهدافه السياسية، بل تحوّل إلى مصدر تهديد مباشر لنفوذه ونفوذ حزب المؤتمر الشعبي العام وشبكة التحالفات القبلية التي بناها على مدى أكثر من ثلاثة عقود. وفي أواخر عام 2017، أعلن فض الشراكة مع الحوثيين ودعا إلى الانتفاض ضدهم، إلا أن هذه الدعوة جاءت بعد أن كانت الجماعة قد نجحت إلى حد كبير في إعادة تشكيل موازين القوة داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ولم يكن فشل صالح في حشد القبائل إلى جانبه ناتجاً عن تراجع مكانته الشخصية فحسب، بل كان انعكاساً لتحولات عميقة شهدها المجتمع القبلي خلال سنوات التحالف مع الحوثيين؛ فقد كان كثير من أبناء القبائل قد خاضوا معارك إلى جانب الجماعة بناءً على مواقف أو توجيهات مشايخهم المرتبطين بصالح، الأمر الذي جعل دعوته المفاجئة إلى قتال الحوثيين تفتقر إلى الزخم اللازم. كما أن الحوثيين كانوا قد أحكموا سيطرتهم على مؤسسات الدولة، وبنوا شبكات نفوذ اجتماعية وقبلية جديدة، الأمر الذي جعل قدرة المشايخ التقليديين على تعبئة قبائلهم أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.
وأدى مقتل صالح إلى انتهاء مرحلة تاريخية كاملة من العلاقة بين الدولة والقبيلة، وفتح الباب أمام الحوثيين لإعادة صياغة هذه العلاقة وفق رؤيتهم الخاصة؛ فلم يكتفوا بإحكام السيطرة العسكرية، بل سعوا أيضاً إلى إعادة هيكلة البنية القبلية بما يضمن إخضاعها الكامل لسلطتهم، مستفيدين من تجربة بدأوا تطبيقها في محافظة صعدة قبل سنوات.
وتجسّد هذا التوجه في إنشاء “مجلس التلاحم القبلي”، الذي أصبح يؤدي دوراً بديلاً لمصلحة شؤون القبائل التي كانت تمثل الإطار الرسمي لعلاقة الدولة بالمشايخ، غير أن التحول الأكثر تأثيراً تمثل في استحداث نظام المشرفين، الذين تحوّلوا إلى سلطة فعلية تتجاوز سلطات المسؤولين المحليين المعينيين من الحوثيين أنفسهم، بل وتفوق في كثير من الأحيان نفوذ شيوخ القبائل أنفسهم.
ولم يعد دور المشرف يقتصر على متابعة المؤسسات الحكومية أو تنفيذ توجيهات القيادة الحوثية، وإنما امتد إلى التدخل في إدارة الشأن القبلي، وتسوية النزاعات، والإشراف على الحشد والتعبئة، ومراقبة ولاءات المشايخ، الأمر الذي أدى إلى تراجع استقلالية المؤسسة القبلية بصورة غير مسبوقة. وأصبح كثير من المشايخ، حتى أولئك الذين احتفظوا بألقابهم ومكانتهم الاجتماعية، يمارسون أدوارهم ضمن الحدود التي يرسمها المشرف الحوثي، لا وفق ما تمنحه لهم الأعراف القبلية من صلاحيات.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى النموذج الذي أنشأه الحوثيون بوصفه امتداداً، في بعض جوانبه، لأسلوب الدولة الإمامية في إدارة القبائل؛ فقد سعت الإمامة، خلال حكم أسرة حميد الدين -كمثال- إلى الحد من استقلالية المشايخ وإلحاقهم بالدولة المركزية، وتحويلهم إلى وكلاء ينفذون سياساتها داخل مجتمعاتهم. غير أن ثمة فارقاً مهماً بين التجربتين؛ فبينما ظل الشيخ في عهد بيت حميد الدين يحتفظ بجزء من سلطته التقليدية، أصبح المشرف الحوثي اليوم، في كثير من المناطق، هو صاحب القرار الفعلي، بينما تراجع الشيخ إلى دور أقرب إلى الوسيط المحلي أو الواجهة الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا تعني اختفاء دور الشيخ أو انتهاء تأثيره داخل المجتمع القبلي؛ فما يزال كثير من المشايخ، بمن فيهم بعض المتحالفين مع الحوثيين، يتمتعون بمكانة اجتماعية تجعلهم أكثر قرباً من الناس مقارنة بالمسؤولين الذين جرى تعيينهم من قبل الحوثيين أو القيادات الحزبية المتحالفة معهم. كما أن مشايخ القبائل في المحافظات الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً ما زالوا يحتفظون بنفوذ واسع داخل مجتمعاتهم، يظهر في حل النزاعات، وقيادة جهود الصلح، وتنظيم النَّكف، والحشد المجتمعي، والتوسط في القضايا العامة، وهي وظائف لا تزال القبيلة تنظر إليها بوصفها جزءاً أصيلاً من دور الشيخ.
غير أن هذه الصورة ليست مثالية؛ فكما أثرّت علاقة بعض المشايخ بالسلطة في مناطق سيطرة الحوثيين على مكانتهم الاجتماعية، فإن بعض المشايخ في مناطق الحكومة وقعوا أيضاً في أخطاء مشابهة، تمثلت في تغليب المصالح الشخصية أو الحسابات السياسية على مصالح قبائلهم، وهو ما انعكس على مستوى الثقة التي يحظون بها، وعلى قدرتهم على حشد أبناء قبائلهم كما كان الحال في السابق.
وإلى جانب هذه التحوّلات السياسية، تواجه مؤسسة المشيخة اليوم تحدياً لا يقل أهمية، يتمثل في التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع اليمني؛ ونعني بها الفجوة العمرية بين الأجيال الجديدة والقيادات القبلية التقليدية تتسع بصورة متزايدة، كما أن أنماط الحياة الحديثة وانتشار التعليم ووسائل الاتصال والهجرة الداخلية والخارجية، أدت جميعها إلى تراجع تأثير كثير من الأعراف القبلية التي كانت تنتقل تلقائياً من جيل إلى آخر. وأصبح كثير من الشباب ينظرون إلى علاقتهم بالقبيلة بمنظور يختلف عن منظور آبائهم، سواء من حيث الالتزام بالأعراف، أو المشاركة في الالتزامات القبلية التقليدية، أو حمل السلاح بوصفه جزءاً من الهوية الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن هذا التحوّل لا يعني بالضرورة تراجع القبيلة بوصفها مؤسسة اجتماعية، بقدر ما يعكس إعادة تعريف دورها ووظائفها بما يتلاءم مع المتغيرات السياسية والاجتماعية التي يعيشها اليمن. فكما تغيرت الدولة، وتغير المجتمع، تتغير القبيلة أيضاً، ويتغير معها دور الشيخ ومكانته ومن ثم، فإن مستقبل المشيخة لن يتحدد بقدرتها على المحافظة على أنماطها التقليدية وحدها، بل بقدرتها على التكيّف مع هذه التحولات، واستعادة دورها بوصفها مؤسسة اجتماعية تمثل مصالح مجتمعها، لا مجرد امتداد لسلطة سياسية أو طرف في صراع عابر.




