أخبار محليةالأخبار الرئيسية

لماذا يبدو الحوثيون أكثر جرأة في اختبار الصبر السعودي؟

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من إبريل لونغلي آلي (معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى).

تواجه الهدنة اليمنية المستمرة منذ أربع سنوات ضغوطاً شديدة. ففي الثالث عشر من يوليو/تموز، اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل أعضاء من الجماعة عائدين إلى ديارهم من جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي. وأدان المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، هذه الضربة، معلناً انتهاء فترة خفض التصعيد مع الرياض. وعقب ذلك، أطلق الحوثيون طائرات مسيرة وصواريخ عبر الحدود استهدفت مطار أبها الدولي (والتي اعترضتها المملكة)، وحذروا من أن الأجواء السعودية لن تكون آمنة حتى تُرفع كافة القيود المفروضة على مطار صنعاء.

وكانت حدة التوترات قد بدأت تتصاعد بالفعل لأسابيع قبل هذا السجال. ففي الثالث من يوليو/تموز، توجهت شركة الطيران نفسها – “ماهان إير”، وهي ناقل إيراني تفرض عليه الولايات المتحدة عقوبات لدعمه جناح العمليات الخارجية التابع للحرس الثوري الإسلامي الإيراني – إلى صنعاء لنقل وفد العزاء الحوثي دون موافقة الحكومة اليمنية. وتمثل هذه الرحلة، وهي الأولى بين طهران وصنعاء منذ أكثر من عشر سنوات، تحدياً مباشراً لترتيبات مراقبة المجال الجوي التي تشرف عليها السلطات اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية. وقبل ذلك، كان الحوثيون قد صعدوا من خطابهم ضد الرياض، مهددين باستئناف الحرب ما لم ترفع المملكة “الحصار” المفروض على اليمن بالكامل، وتسهل دفع رواتب موظفي القطاع العام، وتقدم تعويضات عن الحرب، من بين مطالب أخرى. كما اختبرت الجماعة جبهة داخلية رئيسية بشن هجوم غير ناجح على قوات الحكومة اليمنية على طول ساحل البحر الأحمر، في بعض من أعنف الاشتباكات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات.

الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء الدولي 13/7/2026

وكان تآكل الهدنة أمراً حتمياً في نهاية المطاف؛ إذ باتت عملية السلام في البلاد في حالة من الجمود التام منذ دخول الحوثيين حرب غزة في عام 2023، معطلين حركة المرور عبر مضيق باب المندب، مما دفع الولايات المتحدة لتصنيفهم جماعة إرهابية. وقبل ذلك، كانت هناك خارطة طريق للسلام برعاية الأمم المتحدة مطروحة على الطاولة، تشمل وقفاً لإطلاق النار ومزايا اقتصادية كبيرة للجماعة. لكن الكثير قد تغير منذ ذلك الحين، ويبدو الحوثيون الآن نافدي الصبر وواثقين من قدرتهم على فرض المزيد من المطالب.

ومثل حلفائهم في طهران، تعرض الحوثيون لخسائر عسكرية جسيمة جراء حملات القصف الأمريكية والإسرائيلية في عامي 2024 و2025، ويواجهون ضغوطاً اقتصادية شديدة. ومع ذلك، فإنهم يشعرون بجرأة استراتيجية متزايدة؛ فقد أثبتوا قدرتهم على عرقلة حركة الشحن، وازدادت ورقة الضغط هذه قوة الآن في وقت تجبر فيه قبضة إيران على مضيق هرمز السعودية على زيادة صادراتها النفطية عبر موانئها على البحر الأحمر. علاوة على ذلك، علمتهم الحرب مع إيران أنه على الرغم من استعداد الرياض لرسم خطوط حمراء عبر ضربات محدودة، فإن الأولوية القصوى للمملكة تظل خفض التصعيد. وخلافاً لشركاء طهران الإقليميين الآخرين، ما يزال الحوثيون يحتفظون بنواة قيادية متماسكة لم تُمس.

