الأخبار الرئيسيةتقارير

خارج أسوار العرف ونيران الحرب.. الزواج العابر للمناطق والطبقات يُرمّم النسيج الاجتماعي في اليمن

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من أنسام عبدالله

في بلد مزقته الحرب والانقسامات، تبرز قصص الزواج العابر للحواجز الاجتماعية والمناطقية بوصفها نماذج صامتة لإعادة ترميم النسيج الوطني. ففي الوقت الذي عمقت فيه الصراعات السياسية الانقسام، اختارت أسر يمنية بناء جسور مختلفة تبدأ من الأسرة، حيث لم يعد الزواج مجرد ارتباط بين شخصين، بل مساحة لاختبار قبول الآخر وإعادة تعريف معايير الانتماء بعيداً عن القبيلة والمنطقة والطبقة.

لطالما ارتبط الزواج في اليمن باعتبارات النسب والمكانة والانتماء المناطقي، غير أن الحرب والنزوح والتعليم والانفتاح فرضت واقعاً جديداً، إذ اختلطت الفئات الاجتماعية داخل المدن ومناطق النزوح، وبدأت كثير من الحواجز التقليدية بالتراجع. ويرصد هذا التحقيق الزيجات التي جمعت بين أبناء القبائل والفئات التي تعرضت للتمييز، وكذلك بين أبناء الشمال والجنوب، لبحث ما إذا كانت مجرد تجارب فردية أم جسوراً حقيقية للتعايش.

 

الاختيار في مواجهة التمييز الطبقي

في تعز، تروي “أحلام 20 سنة) (اسم مستعار) تجربتها بعد زواجها من “أمين”، وهو شاب متعلم ينتمي إلى أسرة تمتهن الحلاقة. تقول إن الاعتراض لم يكن على أخلاقه أو تعليمه، بل على أصله الاجتماعي ولون بشرته، مضيفة: “شعرت وكأن الإنسان يمكن أن يُختصر في تصنيف ورثه عن أجداده.” وتؤكد أنها واجهت تهديدات بالمقاطعة والحرمان من الميراث، لكنهما تمسكا بحقهما في الاختيار، لتكتشف لاحقاً أن أصعب معاركهما كانت مع الأفكار المسبقة لا مع الحياة الزوجية.

ورغم استمرار القطيعة مع بعض أفراد أسرتها، تؤكد أحلام أن نجاح زواجها أثبت أن استقرار الأسرة يقوم على الاحترام وتقاسم المسؤولية، لا على الخلفية الاجتماعية، مضيفة: “لو عاد بي الزمن لاخترت القرار نفسه… أتمنى أن يكبر أطفالي وهم يؤمنون بأن الإنسان يُقاس بأخلاقه لا بلونه ولا باسم عائلته.”

وتعكس قصتها استمرار تأثير مفهوم “كفاءة النسب” في بعض البيئات، رغم أن الشريعة الإسلامية جعلت معيار التفاضل التقوى والعمل الصالح، ورغم عدم وجود نصوص قانونية تمنع مثل هذه الزيجات، بينما لا تزال أسر كثيرة تخشى الوصمة الاجتماعية أكثر من خشيتها فشل الزواج نفسه.

 

الزيجات في مواجهة القيود

وترى الدكتورة رانيا خالد، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عدن، في حديث لـ”يمن مونيتور” أن المجتمع اليمني يعيش مرحلة انتقالية بين منظومة تقليدية تستند إلى النسب والمكانة، وأخرى حديثة تعطي الأولوية للتعليم والكفاءة والاختيار الحر. وتوضح أن الحرب، رغم مأساتها، فرضت واقعاً جديداً جمع أشخاصاً من خلفيات مختلفة، مضيفة: “حين يعيش الناس معاً ويتشاركون الظروف نفسها، تبدأ الصور النمطية بالتراجع، ويصبح الحكم على الإنسان قائماً على تعامله وكفاءته أكثر من انتمائه.”

وتؤكد أن نجاح هذه الزيجات لا ينعكس على أصحابها فحسب، بل يعيد تعريف معايير القبول الاجتماعي، ويقدم نماذج تؤكد أن التنوع يزيد المجتمع تماسكاً، مشيرة إلى أن الشباب أصبحوا أكثر ميلاً لاختيار شركاء حياتهم بناءً على الأخلاق والتعليم والقدرة على بناء أسرة مستقرة.

 

الروابط الإنسانية تتجاوز الخطابات السياسية

أما على المستوى المناطقي، فيروي “صالح 38سنة” من أبناء المحافظات الشمالية وزوجته “مريم 35 سنة” من عدن تجربتهما بعد زواجهما عام 2022، في ذروة الاستقطاب السياسي. يقول صالح: “كان البعض يحاول إقناعنا بأن اختلاف المنطقة سيصنع بيننا فجوة، لكننا اكتشفنا أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا.” بينما تؤكد مريم أن الحياة اليومية أسقطت الصور النمطية، قائلة: “في حينا عشرات الأسر من محافظات مختلفة… أطفالنا يلعبون مع الجميع، وجيراننا ينادوننا بأسرتنا لا بمناطقنا.”

وتشير الدكتورة رانيا خالد أستاذة علم الاجتماع بجامعة عدن، إلى أن اليمن يمتلك رصيداً تاريخياً من المصاهرة بين مختلف المحافظات، وأن آلاف الأسر الممتدة بين الشمال والجنوب أثبتت أن الروابط الإنسانية أكثر صموداً من الخطابات السياسية، مؤكدة أن هذه الزيجات تعزز الهوية الوطنية لأنها تقوم على المواطنة والعيش المشترك.

ورغم غياب إحصاءات رسمية، أظهر استبيان على منصة “فيسبوك” تم إجراؤه ضمن التقرير شمل مئة شاب وشابة في عدن ولحج وتعز أن 62% يرون أن التعليم والوعي الحقوقي أسهما في تراجع الرفض العرفي لهذه الزيجات، بينما اعتبر 78% أن العقبة الأساسية تكمن في خوف الأسر من نظرة المجتمع، لا في رفض الشباب أنفسهم. كما رأى 85% أن الزواج بين أبناء الشمال والجنوب يسهم في تعزيز السلم الأهلي وترميم العلاقات الاجتماعية، ما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو قبول التنوع.

من جانبه، يؤكد الدكتور عبدالله علي العبدلي، مختص الدعم النفسي والاجتماعي من محافظة البيضاء، أن أبرز ما يواجه الأزواج هو “الولاء المزدوج”، حيث يتمزق كل طرف بين شريك حياته وأسرته، إضافة إلى الشعور بالعزلة وفقدان شبكة الأمان الأسرية. لكنه يشير إلى أن كثيراً من الأسر حولت هذه التجربة إلى مصدر قوة عبر بناء علاقة تقوم على القيم المشتركة، مؤكداً أن “المرونة النفسية لا تعني تجاهل الألم، وإنما القدرة على التعافي منه وبناء معنى جديد للتجربة.” كما يدعو إلى أن يسمع الأطفال قصة فخر عن أسرهم، وأن ينشأوا وهم يرون التنوع مصدر قوة لا سبباً للخجل.

 

الأعراف لا القوانين

ورغم أن القوانين اليمنية لا تمنع الزواج بين أبناء الفئات أو المناطق المختلفة، فإن الأعراف ما تزال تؤثر على مساره.

وتوضح الناشطة الحقوقية سارة مجاهد في حديث لـ”يمن مونيتور” أن منظمات المجتمع المدني تابعت قضايا حاول فيها أولياء أمور فسخ زيجات مستقرة بدعوى “عدم كفاءة النسب”، معتبرة أن ذلك يمثل انتهاكاً لحق الإنسان في اختيار شريك حياته، وأن استقرار الأسرة يجب أن يكون المعيار الأول.

ويتفق معها المحامي محمد وليد من عدن ،مؤكداً أن فرض شريك الحياة على أساس الطبقة أو المنطقة يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، داعياً إلى تضييق نطاق دعاوى فسخ الزواج المرتبطة بكفاءة النسب، ومراجعة النصوص التي تسمح بتفسيرات عرفية، بحيث تصبح الكفاءة مرتبطة بحسن السيرة وتحمل المسؤولية لا بالأصل الإجتماعي أو المنطقة.

أما الضابط المتقاعد أحمد أبو بكر من عدن، فيشير إلى أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع خلافات ناجمة عن رفض بعض الأسر لهذه الزيجات، مؤكداً أن القانون يساوي بين المواطنين، وأن بعض البلاغات كانت تستخدم للضغط على الأزواج دون أدلة. ويرى أن نجاح المصاهرة بين الفئات والمناطق يسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، لأنها تخلق روابط جديدة تحد من تغذية الانقسامات.

 

الوعي وكسر حواجز التقاليد

وتجمع القراءة الاجتماعية والنفسية والقانونية على أن اليمن يشهد تحولاً تدريجياً من منظومة تتمسك بالموروثات إلى أخرى تعلي من قيمة الكفاءة والاختيار الحر.

وتؤكد الدكتورة رانيا خالد في حديثها لـ”يمن مونيتور” أن هذا التحول سيستمر بفعل التعليم والانفتاح ووسائل التواصل الاجتماعي والاختلاط الذي فرضته الحرب، مشددة على دور الإعلام في إبراز قصص النجاح، ودور المؤسسات التعليمية في ترسيخ ثقافة احترام التنوع والمواطنة.

وتكشف تجارب الأزواج وشهادات الخبراء ونتائج الاستبيان أن التعايش في اليمن ليس شعاراً سياسياً، بل ممارسة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع. ورغم الضغوط التي تواجهها هذه الزيجات، فإنها أثبتت أن الاحترام والتعليم والوعي قادرون على كسر حواجز ظلت لعقود تبدو عصية على التغيير.

لقد برهنت هذه الزيجات أن المصاهرة ليست مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل جسر يربط بين الفئات والمناطق والثقافات، ويسهم في ترميم ما مزقته الحرب والانقسام.

ولعل أهم ما تؤكده هذه التجارب أن السلام لا يبدأ دائماً من قاعات المفاوضات، بل قد يبدأ من بيت صغير اختار أصحابه الإيمان بأن الإنسان أكبر من تصنيفه، وأن الوطن يتسع للجميع. فكل أسرة نجحت في تجاوز قيود العرف الضيق وتربية أبنائها على قيم الاحترام والمساواة تمثل لبنة في بناء يمن أكثر تماسكاً وعدلاً، حيث يصبح الاختلاف مصدر قوة وثراء، لا سبباً للفرقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى