غير مصنف

تبدل الولاءات في اليمن: مقاتلو “النخبة” يغادرون المعسكر الإماراتي

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

لأعوام طويلة، ظلت وجوه الجنود في عدن، جنوبي اليمن، دون تغيير يذكر، وينطبق الأمر ذاته على محافظة لحج، وعلى طول الساحل الغربي في تعز، حيث واصل أعضاء قوات المقاومة الوطنية التمركز في مواقعهم.

وعلى مدار السنوات الثماني الماضية، عملت قوات المقاومة الوطنية جنباً إلى جنب مع المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة التي كانت تدين لها بولاء مطلق. وحتى أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت هذه القوات إما تشارك أو تدعم هجوماً ضد القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي المدعوم من السعودية.

أما اليوم، فقد حولت قوات المقاومة الوطنية – وهي قوة مجهزة جيداً ومناهضة للحوثيين يقودها طارق صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح – ولاءها إلى المملكة العربية السعودية. وبناءً على ذلك، انسحب المقاتلون الذين لا يزالون متمسكين بالمجلس الانتقالي وأجندته السابقة المدعومة إماراتياً إلى معقل المجلس في محافظة الضالع وإلى جيوب في لحج.

وقال عمار (49 عاماً)، وهو جندي مخضرم انضم إلى الجيش قبل عقدين من الزمن، لموقع “ميدل إيست آي”: “نحن نعمل تحت قيادة ميدانية؛ كنا نتلقى التوجيهات من القوات الإماراتية، لذا كان ولاؤنا للإمارات، أما اليوم، فنحن نتلقى أوامرنا من السعوديين في عدن، ولذلك فإن ولاءنا لهم”.

ويرى عمار أن هذا التحول في الولاء هو مسألة تقاليد عسكرية وليست أيديولوجية سياسية، حيث قال: “في الجيش، لا نتبع السياسة؛ بل نتبع قائدنا. ولو تصرف كل جندي بناءً على قناعاته الشخصية فقط، لغرق الجيش في الفوضى”.

وأضاف: “كنا ممتنين للضباط الإماراتيين، ونحن سعداء بالعمل مع الضباط السعوديين الآن، فكلاهما يعمل من أجل إنقاذ اليمن”.

A member of the Saudi-backed Yemeni counterterrorism forces at al-Rayyan airport in Mukalla in Yemen's southern Hadhramaut province on 19 January 2026 (AFP)
أحد أفراد قوات مكافحة الإرهاب اليمنية المدعومة من السعودية في مطار الريان بمدينة المكلا في محافظة حضرموت جنوب اليمن بتاريخ 19 يناير 2026 (وكالة فرانس برس)

وحدة عسكرية

تغير الوضع في جنوب اليمن بشكل دراماتيكي الشهر الماضي عندما دعمت السعودية مطلباً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني بانسحاب القوات الإماراتية، وذلك بعد أن سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي من جانب واحد على أراضٍ خاضعة لسيطرته.

وطلبت الحكومة اليمنية من أبوظبي مغادرة البلاد. وأعلنت الإمارات انسحابها في أعقاب غارة جوية سعودية استهدفت شحنة أسلحة كانت متجهة للانفصاليين. وسرعان ما تحركت القوات السعودية لتحل محلها في المناطق الخاضعة لسيطرة مجلس القيادة الرئاسي، بما في ذلك عدن ولحج وحضرموت والساحل الغربي، مما أدى إلى تهميش المجلس الانتقالي الجنوبي.

وأوضح عمار أنه كان يدرك وجود احتكاك بين السعودية والإمارات في اليمن، لكنه يعتقد أن هذا الأمر لا ينبغي أن يشغل الجنود، واصفاً إياه بأنه “شأن يخص القيادة”. وأضاف: “مهمتنا هي حماية المدينة، وإذا كانت توجيهات قادتنا تخدم هذا الغرض، فعلينا الطاعة بغض النظر عن الجنسية”.

من جانبهم، أعرب جنود انضموا إلى الجيش خلال العقد الماضي عن وجهات نظر مختلفة؛ فخلافاً للمخضرمين مثل عمار، قالوا إن الوعي السياسي ضروري لتجنب الانجرار إلى “المعارك الخاطئة”.

وفي محافظة لحج، يقف جاويد الصبيحي (34 عاماً) عند نقطة تفتيش، وفوق رأسه يرفرف الآن العلم الوطني اليمني في المكان الذي كان يرفع فيه “علم الاستقلال” التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي إبان تواجد القوات الإماراتية.

وقال الصبيحي إن ثقته في السعودية تعود إلى عام 2015، عندما تدخلت في الحرب الأهلية اليمنية ضد المتمردين الحوثيين. وصرح لـ “ميدل إيست آي” قائلاً: “كانت الإمارات جزءاً من التحالف الذي تقوده السعودية، وكنا موالين لهم لأنهم عملوا تحت القيادة السعودية وبناءً على طلب الحكومة اليمنية”. وأضاف: “بمجرد ظهور الاحتكاك بين السعودية والإمارات، قررنا الوقوف مع الرياض، كونها أول من تدخل لدعم اليمن في عام 2015”.

وأكد الصبيحي أن زملائه في القوات يدينون الآن بالولاء لمجلس القيادة الرئاسي وللمملكة العربية السعودية، معرباً عن أمله في تحسن الأوضاع، خاصة إذا نجحت السعودية في توحيد المجموعات العسكرية المختلفة تحت قيادة واحدة.

وتابع الصبيحي: “لقد ظلت القوات العسكرية في المناطق التابعة لمجلس القيادة الرئاسي منقسمة لفترة طويلة تحت قيادات مختلفة، لكن السعوديين يعملون الآن على ضم الجميع تحت مظلة وزارة الدفاع، وستكون هذه خطوة كبيرة نحو جيش موحد”. وفي الوقت الحالي، لا تزال هذه القوات مشتتة، وتختلف رواتبها بشكل كبير؛ فبينما يتقاضى البعض رواتبهم بالريال السعودي، يتقاضى آخرون، مثل الصبيحي، رواتبهم بالريال اليمني وبسعر أقل بكثير. وأضاف: “توحيد الأجور في جميع القوات سيكون أمراً حيوياً لوحدة المؤسسة العسكرية”.

 

بيزنس” الولاء

يبدو هذا التحول أكثر وضوحاً في قوات المقاومة الوطنية على طول الساحل الغربي؛ فهذه القوات، التي كانت مدعومة سابقاً من الإمارات، تلقت رواتبها من السعودية في يناير للمرة الأولى.

وقال أمين راشد (38 عاماً)، وهو مقاتل في قوات المقاومة الوطنية: “نحن دائماً مع السعودية، خاصة بعد رؤية كرمهم هذا الشهر. كنا نخشى توقف رواتبنا بعد رحيل الإمارات، لكننا فوجئنا بالسعوديين يغطون أجورنا”.

ولم يقتصر الدعم السعودي على الجانب العسكري فحسب، بل قامت الرياض أيضاً بتمويل رواتب موظفي الخدمة المدنية في يناير عبر المناطق الخاضعة لسيطرة مجلس القيادة الرئاسي، وتولت تمويل المشاريع الإنسانية، بما في ذلك المستشفيات، التي تخلت عنها الإمارات فجأة عند انسحابها من اليمن.

وقد ساهمت “الدبلوماسية المالية” السعودية في تسهيل عملية الانتقال، مما دفع حتى الأصوات التي كانت مؤيدة سابقاً للمجلس الانتقالي إلى تغيير موقفها. فالمصور الصحفي صالح العبيدي، الذي عُرف سابقاً بدعمه الشرس للإمارات وانتقاده للرياض، ظهر مؤخراً في العاصمة السعودية لتأييد جهودهم.

وقد أثار هذا التحول انتقادات حادة من المتشددين في المجلس الانتقالي، مثل صلاح بن لغبر، الذي كتب على فيسبوك: “من الواضح أن الجناح الإعلامي للمجلس الانتقالي كان مجموعة من الانتهازيين المستعدين لبيع أنفسهم والقضية ودماء الشهداء”.

من جهته، لاحظ الصحفي اليمني محمد علي أن الحرب تركت مؤسسات اليمن في حالة دمار، مما حال دون قدرة الحكومة على دفع الرواتب أو تقديم الخدمات الأساسية. ونتيجة لذلك، انتقل دعم السكان نحو المانحين الدوليين.

وقال علي لـ “ميدل إيست آي”: “الدولة التي تقدم الخدمات الأساسية وتدفع رواتب الموظفين العموميين في اليمن ستحظى حتماً بدعم السكان. كان هذا الولاء يوماً ما للإمارات، والآن هو للسعودية، وإذا تدخلت دولة أخرى لتغطية الرواتب، فسيتحول هذا الدعم مرة أخرى”.

وأضاف علي أنه من الصعب التحدث عن “ولاء حقيقي” في السياق الحالي، لأن الولاء الحقيقي يقتضي دعم قضية أو بلد دون انتظار مكاسب شخصية، وبدلاً من ذلك، هو يرى جيشاً يُشترى ولاؤه ويُباع. وقال: “آمل أن أكون مخطئاً، ولكن عندما تغير القوات العسكرية ولاءها كما رأينا، فإن ذلك لا يعد ولاءً، بل ارتزاقاً”.

ورغم إعرابه عن امتنانه للدعم السعودي الفوري، أكد علي أن موقفه ليس معادياً للسعودية، بل يأمل في حل طويل الأمد يتجاوز المساعدات الخارجية. واختتم قائلاً: “آمل أن تساعد السعودية الحكومة اليمنية على استئناف إنتاج وتصدير الوقود؛ اليمن بحاجة إلى الاعتماد على موارده الخاصة بدلاً من انتظار الدعم الخارجي”.

المصدر: ميدل آيست آي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى