استراتيجية إيران الكبرى الجديدة.. كيف ستعيد الجمهورية الإسلامية بحلتها الجديدة تشكيل الشرق الأوسط؟!
يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من مجلة فورين أفيرز
في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026، بدت الجمهورية الإسلامية منهكة وضعيفة؛ إذ دمر القصف واسع النطاق الصناعة والبنية التحتية، كما أدى الحصار البحري الأمريكي إلى تدمير اقتصادها المعتل بالفعل. وفي أوائل مارس/آذار، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة (إير فورس وان): “لقد دمرنا إمبراطورية الشر بأكملها”. وبعد عدة أسابيع، أعلن تحقيق “نصر تام وناجز”.
ومع ذلك، فبعد مرور ثلاثة أشهر، تبدو الصورة مختلفة تماماً؛ إذ ما تزال إيران تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، وعلى الرغم من دعوة ترامب للإيرانيين للإطاحة بالنظام، لا تلوح في الأفق أي انتفاضة شعبية. وقد ثبت أن الهدف الأولي للحرب ــ المتمثل في توجيه ضربة قاضية للجمهورية الإسلامية ــ غير قابل للتحقيق.
وبدلاً من كسر شوكة إيران، ساهمت أتون الحرب في تحويلها بطرق غير متوقعة. ولأجل البقاء وتحقيق مزايا استراتيجية جديدة، كان على الجمهورية الإسلامية أن تتكيف وتبتكر، مغيرّةً أساليب خوضها للحرب، وإدارتها للدولة، وتوجيهها للمجتمع، وتوجب عليها فعل ذلك بسرعة غير مسبوقة. وتبدو طهران اليوم واثقة مما حققته، وعازمة على ترسيخ تلك المكاسب في الداخل والخارج؛ فقد تمخضت الحرب عن ولادة إيران جديدة، ستعيد تشكيل الشرق الأوسط وتؤثر في مسار الجغرافيا السياسية لسنوات قادمة.
انتقال هادئ للسلطة
استشعاراً بضعف النظام الإيراني جراء الحرب التي شنتها إسرائيل واستمرت 12 يوماً في يونيو/حزيران 2025، والانتفاضة الشعبية في يناير/كانون الثاني 2026، شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات جوية على إيران في 28 فبراير/شباط. وتوقع البلدان تحقيق نصر سريع من خلال عمليات اغتيال مستهدفة للقيادة الإيرانية، بيد أن استراتيجية “قطع الرأس” لم تؤدِ إلى انهيار النظام، بل فتحت الباب بدلاً من ذلك أمام جيل جديد لتولي زمام الأمور.
يرى العديد من المراقبين الغربيين القيادة الجديدة التي برزت خلال الحرب، والتي يهيمن عليها الحرس الثوري الإسلامي، على أنها أكثر تشددًا من الناحية الأيديولوجية وأكثر صقورية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن هذا التصور ليس دقيقاً تماماً؛ إذ إن ما يميزها حقاً هو أمر أكثر دقة وأعمق أثراً. يركز المراقبون خارج إيران على حفنة من كبار القادة مثل مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد؛ ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان؛ وأحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني. غير أن الأهم من ذلك هو التحول الذي طرأ على الصفوف الأدنى منهم: جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين المدنيين الذين نشأوا بعد ثورة 1979، والذين يشغلون الآن مناصب رئيسية في صنع القرار، ويعيدون صياغة مفهوم الجمهورية الإسلامية بناءً على رؤيتهم القومية لإدارة الدولة والأمن.
لقد تشكلت الرؤى العالمية لجيل مؤسسي الثورة، بمن فيهم القادة السابقون روح الله الخميني وعلي خامنئي، عبر معارضتهم الطويلة لحكم محمد رضا شاه بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة، والسنوات التي قضوها في سجون الشاه أو في المنفى. أما الذين يمسكون بزمام القيادة اليوم، وهم الجيل الثاني من ثوريي إيران، بمن فيهم مجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، فقد كانوا مراهقين وشباباً يافعين إبان الحرب الإيرانية العراقية، وصُقلت رؤيتهم للعالم في خنادق أطول حرب تقليدية في القرن العشرين. وفي المقابل، فإن أولئك الذين ينتمون إلى الطبقة الإدارية الجديدة في القوات السياسية والمسلحة الإيرانية، وهم الجيل الثالث للثورة، لا يعرفون شيئاً سوى إيران ما بعد الثورة. وقد تبنى أعضاء طبقة الضباط هذه في القوات المسلحة والحرس الثوري، إلى جانب المؤسسات الأمنية التابعة لهم، ثقافة تكنوقراطية منظمة ورؤية استراتيجية تتمحور حول الدفاع الوطني، لا الأيديولوجيا الثورية. وهم يحكمون اليوم بثقة القادة الذين يؤمنون بأنهم نجحوا في الدفاع عن إيران في حربين ضد قوى تفوقهم عسكرياً (حرب الـ 12 يوماً العام الماضي، والصراع الأكبر بكثير هذا العام)، محققين ما لم تقدمه الثورة سوى وعود به: إضعاف حقيقي للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
وكان المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من حرب فبراير/شباط، نتاج التيارات الفكرية والسياسية لإيران ما قبل الثورة في العهد البهلوي؛ حيث صُقلت تربيته السياسية من خلال النقاش والجدال مع القوميين العلمانيين، واليساريين، والليبراليين الذين شاركوه أهداف الإطاحة بالملكية والوقوف في وجه الإمبريالية الغربية. وبمجرد وصولهم إلى السلطة، فرض قادة الثورة أيديولوجيتهم على إيران، لكنهم لم يتغلبوا قط على شعور عدم الأمان المتأصل في فرض الحق في حكم مجتمع لم يستسلم لهم بالكامل.
ولا يعرف الجيل الجديد شيئاً من هذا عن كثب؛ فمعظمهم كانوا أطفالاً عند تأسيس الجمهورية الإسلامية، ونشأوا وهم يؤمنون بحقها في الحكم. هؤلاء الرجال لم يشقوا طريقهم إلى السلطة بالقتال، بل شبوا عن الطوق داخل مؤسسات السلطة، معتبرين شرعيتهم أمراً مفروغاً منه. وبناءً على ذلك، فإن شعور عدم الأمان الذي ميز جيل التأسيس ــ والحاجة المستمرة لإثبات أن الثورة كانت حقيقية، وأن مزاعمها جادة، وأن النخبة القديمة قد هُزمت حقاً ــ غائب إلى حد كبير؛ فهم لا يدافعون عن ثورة، بل يديرون دولة.
وينطوي هذا التمايز النفسي على تداعيات عملية هائلة؛ فعندما واجه جيل علي خامنئي العالم ــ في مفاوضات الرهائن، والمحادثات النووية، والمواجهات الإقليمية ــ كان هناك دائماً تيار خفي من المظلومية، وصوت يتعالى بلغة المظالم التاريخية والانتصار الإسلامي. لقد كان ذلك تياراً قوياً وحقيقياً، لكنه مثل عبئاً استراتيجياً؛ إذ جعل تصرفاتهم متوقعة، ووضعهم في موقف دفاعي، وجعلهم عرضة للخلط بين الدفاع عن أيديولوجيتهم والدفاع عن مصالح إيران الوطنية، والتي لم تكن تتطابق دائماً بشكل تام.
لقد فصل الجيل الجديد بين الثورة وإدارة الدولة؛ فهو لا يتبنى العظمة الثورية ولا يدعو إلى النشاط الثوري في الداخل أو الخارج. فالقادة الجدد هم فاعلون من داخل مؤسسة الحكم: قوميون براغماتيون متمرسون يعملون وفق تقييم دقيق وواضح لقدرات إيران ومواطن ضعفها. وبخلاف أسلافهم، يمكنهم ممارسة الصبر الاستراتيجي والتحرك بحسم؛ فهم ينظرون إلى نقاط ضعف إيران بشكل متكرر وعلني ــ وهو أمر كان جيل التأسيس يفتقر إلى الأمان النفسي للقيام به بصراحة ــ ويتعاملون معها بوصفها مشكلات يجب حلها. وكانت هذه الغريزة هي الدافع وراء التغييرات التي أجرتها طهران بين الحربين.

متمرسون في المعارك
قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في يونيو/حزيران 2025، كان حكام إيران يفترضون أن بإمكانهم الحفاظ على حالة الجمود (لا حرب ولا سلم) مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أجل غير مسمى. لكن ثبت خطأ هذا الافتراض، وبدأت المراجعة الفكرية والتخلص من ذلك التراخي اللحظة التي انتهت فيها حرب الـ 12 يوماً. وتوقعت القيادة الجديدة للحرس الثوري انهيار وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في يونيو/حزيران واندلاع حرب أخرى، ربما تشارك فيها الولايات المتحدة منذ البداية. وبدأت الجامعات والمؤسسات البحثية ومراكز الفكر والهيئات الحكومية الإيرانية في استضافة نقاشات حول الدروس المستفادة والتغييرات المطلوبة. وشهدت تلك الأشهر الثمانية من التغيير المؤسسي ما لم تشهده السنوات العشر السابقة مجتمعة؛ إذ جرى نقل العديد من القرارات التنفيذية المتعلقة بالتجارة والزراعة وإدارة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية من طهران إلى عواصم المحافظات. وخضعت المنظمات المشرفة على الدعاية، والتواصل مع الجمهور المحلي، ونشر المعلومات في الخارج لإعادة هيكلة جيلية شاملة. وطالما ميز الخمول المؤسسي بيروقراطية الجمهورية الإسلامية، لكنه أفسح المجال الآن لضرورة التكيف السريع، وفي خضم هذه العملية، تولى صناع القرار التكنوقراط زمام المبادرة.
وبعد مقتل خامنئي في غارة جوية أمريكية إسرائيلية، جاءت خلافة ابنه مجتبى سريعة ومنظمة بشكل لافت. واختاره الجيل الجديد الذي برز من حرب يونيو/حزيران 2025، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه كان من كبار داعميهم لفترة طويلة. كان مجتبى عضواً في الحرس الثوري وقاتل في الحرب الإيرانية العراقية قبل دخوله الحوزة العلمية ليصبح رجل دين، وخدم لاحقاً إلى جانب والده، مشرفاً على تحول الحرس الثوري وصعود قيادته المستقبلية. وأكد صعود مجتبى هذا التحول الجيلي وسرّع من وتيرته، متمخضاً لا عن الانهيار المؤسسي الذي توقعته واشنطن، بل عن نقيضه تماماً.
وكان للطريقة التي قُتل بها خامنئي الأب، في منزله وليس في خندق محصن تحت الأرض، أهمية بالغة؛ إذ سارع القادة الجدد على الفور إلى تصوير وفاته على أنها استشهاد، ونجحت هذه الصياغة. وبدلاً من إحباط النظام، منح اغتيال خامنئي جيل القادة الجديد وجهاً وهدفاً، فكان تحركهم الأول هو حشد القواعد شعبية والعسكرية للجمهورية الإسلامية حول واقعة موته. كما نجحت تلك الرسائل في جذب شريحة أوسع من المجتمع الإيراني للالتفاف حول العلم.
وعكست إدارة إيران للحرب اللاحقة النهج التكنوقراطي للجيل الجديد؛ فطالما دارت عجلة العمل في الجمهورية الإسلامية عبر متاهة فوضوية من مراكز القوى المتنافسة، مما تمخض عن نقاشات داخلية لا تنتهي وحالة من الركود والجمود المتصلب. لكن بين الحربين، أفسحت تلك الفوضى المجال للانضباط التنظيمي والمرونة؛ إذ جرى تشكيل مجلس أعلى جديد للدفاع ــ بقيادة جنرالات الحرس الثوري عبد الرحيم موسوي، ومحمد باكبور، وعلي شمخاني ــ لتسريع التغييرات العسكرية. وقام قاليباف، الجنرال السابق في الحرس الثوري الذي أصبح رئيساً للبرلمان عام 2020، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بأدوار موازية في البيروقراطية المدنية والاقتصادية، وعملا من خلال الوزارات الحكومية والسلطات البلدية. وتعلم هؤلاء الرجال، وهم من قدامى المحاربين في الحرب الإيرانية العراقية، كيفية الإدارة في مواجهة احتمالات الفشل الشديدة على الخطوط الأمامية. وفي مواجهة أكبر تحدٍ لإيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحرك جيل التأسيس للثورة بسرعة لإعادة تنظيم إدارة الدولة حول الحرب. وأشرف هؤلاء القادة الأكبر سناً على مرحلة الانتقال إلى الجيل الجديد، الذي سارع بدوره إلى إعادة تنظيم مراكز القوى المشتتة في هيكل متماسك لصنع القرار يمكنه الصمود حتى في حال خسارة أي قائد بمفرده.
وأعيد تنظيم القوات المسلحة الإيرانية في شبكة من القيادات العملياتية التي تشبه حرب العصابات أكثر من كونها جيشاً تقليدياً، مع تركيز السلطة بين مجموعات متجانسة فكرياً بدلاً من توزيعها على فصائل مختلفة. ورغم مقتل لاريجاني وموسوي وباكبور وشمخاني جميعاً في ضربات إسرائيلية لاحقة، فإن المرونة التي ساعدوا في بنائها لم تتأثر.
وفي ميدان القتال، طبقت القوات المسلحة الإيرانية دروس حرب يونيو/حزيران 2025 بدقة؛ إذ ردت على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ في فبراير/شباط 2026 بإطلاق رشقات ممنهجة من الصواريخ والطائرات المسيرة المصممة لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية في جميع أنحاء المنطقة. وتوصل الإيرانيون إلى استنتاج مفاده أن خصومهم توقعوا تدمير القدرات الصاروخية لإيران بسرعة ولم يكونوا مستعدين لحملة طويلة الأمد. وخلال حرب 2025، استهدفت إسرائيل مداخل “مدن الصواريخ” الإيرانية، مما أدى إلى إغلاقها فعلياً وإجبار إيران على الإطلاق بشكل أساسي من المناطق الشرقية الخارجة عن نطاق التغطية الإسرائيلية. وردت إيران بنشر منصات إطلاق الصواريخ عبر جغرافيتها الشاسعة ودمج المهندسين داخل مدن الصواريخ، إلى جانب الأفراد العسكريين، لإصلاح المنصات والمدخل المتضررة في الوقت الفعلي، ومكّن هذا الإجراء إيران من مواصلة إطلاق النار لفترة أطول مما توقعته إسرائيل والولايات المتحدة.
كما نشر الحرس الثوري طائرات مسيرة رخيصة التكلفة لإرباك أنظمة الرادار والمواقع العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء الخليج العربي وإسرائيل، مما أعاق حملة القصف وفتح مسارات صاروخية نحو أهداف في شتى أنحاء المنطقة. واستناداً إلى منطق الحرب غير المتكافئة ــ وخبرة استخدام الهجمات البشرية المكثفة لاجتياح المواقع العراقية في ثمانينيات القرن الماضي ــ أرسلت إيران أسراباً من طائرات “شاهد” المسيرة. وأدت هذه الأسلحة الرخيصة والمستهلكة إلى إضعاف الدفاعات الجوية التي تحمي القواعد الأمريكية، فضلاً عن دفاعات حلفاء واشنطن العرب، وفتحت ممرات للصواريخ الدقيقة لضرب أهداف عالية القيمة. وبذلك، لم يتعلم الجيش الإيراني كيفية امتصاص الضربات فحسب، بل تعلم أيضاً كيفية انتزاع ميزة استراتيجية من خلال إحباط الأهداف الحربية لخصومه.

توازن قوى جديد
إن النصر الأبرز لجيل القادة الجديد يكمن ببساطة في أن استراتيجيتهم قد تكللت بالنجاح؛ فقد نجت الدولة من محاولات قطع رأس القيادة، وصمدت أمام القصف الأمريكي والإشرائيلي العنيف، وفرضت سيطرتها على مضيق هرمز، وتصدت للحصار البحري الأمريكي. وفي خضم هذه العملية، وسعت نطاق المعركة ليشمل الخليج العربي، مما ألحق أضراراً جسيمة بـ 16 قاعدة أمريكية وجعل بعضها خارج الخدمة. وفي مارس/آذار، أجبرت الفصائل المسلحة العراقية الولايات المتحدة على إخلاء “معسكر فكتوري” (Camp Victory)، وهو منشأة عسكرية أمريكية كبرى في بغداد كانت القوات الأمريكية تحتلها منذ عام 2003.
كما تسببت الهجمات الإيرانية في خلق أزمة ثقة بين دول الخليج؛ فالولايات المتحدة جلبت الحرب إلى مدنهم وبنيتهم التحتية الحيوية وفشلت في حمايتهم، لتصبح اقتصاداتهم أضراراً جانبية جراء ذلك الصراع. وسوف يستمر هذا الشرخ في الثقة بين عواصم الخليج وواشنطن إلى ما بعد الصراع الحالي. ويظل التساؤل مفتوحاً حول عدد القواعد الأمريكية التي ستُعاد بناؤها، وما إذا كانت الولايات المتحدة أو حلفاؤها العرب سيرون جدوى كبيرة فيها لمواجهة إيران أثبتت قدرتها على التحكم بمضيق هرمز.
ومن خلال إغلاق المضيق واستهداف البنية التحتية للطاقة، كبدت إيران أسواق الطاقة والتجارة العالمية تكاليف باهظة. وأظهر هذا الهجوم ــ الذي جمع بين أسراب الطائرات المسيرة، و”أسطول البعوض” من الزوارق السريعة، والتهديد بالألغام ــ قدرة لطالما استخفت بها واشنطن. وتنظر طهران إلى حالة الجمود الناتجة بوصفها توازناً جديداً للقوى؛ فرغم أن الحصار البحري الأمريكي قد ضيق الخناق على الاقتصاد الإيراني، إلا أنه جاء على حساب كشف الأهمية الاستراتيجية لقبضة إيران على المضيق. ومن خلال التحول من الحرب الجوية إلى الحصار البحري، اعترفت الولايات المتحدة في واقع الأمر بأن إيران غيرت مسرح العمليات الذي ستدور فيه رحى الصراع.
وتبنى ترامب الحصار البحري بوصفه الحل السحري الذي سيضمن له الفوز بالحرب، لكنه لم يسفر إلا عن ممارسة مزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي. وحمل هذا الجمود في طياته تكافؤاً استراتيجياً أكبر، وهو ما أكدته القيادة الإيرانية بقولها إن الحرب لن تنتهي إلا عندما ترفع الولايات المتحدة وإيران قبضتيهما الخانقتين عن الخليج العربي. ومستقبلاً، فإن السيطرة على المضيق، وهو ممر اقتصادي عالمي حيوي لا يمكن إنكاره، ستخدم طهران كرافعة اقتصادية وأداة ردع ضد أي هجمات مستقبلاً. وبالنسبة لقادة إيران، فإن هذه القوة التي تحققت حديثاً تعوض جزئياً التكاليف التي تكبدتها خلال الحرب، بما في ذلك تراجع قدرات حليفها اللبناني “حزب الله”، وغيرها من الانتكاسات التي واجهتها في السنوات الأخيرة، مثل خسارة سوريا كممر استراتيجي بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان أقوى حليف لإيران في العالم العربي.
ومن منظور طهران، فإن سياسة الاحتواء التي انتهجتها الولايات المتحدة ضد إيران لعقود من الزمن قد وصلت إلى نهايتها. ولن يتحدد النظام الإقليمي الجديد بعد الآن بناءً على الهيمنة الأمريكية، بل على تعددية الأقطاب، حيث تلعب الصين دوراً مركزياً متزايداً، وتغدو إيران لاعباً أساسياً لا هامشياً. وتعتزم طهران تثبيت هذه المكاسب في أي اتفاق ينهي الحرب؛ إذ يعكس إصرارها على السيطرة على مضيق هرمز وتحصيل رسوم من السفن المارة، وشروطها المسبقة لإجراء محادثات ــ والمتمثلة في وقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحصار البحري الأمريكي ــ إيمان القيادة بأن الحرب قد نقلت توازن القوى لصالحها، ويتفاوض حكام إيران الجدد بناءً على ذلك.
إدارة الدولة فوق الأيديولوجيا
أمنت إيران هذه المكاسب الاستراتيجية من خلال تطبيق دروس حرب الـ 12 يوماً بسرعة مذهلة. ففي يونيو/حزيران 2025، وجدت إيران نفسها تخوض حرباً وفق شروط إسرائيل، لكنها كانت مصممة هذه المرة على القتال بشروطها الخاصة. وبعيداً عن إعادة تنظيم الجيش الإيراني، برزت عدة تطورات محددة؛ كان أحدها الهجوم الذي شنته طهران على البنية التحتية للمعلومات، حيث أدرك القادة الإيرانيون مبكراً عدم قدرتهم على مضاهاة المزايا الأمريكية والإسرائيلية في استخبارات الأقمار الصناعية، والضربات الدقيقة، والدفاع الجوي المتكامل. لكن ما كان بمقدورهم فعله هو إحباط عملية صنع القرار في ميدان القتال لدى الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال إحداث فجوات بين ما ترصده المستشعرات وما يفسره القادة؛ إذ أدت الضربات على منشآت الرادار الأمريكية في شتى أنحاء الخليج العربي إلى إضعاف البنية التحتية للإنذار المبكر وتحديد الأهداف التي تستند إليها العمليات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وعملت إيران بشكل منهجي على تقويض التفوق التكنولوجي للخصم بدلاً من مواجهته مباشرة.
وكان فرض إيران لسيطرتها على مضيق هرمز تطوراً رئيسياً آخر؛ فطالما نُوقش إغلاق المضيق في طهران بوصفه خياراً عملياً، ولطالما استبعدته واشنطن على أساس أنه سيضر بصادرات إيران نفسها. وفضلاً عن ذلك، رأى المسؤولون الأمريكيون أن القوة البحرية للولايات المتحدة قادرة على تدمير الأسطول السطحي لإيران في بداية الحرب، مما يقضي فعلياً على قدرة طهران على إغلاق المضيق. لكن إيران أثبتت خطأ كل هذه الافتراضات؛ فمنذ أكثر من أربعة عقود، تمحورت العقيدة العسكرية لإيران حول الحرب غير المتكافئة المصممة لاستغلال نقاط ضعف القوات التقليدية الأمريكية والإسرائيلية. ولم تكن بحاجة إلى بحرية تقليدية لإغلاق المضيق؛ إذ مارست سيطرتها عليه باستخدام الطائرات المسيرة، والزوارق السريعة، والتهديد بالألغام ــ لتقنن الضغط بشكل منهجي وتضمن استمراريته لأسابيع، متجنبةً المواجهة الشاملة التي لم تكن مستعدة للانتصار فيها.
وأصبح مضيق هرمز الآن مفهوماً لدى جميع الأطراف باعتباره ورقة قوة إيرانية وليس ممراً مائياً مفتوحاً مدعوماً بضمانة أمريكية. وفي هذا الصدد، قال لنا محلل إيراني: “إن تخفيف العقوبات لم يعد مهماً بالنسبة لنا لأننا نعلم أنه لن يأتي، وحتى لو جاء فلن يدوم طويلاً… نحن لا نكرر أخطاء الماضي ذاتها، والآن أصبحت إدارة هرمز هي المفتاح”. ويمثل هذا تحولاً جذرياً في الاستراتيجية الاقتصادية لإيران; بعيداً عن السعي للاندماج مجدداً في النظام المالي الذي يقوده الغرب ــ وهو ما يراه الجيل الجديد أمراً غير قابل للتحقيق ــ ونحو توظيف هيمنة إيران على هذه الجغرافيا الحيوية.
كما أجبرت الحرب طهران على تعميق تحالفها التكتيكي مع الصين، وبناء ما يشبه الشراكة الاستراتيجية. وتوصلت القيادة الإيرانية إلى استنتاج يفيد بعدم وجود مسار للتطبيع مع الولايات المتحدة، وأنها لا تستطيع مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية بمفردها. وتعتقد طهران أن بكين ترى في إيران الصامدة حليفاً جديراً وموثوقاً. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مايو/أيار بعد لقاء نظيره الصيني في بكين: “يعتقد أصدقاؤنا الصينيون أن الموقف الدولي لإيران قد تحسن منذ بدء الحرب… وإن عهداً جديداً من التعاون بين إيران والصين يلوح في الأفق”. وفي مواجهة المهمة الحتمية المتمثلة في إعادة الإعمار بعد الحرب، يبدي القادة الإيرانيون انفتاحاً أكبر من أي وقت مضى على اعتبار الصين شريكهم الخارجي الرئيسي لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وشكلت الحملة الإعلامية لطهران خلال الحرب نقطة تحول أخرى عن الماضي؛ إذ أظهرت رسائل الحكومة الإيرانية عبر القنوات الإعلامية والدبلوماسية فهماً متطوراً للجماهير العالمية. ونشرت السفارات الإيرانية وشاركت محتوى واسع الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مقاطع فيديو موسيقية متحركة تضم شخصيات “ليغو” (Lego)، مما دفع النقاش العام إلى آفاق أبعد بكثير من الشرق الأوسط. ووصلت الصياغة الإيرانية للحرب إلى جماهير في العالم العربي، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وحتى في الولايات المتحدة وأوروبا، وأقنعتهم بها. ويعكس التواصل الاستراتيجي لإيران نفس البراعة التكنوقراطية التي ميزت حملتها العسكرية.
وأخيراً، أدرك القادة الإيرانيون أن الركود الاقتصادي يمثل التهديد الأكبر لاستقرارهم السياسي؛ فالدرس الذي استخلصوه من الاحتجاجات الأخيرة التي عمت البلاد هو أن الاستياء الاقتصادي يعمل كمضاعف لقوة المعارضة. ولم يكد يُعلن عن وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان حتى مضت الحكومة قدماً في حزمة إصلاحات اقتصادية، منهيةً عدداً من الدعم المالي والبرامج المحمية سياسياً، وهو تحرك بررته القيادة بأنه ضروري لإدارة التداعيات الاقتصادية للحرب. ويشير الاندفاع للإعلان عن مشاريع إعادة إعمار البنية التحتية ــ من جسور وسكك حديدية ومستشفيات ــ إلى أن الحكومة تتجه نحو عقد اجتماعي جديد، يرتكز على الكفاءة المثبتة بدلاً من الأيديولوجيا. وقد قدم الحرس الثوري عرضاً علنياً لقدراته التكنوقراطية في ميدان القتال، ولكن السؤال الذي يطرحه قادة إيران الجدد على أنفسهم الآن هو ما إذا كان بإمكانهم تقديم الكفاءة ذاتها في إدارة الاقتصاد.
التحول القومي
في أعقاب الانتفاضات الجماعية وما تلاها من قمع دموي للمتظاهرين في يناير/كانون الثاني 2026، بدا الإيرانيون موحدين ضد النظام؛ إذ تميزت سياسة البلاد آنذاك بالشرخ العميق بين سكان قلقين سئموا العزلة ويعانون من وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية المتزايدة، وبين حكومة تفتقر للشعبية وتواجه أزمات متلاحقة. لكن الحرب جاءت لتعقد هذا المشهد.
لقد كان دمار الحرب هائلاً؛ إذ تحولت البنية التحتية العامة، والمصانع، والمدارس، والمستشفيات، والمعالم التاريخية، بل وأحياء بأكملها إلى ركام. وبينما كانت القنابل والصواريخ الإسرائيلية والأمريكية تنهال على البلاد، هدد ترامب بتسليح الانفصاليين، وإعادة رسم حدود إيران، وسحق اقتصادها، وإبادة حضارتها. وأثارت هذه الاعتداءات العسكرية والخطابية مجتمعة رد فعل قومي تجاوز الانقسامات السياسية. ولم يختفِ الغضب الشعبي تجاه النظام، فما يزال الحزن والإحباط والاستياء المتراكم عبر عقود من سوء الحكم والقمع قائماً، لكن ما تغير هو المشهد السياسي الذي تجد فيه تلك المشاعر تعبيراً عنها؛ إذ أضحى المعارضة اليوم تنعكس من خلال نضال وطني ضد عدو خارجي يشبهه الإيرانيون بالإسكندر الأكبر، الذي غزا الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد، والجيوش العربية التي فتحتها في القرن السابع الميلادي، والمغول الذين جاؤوا بعد ذلك بستة قرون.
وخلافاً للتوقعات الأمريكية والإسرائيلية، لم تشعل الحرب فتيل مظاهرات في الشوارع؛ فكلما طال أمدها، بدا النظام أقل تعرضاً للتهديد من الانتفاضات الشعبية. وتحشد المجتمع الإيراني لا ضد الدولة بل إلى جانبها، فنظم مسيرات يومية في جميع أنحاء البلاد، وشكل سلاسل بشرية لحماية محطات الطاقة، وتجمع على الجسور التي هددها ترامب. وتلاشت الفجوة الحادة بين الدولة والمجتمع التي ميزت إيران في يناير/كانون الثاني ــ ليس عبر الإقناع أو القمع، بل من خلال التجربة المشتركة للعيش تحت وطأة القصف ومعاينة دماره.
وفقاً لتحليل أجرته وكالة بلومبرغ، فإن ثلثي الأهداف التي قُصفت في طهران قبل وقف إطلاق النار كانت مبانٍ سكنية وتجارية ومدنية أخرى. وفي مقابلات متتالية، وصف إيرانيون انفجارات هزت أجسادهم ليلاً ونهاراً، مخلفة جروحاً نفسية عميقة. وبالنسبة لهم، لم تعد القوات المسلحة الإيرانية هي القامع بل المدافع. واختصر هتاف سُمع في المسيرات بجميع أنحاء إيران لتشجيع الضربات الصاروخية والمسيرة تحول هذا المزاج: “اضرب، فإنك تحسن الضرب”. وكما قال الفيلسوف والمعارض الإيراني محمد مهدي أردبيلي في طهران خلال الأسبوع الخامس من الحرب: “في هذه اللحظة من الزمن، الجمهورية الإسلامية وإيران شيء واحد. إذا سقطت الجمهورية الإسلامية، تسقط إيران”.
وامتد هذا الشعور إلى كيفية إدارة الحرب في الداخل؛ إذ لاحظ الإيرانيون، بدهشة في بعض الأحيان، أنه بعد أسابيع من القصف والحصار البحري، لم يكن هناك نقص في الغذاء أو الوقود، واستمرت الحياة اليومية دون انقطاع إلى حد كبير. وقال لنا أحد سكان طهران: “باستثناء القنابل، لم نشعر أننا في حرب… لو كان بإمكان الجمهورية الإسلامية إدارة المجتمع دائماً بهذه الكفاءة، لما كان لدينا هذا الكم من الشكاوى المعتادة ضدهم”. ولا تعد هذه الملاحظات صك تأييد، لكنها تعكس تحولاً في كيفية رؤية الإيرانيين لقادتهم.
وأدى قطع الحكومة للإنترنت إلى تكثيف هذه الديناميكية؛ فعندما حظرت الحكومة تدفق المعلومات الخارجية كإجراء دفاعي ضد العمليات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية، لم يكن الإيرانيون سعداء بذلك، لكن لم يكن لديهم خيار سوى اللجوء إلى شبكة الإنترانت المحلية ووسائل الإعلام الداخلية. وقضى هذا التعتيم على وسائل إعلام المهجر وحسابات التواصل الاجتماعي الموجهة لتهيج المعارضة، مما تمخض عن نوع مختلف من النقاش الوطني. وتجذرت رؤى جديدة وأكثر تعقيداً، بما في ذلك ما يتعلق بالحرس الثوري، والتهديدات الأمنية التي تواجه إيران، وما بنته البلاد ويتعين عليها الدفاع عنه. وفي هذا السياق، قال ناشط مخضرم في المجتمع المدني تعرض للاستجواب مراراً بسبب نشاطه: “كنت دائماً أتجاهل أو أستخف بما يقوله الحرس الثوري أو نظام الحكم بشأن إسرائيل أو الولايات المتحدة… ولكن في الأسابيع القليلة الماضية، لم يكن لدي خيار سوى استخدام تطبيقات المراسلة والأخبار الإيرانية الداخلية، وكان علينا التفكير في مواقفهم ورؤية حقيقة تعرضنا للهجوم بشكل يومي”. كما صرح أستاذ جامعي لنا بالقول: “لقد دخلت البلاد في حرب وطنية، وتجري حالياً صياغة هوية جديدة”.
“هل أنت إيراني بما فيه الكفاية؟”
لطالما سعت الجمهورية الإسلامية إلى إبرام عقد اجتماعي مع شعبها، لكن شروطه تغيرت بشكل كبير عبر تاريخها. ففي السنوات الأولى، استند ذلك الميثاق إلى التحول الثوري وإعادة توزيع الثروة. وفي تسعينيات القرن الماضي، تحول نحو النمو الاقتصادي والانفتاح الاجتماعي المحدود مقابل السكون السياسي. وقبل عقدين من الزمن، وجه الرئيس محمود أحمدي نجاد عائدات النفط إلى الفقراء مقابل الولاء للأيديولوجيا الرسمية. ووعد خلفه حسن روحاني بنمو اقتصادي من خلال الاتفاق النووي وتخفيف العقوبات. وفشلت كل هذه الجهود في خلق علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع، بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة.
أما المعروض اليوم فهو صفقة قومية تكنوقراطية، ترتكز فيها شرعية الدولة على قدرتها المثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة إعمارها. وتأتي الشروط قومية لا إسلامية؛ إذ تنتج وسائل الإعلام الرسمية محتوى يطبع صور النساء اللواتي يرتدين الحجاب واللواتي لا يرتدينه وهن يقفن جنباً إلى جنب، ويؤطر الهوية الإيرانية كعنصر ثقافي وليس دينياً بحتاً، ويمد يده إلى فئات المجتمع التي رفضت الجمهورية الإسلامية تماماً، مثل الشباب والطبقة الوسطى في المدن.
ولا يعني هذا تحرراً أو ليبرالية؛ ففي واقع الأمر، يستمر النظام في قمع المعارضة السياسية بقسوة. لكن الدولة تقر الآن بحاجتها إلى قاعدة اجتماعية أوسع بكثير مما يمكن أن توفره الأيديولوجيا الإسلامية وحدها. وتبدو الجمهورية الإسلامية بشكل متزايد أقل شبهاً بالدولة الثيوقراطية وأكثر شبهاً بدولة سلطوية قومية يمينية. وتستمر الأيديولوجيا الإسلامية في الوجود، لكنها تخضع لضرورة التماسك الوطني؛ فلم يعد اختبار الولاء السياسي هو “هل أنت مسلم بما فيه الكفاية؟” بل “هل أنت إيراني بما فيه الكفاية؟”. وما يزال المسجد حاضراً، لكن الرمز السياسي المهيمن على القلائد ودبابيس السترات، التي يرتديها الصغار والكبار، أصبح الآن خريطة البلاد. وتجتذب المسيرات الحكومية للدفاع عن الوطن حتى منتقدي النظام، والذين دفع بعضهم ثمناً باهظاً لمعارضتهم في الماضي. وأصبحت هذه التجمعات نقاط ارتكاز لقومية تركز على الحفاظ على الحضارة الإيرانية والاحتفاء بالبقاء بكرامة في مواجهة قوة غاشمة.
وتدرك القيادة أن هذه اللحظة فريدة وقابلة للزوال؛ فالمجتمع نفسه الذي حمى محطات الطاقة سيعود إلى مظالمه بمجرد تراجع التهديد المباشر. إن غضب الشعب الإيراني بسبب القمع، وسوء الإدارة الاقتصادية، وسوء معاملة النساء والأقليات قد تراجع مؤقتاً بسبب الحرب، ولكنه لم يتلاشَ. وتمثل تنازلات الدولة بشأن القضايا الاجتماعية ــ كالتراخي الفعلي في فرض الحجاب، والتسامح مع الحفلات الموسيقية وقيادة النساء للدراجات النارية ــ محاولة لجعل وحدة زمن الحرب مستدامة قبل أن ينقلب المد السياسي. ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لتغيير العلاقة بين الدولة والمجتمع بشكل جذري.
وبالنسبة لحكام إيران، سيكون علاج المظالم الاقتصادية أمراً جوهرياً بمجرد انتهاء الحرب. وتفترض واشنطن أن طهران ما تزال مهتمة بالتفاوض لتخفيف العقوبات، لكن الحرس الثوري لا يعول على الدبلوماسية؛ فهو لم يعد يؤمن بأن الولايات المتحدة سترفع العقوبات يوماً ما. بل يسعى بدلاً من ذلك إلى إبرام صفقة تنهي الحرب، وترسخ مكاسب إيران، وتمهد الطريق لعوائد اقتصادية من فرض ضرائب على الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.
وتفسر واشنطن هذا الموقف الجديد بأنه عناد ناتج عن جمود أيديولوجي وتنافس فصائلي في طهران. وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في أبريل/نيسان: “لسوء الحظ، فإن المتشددين الذين يملكون رؤية كارثية للمستقبل يمسكون بالسلطة المطلقة في ذلك البلد”. وأضاف: “إن مفاوضينا لا يتفاوضون مع الإيرانيين فحسب، بل يتعين على هؤلاء الإيرانيين بعد ذلك التفاوض مع إيرانيين آخرين لمعرفة ما يمكنهم الاتفاق عليه، وما يمكنهم تقديمه، وما هم على استعداد لفعله، وحتى من هم على استعداد للقائه”. وكرر نائب الرئيس جي دي فانس هذا الشعور في مايو/أيار قائلاً: “ربما لا يدرك الإيرانيون أنفسهم تماماً الاتجاه الذي يريدون المضي فيه، فهم أيضاً مجرد بلد ممزق”.
غير أن روبيو وفانس على خطأ؛ فالنهج التحدي الذي تتبناه طهران لا يعكس جموداً أيديولوجياً ولا اقتتالاً فصائلياً داخلياً، بل يبرهن على ثقة إيران المستجدة والدروس المستفادة من الحرب وجولات المحادثات السابقة. ويدرك قادة البلاد أن الولايات المتحدة تسعى للحصول من المفاوضات على ما عجزت عن تحقيقه في الحرب، وأن واشنطن ليست مهتمة بصفقة بل باستسلام إيران. وقبل ذلك بمرتين، في يونيو الماضي وفي فبراير، قطعت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المحادثات مع الولايات المتحدة. وبعد انهيار المحادثات في إسلام آباد في 12 أبريل/نيسان، فرضت واشنطن على الفور حصاراً بحرياً، تلاه مطلب آخر باستسلام إيران غير المشروط. ويزعم القادة الإيرانيون بالفعل أنهم انتصروا في الحرب، وهم غير مستعدين للتنازل عن المكاسب التي حققوها أو العودة إلى قفص الاحتواء الذي كانوا يقبعون فيه قبل الحرب. وتغذي هذه الثقة بالنفس ــ المتجذرة في الاعتقاد بأن الحرب عززت قوة إيران بدلاً من إضعافها ــ رؤيتهم الدولية، كما أنها تمثل ركيزة أساسية للشرعية التي يسعون إليها في الداخل، ويجب أن تعكس نهايتهم الدبلوماسية ما حققه التحدي الإيراني في الحرب.
عقيدة الجبهات المتعددة
إن تحول إيران الواضح نحو القومية في الداخل لا يعني أن طهران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين؛ فهي لن تعيد النظر بشكل جوهري في علاقاتها مع “حزب الله” في لبنان، والفصائل الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن. لكنها ستديرها بانضباط استراتيجي أكبر ورومانسية أيديولوجية أقل. لن تضحي القيادة الإيرانية الجديدة بمصالح إيران على مذبح التضامن الثوري، بل سيتم توظيف هذه التحالفات كجزء من استراتيجية إقليمية متماسكة مصممة للحفاظ على العمق الاستراتيجي لإيران في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المستمرة.
