عقيدة الرياض الجديدة: استعادة المنطقة من عباءة أبوظبي

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
تؤشر التطورات الأخيرة في المشهد الخليجي على ولادة ‘عقيدة سياسية’ سعودية جديدة، لا تكتفي بمنافسة النفوذ الإماراتي المتصاعد، بل تسعى جاهدة لتقليصه واستعادة زمام المبادرة في الملفات الإقليمية الأكثر حساسية.
فمن استعادة السيطرة الكاملة على ملف جنوب اليمن، إلى المواجهة الدبلوماسية المحتدمة في القرن الأفريقي، يبدو أن الرياض قررت الخروج من مربع ‘التنسيق الهادئ’ مع أبوظبي لتنتقل إلى مرحلة ‘الندية الصارمة’.
هذه العقيدة تضع حداً لسنوات من ‘التفويض الضمني’ الذي تحركت بموجبه الإمارات في مناطق نفوذ حيوية، معلنةً أن بوصلة القرار في المنطقة عادت لترتكز في الرياض وحدها؛ وهو ما يضع التحالفات التاريخية أمام اختبار حقيقي في ظل صراع إرادات لم يعد يقبل القسمة على اثنين.
صحيفة نيويورك تايمز نشرت تقريراً تحليلياً حول الموضوع، يعيد “يمن مونيتور” نشره باللغة العربية.
على مدار سنوات، آثرت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة حل خلافاتهما ونزاعاتهما الحدودية بهدوء وخلف الكواليس. أما الآن، فيبدو كما لو أن سدًا قد انفجر، مخلفًا تداعيات تتردد أصداؤها في جميع أنحاء المنطقة وخارجها.
إن القطيعة بين الجارتين القويتين والثرتين بالنفط، واللتين بنتا نفوذًا عالميًا واسعًا، تحمل في طياتها القدرة على تحريك الأسواق وتأجيج الحروب.
ولا يبدو هذا الأمر جليًا في أي مكان أكثر مما هو عليه في اليمن، حيث قادت مجموعة انفصالية مدعومة من الإمارات هجومًا فاشلاً في ديسمبر الماضي للسيطرة على جنوب البلاد، وهي منطقة تقع على ممرات تجارية عالمية حيوية. وقد تصدى المسؤولون السعوديون لذلك بقوة، مستعيدين النفوذ من الإمارات، ومعلنين أن المملكة وحدها هي التي ستتولى المسؤولية عن مستقبل اليمن.
وفي هذا الصدد، قال إتش إيه هيليير، الزميل المشارك الأقدم في المعهد الملكي للخدمات المتحدة بلندن: “هذا ليس خلافًا تكتيكيًا، بل هو انقسام استراتيجي حول مفهوم الاستقرار في الشرق الأوسط”.
ويرى محللون أن التوترات تمتد إلى دول أخرى في المنطقة، حيث يمكن أن يؤدي هذا الشرخ إلى تفاقم الصراعات المستعرة وتفتيت التحالفات الهشة.
ولطالما نُظر إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية، والشيخ محمد بن زايد، حاكم دولة الإمارات العربية المتحدة، كشريكين طبيعيين من قبل حلفائهما في واشنطن. وفي عام 2015، تكاتف بلداهما في اليمن، وشنا تدخلاً عسكريًا واسعًا لصد المتمردين الذين سيطروا على العاصمة.
إلا أنهما تباعدا في السنوات الأخيرة، حيث دعما مجموعات متناحرة في الحرب الأهلية السودانية، وانتهجا سياسات نفطية متباينة، ودخلا في تنافس اقتصادي محتدم.
وقبل المواجهة في اليمن، حافظت الحكومتان الإماراتية والسعودية علنًا على واجهة من الأخوة والمودة، استنادًا إلى الروابط الثقافية والقبلية. لكن في غضون أسابيع قليلة، انحدرت هذه المجاملات إلى حرب كلامية قبيحة.
وبات المعلقون السعوديون ومنصات الإعلام المملوكة للدولة يظهرون الآن ازدراءً علنيًا للإمارات، متهمين صناع القرار في العاصمة أبوظبي ببذر الفوضى في المنطقة عبر دعم الميليشيات المسلحة في اليمن والسودان. ويقولون إن الطموحات الإماراتية باتت مفرطة، وأنه قد حان الوقت لوضع حد لهذه الدولة الصغيرة.
وفي المقابل، يتململ النخب الإماراتيون من تصرفات السعودية التي يصفونها بأنها تتصرف كـ “أخ أكبر” متسلط.
وفي يناير، تصاعدت حرب الروايات مع سعي السعودية لتسليط الضوء على أدلة سابقة لانتهاكات إماراتية لحقوق الإنسان، حيث اصطحبت صحفيين إلى اليمن لمشاهدة مرافق مهجورة قال مسؤولون محليون إنها كانت سجونًا سرية تديرها الإمارات.
وقال المسؤولون الذين أداروا الجولة — وهم ممثلون عن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية — إن الإمارات احتجزت وعذبت يمنيين في تلك المرافق.
ولم تكن أي من هذه الاتهامات جديدة؛ فقد خلصت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة قبل عدة سنوات إلى أن القوات الإماراتية في اليمن كانت مسؤولة عن عمليات احتجاز خارج نطاق القضاء، وإخفاء قسري، وتعذيب.
ومع ذلك، أصدرت وزارة الدفاع الإماراتية نفيًا قاطعًا للاتهامات التي وردت في الجولة الأخيرة، وقالت في بيان إنها “لا تستند إلى أي أدلة” وتأتي ضمن “حملة منظمة للإساءة لسمعة الدولة الإماراتية”.
