فدغم: استعادة القبيلة للمجال الفاعل في اليمن الحوثي… ثلاث زوايا للقراءة

مصطفي ناجي الجبزي
كل قضية في اليمن تلبس وجهين في الوقت نفسه؛ وجه يقدمها بسيطة بلا تعقيد ولا خفايا، ووجه آخر يعرضها غامضةً مربكةً وكأنها ليست إلا الشجرة التي تحجب الغابة. هكذا هي قصة المزعومة ميرا التي تطورت إلى فدغم.
قضية فدغم مربكة للجميع. ومصدر هذا الإرباك في أنها قضية استطاعت تقويض الحقل السياسي -الذي اعتاد الجميع الخوض فيه بسلاسة واستسهال وتملكوا لغته ومفرداته- إلى مجال قبلي مغرٍ في دواخله وغوامضه ولغته التي تتزين بالجديد العجائبي.
ومصدر الإرباك هو التطور الدراماتيكي وتعاظم الحبكة والتداعي الجماهيري (القبلي) دون أفق سياسي. هل لأن القبيلة أمام لحظة إثبات ذات لا تعوض؟ أم لأن موضوع الحشد (النكف القبلي) يفرض حقيقة اجتماعية وسياسية جديدة هي أن قيم القبيلة عابرة للمجتمع اليمني الذي مزقته السياسة والمذاهب والأيديولوجيات؟
على صعيد السلطة، الحكومة مرتبكة مثلها مثل الجماعة الحوثية. وهي -أي الحكومة- تريد ولاءً أكيداً من فدغم. وهذا الأخير يدرك المساحة التي يتحرك عليها والجهات التي يخاطبها، وذهابه إلى مناطق الحكومة -إلى جانب غايته في السلامة الخاصة- وسيلة لتعظيم أوراقه أمام الجماعة التي سيعود إلى مربعها بعد انتزاع بعض التنازلات. مربع الحكومة يمثل له مربع تعبئة.
خلق هذا الزعيم القبلي حالة خاصة في قدرته على إظهار عيوب الجماعة الحوثية في ميدان جديد لم يُطرق كفاية، وفي موضوع تستطيع الزعامات القبلية الحشد والتعبئة فيه دون أن تنالها تهمة “الانخراط في القضايا السياسية الوطنية” وبالطبع الانضمام إلى الحسابات الإقليمية وسجلاتها. هذا الحياد المناسب والمريح هو المساحة التي تتحرك عليها الزعامات القبلية، فهو لا يكلفها أي التزام سياسي إلى الآن. هذه الديناميكية أسميها “الفدغمة”.
وعلينا أن نقرأ الفدغمة هذه من أكثر من زاوية:
أولاً: زاوية العلاقة بين القبيلة والسلطة
إذا اعتبرنا القبيلة كياناً مقابلاً للدولة ينزع إلى الاستقلالية، فإن السلطة القائمة في مناطق الحوثي هي سلطة سحقت كل ما دونها. وبهذا تكون تحركات فدغم منسجمة مع سلوك قبلي معروف يفاوض على مكانته واستقلاليته النسبية في وجه السلطة -أياً كانت هذه السلطة- على النحو الذي يضمن له انتزاع مصالح دون التوغل في صدام مفتوح.
لنلاحظ أنه يتحرك مكانياً في مساحة جغرافية مفتوحة ليست المدينة؛ هذه الخبوت (الأرياف والجبال) هي الحيز الجغرافي لسلطة القبيلة في مقابل المدينة. تتحرك الأحزاب والفعاليات السياسية والمدنية في المدن وتتعامل مع الريف بوصفه مخزوناً بشرياً، وليس مضمار المواجهة والسياسة.
إن تحركات فدغم -إذا لم تكن سياسية أي مشبكة مع المجال السياسي الوطني- هي المتوقع من قبيلة غايتها الحفاظ على سلطتها المعنوية داخل المجتمع اليمني، ولكنها تظل تحركات سياسية بالمعنى الكلي للسياسة؛ كصراع على المجال السياسي وعلى السلطة الرمزية.
ثانياً: من زاوية الصورة
الصورة العامة التي كونتها الجماعة الحوثية عن نفسها خلال سنوات الصراع هذه، وبالقياس إلى الصورة التي تكونت عن الشرعية في أذهان اليمنيين والمراقبين الخارجيين، هي أنها سلطة واحدة ومتماسكة وعضوية، وليس هناك من ينازعها سلطانها بعد أن أجهزت على أي صوت قادر على الرفض والاعتراض.
ما يحدث الآن بفضل أو بسبب “الفدغمة” هو اهتزاز كبير لهذه الصورة. وربما هذا هو المجال الممكن استثماره في وجه الجماعة الحوثية؛ لا أموال ولا سلاح ولا تسييس فج، فقط كشف حقيقة القبضة السلطوية الحوثية وحدودها.
في حقيقتها، السلطة الحوثية ليست كاملة ولا كاملة القوة -هذا بالطبع دون الجدال في أنها غير تمثيلية- ولم تبلغ حد أنها تخرس الجميع. ربما فعلت ذلك في المجال السياسي، نعم، وقضت على كل أشكال الاعتراض والمنافسة، لكنها اجتماعياً لم تحقق مرادها بعد.
فدغم هو التجلي الصاخب لرفض الهيمنة المطلقة، لكن الناس يعبرون عن رفضهم على شكل سخرية أو ممانعة في التماهي الثقافي والتطييف الممنهج. الشارع أكثر صلابة في مواجهة القوة الناعمة الحوثية؛ لأن الواحد منهم خارج الرقابة ودون مواجهة يقول “عبد الملك الحوثي”، بينما فدغم يقول “السيد”.
المهم في حالة فدغم، ومن خلال التعبئة القبلية، هو انكشاف أن الحوثية -نزعة أو سلطة- ليست من صميم المجتمع ولا تتوافق معه. وربما باستعمالها القوة المفرطة أسكتت التكوينات السياسية وأخمدت المجتمع المدني، لكنها لم تبلغ بعد العمق الاجتماعي حيث القبيلة.
هذا معطى جوهري في فهم وتحليل اليمن، وينبغي أن يصل للعاملين في الشأن اليمني، سواء من الجيران أو الأجانب أو المحللين والصحفيين. لماذا؟ لأن هناك استسلاماً لواحدية الحوثية كعدد مصمت يمثل حق هذه الجماعة الحصري في مناطق سيطرتها، وعلى ضوء هذا تصاغ السياسات والحلول المستقبلية.
المفارقة الغريبة هي أن الحوثية جاءت من أقصى الريف (حيث القبيلة) لكنها استوطنت المدينة، وأنتجت علاقة عداء بين المدينة المحوثنة والريف. هي بهذا تسلك مسالك كل سلطة متغلبة؛ لم تخلق لها فضاءً جديداً ولم تؤلف بين المنبع والوصول، مجرد إحلال. وهي تبدو بذلك متنكرة لمنبعها، وقوة الفدغمة الآن هي إبراز هذا العار الذي تبدو الجماعة الحوثية ضعيفة وعارية أمامه.
وهذا الاستنتاج يقود إلى افتراض أن الريف في اليمن الحوثي ما يزال غير مروض حوثياً، ولديه قدرة ممانعة ورفض، أو على الأقل قابل لاكتسابها. إنما كيف ينبغي الوصول إليه لتعضيد الوعي الرافض للحوثي؟ إما بوعي جمهوري-حقوقي-مدني-سياسي (وهذا الأفضل للمستقبل)، أو بوعي قبلي يجعل الريف والصحراء في معارضة للمدينة والسلطة الحوثية.
ثالثاً: من زاوية البنى الاجتماعية المقاومة
لم يكن فدغم زعيماً معروفاً قياساً بالزعامات القبلية المشهورة والمهيمنة على المشهد الإعلامي أو السياسي، وهو يمتاز بحس براجماتي وانتهازي؛ كان في صف الشرعية وانتقل إلى صف الحوثي، وبالنسبة له فإن الانتقال أمر بسيط، على عكس ما يراه البعض ممن تصلبوا في موقف معسكر ما بأن الانتقال تجاوز للخطوط الحمراء.
كونه في الحقيقة غير مكبل بهكذا قيود معنوية، فهو لا يمثل حصان رهان في معركة استعادة الدولة، لكنه يعكس حقيقة الواقع داخل مناطق الحوثي، وربما داخل اليمن ككل. ما تقوله الفدغمة: القوى (التقليدية) السياسية أو الاجتماعية وربما رؤوس الأموال، فقدت مكانتها ونفوذها في سنوات الصراع، وهناك قوى جديدة تتشكل وينبغي إدراك هذه الحقيقة ورصدها لفهم الحركة الممكنة مستقبلاً.
الآن، ما هي المسافة اللازمة للاقتراب من فدغم من طرف الحكومة؟
للأسف، فإن أول خطوة قام بها هي قطع طريق، ثم إنه يتناول بإجلال عبد الملك الحوثي؛ هذا لا يعني أنه يواليه بقدر ما يعني أنه يضع لنفسه خطوط اتصال تنقذه، وسيكون غبياً إذا لم يتعظ من أحداث سابقة.
لم يصل فدغم بعد إلى قطيعة كلية مع الجماعة الحوثية، وهذا طبيعي لأنه ينقل صراعه معها إلى مربعها، ما يزال يتوسلها وينازلها. بالنسبة له، مناطق الحكومة ليست أكثر من منصة انطلاق، مع إدراكه الفطري أنه لن يصاب بأذى من طرف الحكومة، ولا ينبغي أن يصاب بأذى أو يتعرض لضغط ما لم يمارس أعمالاً مخلة بالنظام. رسالة الحكومة هي أن أبوابها مشرعة لمن يأتيها من مناطق الحوثيين.
عليها فقط أن تمنحه بطاقة أمان، خصوصاً إذا استمر في استنزاف الجماعة الحوثية في صورتها وطاقتها، لتكبر كرة الثلج.
الجماعة الحوثية في تقديري لن تقدم له أي تنازل جاد؛ لأنها ترى التنازلات انكساراً. وبالمقابل، ما أخشاه هو أنه سيستنزف القبائل الموالية للحكومة في حشوده ويفرغ خطوط المواجهة.