وتوصل الاستراتيجيون الإيرانيون إلى استنتاج مفاده أنه كان من الخطأ، خلال الحرب في غزة، منح إسرائيل الوقت لمحاربة المكونات المختلفة لـ “محور المقاومة” التابع لطهران واحداً تلو الآخر؛ إذ جاءت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على مدار العام الماضي نتاجاً مباشراً لفشل التنسيق هذا. ولكن في فبراير/شباط، وبعد استيعاب الدرس، سارعت إيران إلى تفعيل “حزب الله” في لبنان والفصائل العراقية في وقت واحد، مما فتح جبهة ثانية لإسرائيل في لبنان، ووسع نطاق الحرب في جميع أنحاء المنطقة، وأجبر الولايات المتحدة على إغلاق معسكر فكتوري في العراق ــ وهو ما تراه طهران تأكيداً على صحة عقيدة الجبهات المتعددة.
ولا يحافظ القادة الإيرانيون على شبكتهم الإقليمية بدافع رغبة أيديولوجية في استعراض القوة، بل بناءً على تقديرات تفيد بأن إيران لا يمكنها التمتع بسيادة كاملة طالما واجهت تهديدات عسكرية وخنقاً اقتصادياً من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. ويوضح إصرار إيران على أن المفاوضات مع الولايات المتحدة مشروطة بوقف إطلاق النار في لبنان، وأن أي اتفاق نهائي يجب أن ينهي الحرب على كافة الجبهات ويعكس مكاسب إيران الاستراتيجية، هذه الرؤية التوسعية للدفاع الإقليمي. وتهدف السياسة الأمريكية والإسرائيلية، حسب تحليل طهران، إلى فرض الهيمنة الإسرائيلية في سائر أنحاء الشرق الأوسط ــ وهو هدف يتطلب وجود إيران ضعيفة ومكسورة.
وأصبح “محور المقاومة”، الذي طالما اعتبره العديد من الإيرانيين مجرد إنفاق خيري لقضية أيديولوجية، مفهوماً الآن لدى شريحة أوسع من السكان كأداة للدفاع الوطني. ويعد هدف إيران المتمثل في منع الولايات المتحدة من إعادة بناء منشآت الرادار المتضررة في الخليج العربي تعبيراً آخر عن المنطق ذاته ــ وهو جهد متعمد لتقويض البنية التحتية للإنذار المبكر التي ارتكزت عليها الهيمنة العسكرية الأمريكية في مياه تعتبرها إيران فناءها الاستراتيجي الخلفي.
جمهورية إسلامية جديدة
لقد كانت الحرب بمثابة كير صهر شكل نسخة جديدة للجمهورية الإسلامية، وشهدت أول تحول جيلي رئيسي منذ تأسيسها؛ فلم تعد السلطة بيد المؤسسين، إذ يدير الجيل الثاني الآن الشؤون العسكرية والسياسية، بينما يوجه الجيلان الثالث والرابع مجالات الاتصالات والتواصل الدولي.
وفي سنواتها الأولى تحت قيادة الخميني، كانت الجمهورية الإسلامية دولة ثورية: منظمة حول التحول الأيديولوجي، ومستمدة شرعيتها من السلطة الكاريزمية للمرشد الأعلى ومزاعمه بتنفيذ مشيئة الله، وموجهة في سياستها الخارجية نحو تصدير الثورة. وبعد وفاة الخميني عام 1989، ومروراً بعصر الإصلاح وترسيخ الخط المتشدد تحت قيادة خامنئي، كانت الجمهورية دولة ما بعد الثورة، تتفاوض بشكل دائم بين أيديولوجيتها التأسيسية ومتطلبات الحكم؛ حيث أدارت القيادة شعباً تزداد تشكيكه عبر القمع، والرعاية القائمة على المحسوبية، والانفتاحات المحدودة. ورأت في مقاومة النفوذ الأمريكي ضرورة مناهضة للإمبريالية، لكنها ظلت، قبل كل شيء، جمهورية إسلامية، يحكمها جيل التأسيس وتحركها معاركه الداخلية.
أما الجمهورية التي ولدت من رحم الحروب الأمريكية الإسرائيلية فتتحدد ملامحها اليوم بالقومية لا بالأيديولوجيا، وبإدارة الدولة لا بالثورة، وبثقة الطبقة الجديدة من الضباط ونهجها التكنوقراطي لا بالكاريزما الدينية لرجال الدين. ومن الناحية المقارنة، فإنها تشبه الدول القومية التي قادها العسكريون في القرن العشرين ــ مثل تركيا في عهد الكماليين المتأخرين، ومصر في عهد جمال عبد الناصر ــ حيث استمرت الأيديولوجيا في الوجود ولكن جرى إخضاعها للمصلحة الوطنية ومقتضيات سلطة الدولة.
إن هذا التحول بعيداً عن الجمود العقائدي ونحو إدارة براغماتية للدولة لا يجعل الجمهورية الإسلامية أكثر وداعة أو سلاماً؛ فالدول الأمنية القومية غالباً ما تكون وحشية مع شعوبها ومزعزعة للاستقرار في النظام الدولي، وستظل الجمهورية الإسلامية الناشئة سلطوية للغاية. غير أن التصنيفات التي غالباً ما استخدمها المحللون الغربيون لوصف فصائلها المختلفة ــ متشددون مقابل معتدلين، وأيديولوجيون مقابل إصلاحيين ــ ستكون أقل دقة من أي وقت مضى. وسوف تتشكل أولويات الجمهورية الإسلامية الجديدة، وكيفية سعيها لتحقيقها، من خلال التجارب المحددة لحربيها مع إسرائيل والولايات المتحدة: الخسائر التي تكبدتها إيران، والثقة التي اكتسبتها قيادتها، والعقد الاجتماعي الجديد الذي جعل القتال منه أمراً ضرورياً وممكناً.