وفي الماضي، كانت الإمارات تدفع رواتب بعض المقاتلين اليمنيين، لكن السعودية تعهدت الآن بتغطية مدفوعات الرواتب لجميع موظفي الحكومة اليمنية، المدنيين والعسكريين، في المستقبل المنظور. ويمثل هذا التزامًا ماليًا يتجاوز مليار دولار سنويًا، وفقًا لمسؤولين يمنيين اطلعا على الخطة وتحدثا شريطة عدم كشف هويتيهما لمناقشة تفاصيل لم تُعلن بعد.
وقد نفى المسؤولون الإماراتيون باستمرار تمويل أو تسليح الميليشيات الإقليمية، بما في ذلك في السودان، رغم وجود أدلة واسعة تشير إلى عكس ذلك. ولم يتحدثوا عن الخلاف مع السعوديين إلا بعبارات غير مباشرة.
وقال أنور قرقاش، المسؤول الإماراتي الرفيع، في مؤتمر عُقد الأسبوع الماضي: “لقد كانت الإمارات هدفًا لحملة إعلامية غير مسبوقة. إن اختلاف الآراء أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو الفجور في الخصومة”.
وفي إيجاز صحفي في 26 يناير، قال وزير الخارجية السعودي إن علاقة المملكة بالإمارات “مهمة للغاية”، لكنه سلط الضوء على “اختلاف في وجهات النظر” بشأن اليمن، مشيرًا إلى أن الإمارات “قررت مغادرة” البلاد.
وقال الوزير، الأمير فيصل بن فرحان: “إذا كان الأمر كذلك بالفعل، وأن الإمارات قد غادرت ملف اليمن تمامًا”، فإن ذلك سيكون “لبنة بناء” للحفاظ على قوة العلاقة السعودية الإماراتية. وقد وضع تأكيدًا خاصًا على كلمة “إذا”، ما بدا وكأنه يبرز مستوى عدم الثقة بين الحكومتين.
ولم تستجب الحكومتان الإماراتية والسعودية لطلبات التعليق.
وحتى الآن، أظهرت إدارة ترامب ترددًا في الانحياز إلى أي طرف، إذ يعد كلا البلدين لاعبين رئيسيين يأمل السيد ترامب في كسب دعمهما لسياساته في الشرق الأوسط، وكلاهما عزز روابط تجارية مع عائلة الرئيس.
ومع تعمق الأزمة، تتحرك السعودية بقوة لمواجهة المصالح الإماراتية، كما يقول المحللون.
وقال سلمان الأنصاري، المحلل السياسي السعودي: “من وجهة نظر الرياض، فقد استُنفد رصيد الثقة مع أبوظبي، ولم تعد الكلمات والتطمينات تجدي نفعًا”.
ويرى المحللون أن النزاع سينتقل على الأرجح في المرحلة التالية إلى القرن الإفريقي، المنطقة التي تمزقها الحروب وتقع قبالة شبه الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر.
ففي السودان، يدعم البلدان طرفين متناحرين في حرب أهلية وحشية؛ إذ تدعم الإمارات قوات الدعم السريع شبه العسكرية، بينما تدعم السعودية الجيش السوداني. وفي نوفمبر، حث ولي العهد السعودي إدارة ترامب على التوسط في اتفاق سلام في السودان، مما كثف الأضواء الدولية على سلوك الإمارات هناك.
وفي الصومال، حيث تعد السعودية داعمًا قويًا للحكومة المركزية، عززت الإمارات علاقات عميقة مع منطقة صوماليلاند الانفصالية. وفي 12 يناير، أعلن الصومال إنهاء “جميع الاتفاقيات” مع الإمارات، مستشهدًا بـ “أعمال عدائية وزعزعة للاستقرار” من قبل الحكومة الإماراتية.
ويرى المحللون أنه أينما وقف القوتان الخليجيتان خلف أطراف متصارعة، فمن المرجح أن تتصاعد التوترات.
وقال آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية: “نحن نستعد للتداعيات. نتوقع أن يؤدي هذا إلى تصعيد الحرب في السودان ومزيد من الانقسام في الصومال”.
وعلى نطاق أوسع، تشير تقارير إلى أن السعودية تسعى لإبرام اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية مع باكستان وتركيا. ومع انتشار أنباء هذا الميثاق، قام الشيخ محمد بن زايد، حاكم الإمارات، بزيارة خاطفة إلى الهند — منافسة باكستان النووية — وأشار إلى نيته تأمين اتفاقية دفاع مشترك خاصة به هناك.
وكانت آخر مرة انقسم فيها الخليج بسبب أزمة بهذا الحجم في عام 2017، عندما وحدت السعودية والإمارات قواهما لعزل قطر.
وقال محمد باهرون، رئيس مركز “بحوث” للدراسات في دبي: “في هذه الحالة، لا توجد قائمة مطالب”. وأضاف أن هناك غموضًا خطيرًا يكتنف الشرخ الحالي.
لقد انتهى الخلاف مع قطر في نهاية المطاف بقمة دبلوماسية في عام 2021. ويرى باهرون أن الخلاف السعودي الإماراتي يمكن إصلاحه أيضًا، لكنه قد يترك ندبة.
وتساءل باهرون: “ما مدى سوء هذه الندبة؟ وبماذا تذكرك عندما تنظر في المرآة؟ هذا شيء آخر سيتعين علينا التفكير فيه في المستقبل”.
المصدر: نيويورك تايمز