وفي ظل هذه الأجواء، تستغل الجماعة الفرصة التي أتاحتها جنازة خامنئي لاختبار نوع الصفقة التي يمكن التوصل إليها مع السعوديين. والمسائل المطروحة على المحك تتجاوز مطار صنعاء بكثير.

ومما لا شك فيه أنه ينبغي فتح المطار أمام الرحلات المدنية، وتتوفر خيارات لتحقيق ذلك؛ حيث عرضت الحكومة اليمنية تسهيل رحلات محدودة عبر الخطوط الجوية اليمنية المحلية. لكن هذا ليس ما يريده الحوثيون حقاً؛ بل إنهم يرفعون سقف مطالبهم من خلال الضغط من أجل الوصول غير المقيد إلى العالم الخارجي، بما في ذلك طهران، وهو ما سيتيح لهم الحصول على مكونات عسكرية وخبرات حيوية بسهولة أكبر. والأهم من ذلك، أن مطالبهم المحددة لرفع “الحصار” تشمل بلا شك حزمة من القضايا المعروفة – وكلها تتطلب نقاشاً بين الأطراف اليمنية – مثل إلغاء آلية التفتيش الأممية على الأسلحة المفروضة على السفن التي تستخدم ميناء الحديدة، ودفع الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، والوصول إلى موارد النفط والغاز اليمنية. وفي نهاية المطاف، يسعى الحوثيون إلى تحقيق الحكم الذاتي الاقتصادي والسياسي اللازم لترسيخ سيطرتهم في الداخل وتوسيع نفوذهم عبر حوض البحر الأحمر.

أحد المسلحين الحوثيين- انترنت

وأكد زعيمهم، عبد الملك الحوثي، هذه المطالب في خطاب ناري ألقاه في وقت سابق اليوم؛ حيث اتهم الرياض بعدم رغبتها في السلام، وتفضيلها الانحياز الكامل لجانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحتى إسرائيل، وعرقلة الحقوق الأساسية للشعب اليمني وسيادته وكرامته. ورافعاً سقف التحدي، اختتم كلمته بدعوة إلى التعبئة الشعبية ضد “الحصار”، معلناً أن المعادلة الحقيقية هي “المطار بالمطار، والميناء بالميناء، والحصار بالحصار”. كما حذر من أن كافة المنشآت النفطية والبنية التحتية الحيوية في السعودية تقع في مرمى صواريخ الجماعة وطائراتها المسيرة.

ولإيران حساباتها الخاصة؛ إذ بعث تسهيل رحلة صنعاء بإشارة مفادها أن طهران مستعدة لمواصلة بل وزيادة دعمها لشركائها المسلحين في الخارج على الرغم من الضغوط الأمريكية. كما جاءت الرحلة بمثابة تذكير بأن إيران تمتلك أوراقاً إضافية محتملة تلعبها في مواجهتها مع واشنطن، وتحديداً من خلال الطلب من الحوثيين تهديد حركة السفن في باب المندب في وقت يقل فيه تدفق البضائع عبر مضيق هرمز، مما يعني خنق طريقين لا يمكن للاقتصاد العالمي تحمل خسارتهما.

وحتى الآن، تبادل الطرفان ضربات مدروسة بعناية تهدف إلى توجيه رسائل بشأن المطالب والخطوط الحمراء دون إشعال صراع أوسع نطاقاً. وقد يتوصلان إلى تسوية مؤقتة، لكن هامش الخطأ في الحسابات آخذ في الاتساع. وما يجعل هذه اللحظة خطيرة للغاية هو أن الهدنة الهشة في اليمن لم تعد تخضع للاختبار فقط بسبب المظالم والمطالب المحلية، بل باتت تتأثر بشكل متزايد بالتنافس الإقليمي؛ حيث يرى الحوثيون فرصة لانتزاع تنازلات أكبر، في حين تنظر إليهم إيران كأداة ضغط قيمة ضد الرياض وواشنطن. والرهانات هنا كبيرة بالنسبة لليمن، ولكنها كذلك أيضاً بالنسبة للاقتصاد العالمي وميزان القوة الآخذ في التطور في الشرق الأوسط.

 

*إبريل لونغلي آلي هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومستشارة سياسية أقدم سابقة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى