بصيص أمل مع عودة التيار الكهربائي إلى عدن المثقلة بجراح الحرب
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
عادت الأضواء لتنير شوارع عدن، على الأقل لمعظم ساعات اليوم. هذا التفصيل الذي قد يبدو اعتيادياً، يمثل فرقاً هائلاً لسكان المدينة الساحلية الواقعة في جنوب اليمن، والتي عانت لسنوات من انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي، وهو مؤشر على أن ثمة خطب ما قد تغير.
كان هذا التغيير ملحوظاً بما يكفي ليدفع صالح طاهر، المقيم في العاصمة اليمنية صنعاء، للتعليق عليه بعد زيارة قام بها مؤخراً إلى عدن. لم يكن طاهر متأكداً مما سيجده في رحلته التي وصل فيها إلى عدن في 25 يناير/كانون الثاني، بعد أسابيع قليلة من إعادة الحكومة اليمنية ترسيخ وجودها في المدينة. وتساءل الشاب البالغ من العمر 32 عاماً عما إذا كانت الشوارع ستشهد توتراً في أعقاب سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال.
وكان المجلس الانتقالي يسيطر على المدينة وأجزاء واسعة من جنوب اليمن حتى أجبره هجوم حكومي مدعوم من السعودية على التراجع في أوائل يناير. ومع مرور الوقت، تبدد قلق طاهر؛ إذ بدت شوارع عدن طبيعية، وكان الناس يمارسون أعمالهم كالمعتاد.
ثم كانت هناك الكهرباء؛ ففي بلد يعيش رسمياً في حالة حرب منذ أكثر من عقد من الزمان، مع تنازع مجموعات متعددة على الأراضي، تُعد هذه الخدمة -التي تُعتبر من المسلمات في معظم دول العالم- علامة على الأمل.
إن التوفر المفاجئ للكهرباء هو نتاج جزئي لمنحة وقود بمليارات الدولارات قدمتها المملكة العربية السعودية لتزويد محطات الطاقة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف لإظهار أن وجود الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً يمكن أن يحسن حياة الناس.
وفي حديثه لشبكة الجزيرة، قال بديع سلطان، وهو صحفي مستقل مقيم في عدن، إن “التغيير الإيجابي” في الخدمات في عدن ملموس للسكان، وأن المدينة دخلت مرحلة جديدة تماماً. واستشهد بالكهرباء كمثال رئيسي قائلاً: “لقد استقر إمداد الطاقة بشكل كبير. اليوم نتمتع بنحو 20 ساعة من الخدمة المستمرة وغير المنقطعة يومياً، وهو ما كان حلماً بعيد المنال قبل شهرين فقط”.
وأوضح سلطان أن التقدم المستمر في عدن لا يمكن عزوه حصراً إلى الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، مسلطاً الضوء على دور فلاح الشهراني، الذي وصل إلى عدن مطلع هذا العام ضمن وفد رفيع المستوى من قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، لمتابعة الترتيبات الأمنية والعسكرية في أعقاب الانهيار العسكري للمجلس الانتقالي.
وقد عمل الشهراني، وهو مستشار لقائد القوات، مع القادة المحليين والعسكريين على إعادة تموضع المعسكرات العسكرية خارج عدن، ولعب دوراً حاسماً في إدارة ما وصفه سلطان بالمرحلة الحساسة في المدينة. وأضاف سلطان: “الشهراني هو الحاكم الفعلي لعدن الآن”.
التوترات السعودية الإماراتية
في أواخر ديسمبر، ظهرت التوترات بين السعودية والإمارات بشأن اليمن إلى العلن، مما دفع الرياض إلى تبني خطاب أكثر حدة وشن عمليات عسكرية تهدف إلى صد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، والذي كان قد تجاوز خطاً أحمر سعودياً بمحاولته السيطرة على مناطق شرق اليمن المتاخمة للحدود السعودية.
وفي 30 ديسمبر، أعلنت الإمارات انسحابها من اليمن “بمحض إرادتها” بعد أن طالبتها الحكومة اليمنية بذلك. وكانت الإمارات تقوم بتسليح وتمويل المجلس الانتقالي منذ تأسيسه في عام 2017.
وفي مؤتمر صحفي عُقد في وارسو يوم الاثنين، قال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان: “لقد قررت الإمارات الآن مغادرة اليمن، وأعتقد أنه إذا كان الأمر كذلك فعلاً وخرجت الإمارات تماماً من الملف اليمني، فإن المملكة العربية السعودية ستتحمل المسؤولية”.
وقد توجه بعض قادة المجلس الانتقالي إلى الرياض بعد الهجمات السعودية على المجلس وأعلنوا حل التنظيم، إلا أن قادة آخرين في المجلس رفضوا ذلك البيان ويواصلون محاولة حشد الدعم على الأرض في جنوب اليمن.
حالة من الإحباط الجماعي
قال صالح قاسم، وهو مواطن من سكان حي الشيخ عثمان في عدن ويبلغ من العمر 45 عاماً، للجزيرة إن “العهد السعودي” قد بدأ في عدن. وأضاف: “عدن تتعافى اليوم، وقد يكون ذلك الطريق نحو تعافي اليمن بأكمله”.
لكنه أضاف أنه على الرغم من أن المؤشرات الأولى واعدة، إلا أنها لا تزال فترة قاتمة بالنسبة للجنوبيين المؤيدين للاستقلال مثله. ويسعى المجلس الانتقالي ومؤيدوه إلى استعادة دولة اليمن الجنوبي السابقة، وهي دولة مستقلة كانت قائمة من عام 1967 حتى عام 1990 قبل اتحادها مع اليمن الشمالي لتشكيل الجمهورية اليمنية الموحدة.
ويشعر أنصار الانفصال بأن الجنوب قد حُرم من حقوقه في اليمن الموحد. وقد استغلوا الفرصة بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء وشمال غرب اليمن في عامي 2014 و2015، لفرض سيطرتهم الفعلية على عدن وأجزاء أخرى من جنوب اليمن.
وبدا أخيراً أن حلم الدولة المستقلة يلوح في الأفق، خاصة بدعم من الإمارات، ولكن جاء الهجوم المضاد المدعوم من السعودية من قبل الحكومة اليمنية، والآن، وفي غضون أسابيع، تحطم حلم الانفصال، على المدى القصير على الأقل.
وقال قاسم: “هذه هي اللحظة الأكثر إحباطاً للانفصاليين. لقد خسروا الأرض والسلاح والمقاتلين. أستطيع أن أرى حالة من الإحباط الجماعي بين الساعين للاستقلال في عدن”. وأضاف: “أنا أيضاً أطمح لرؤية الجنوب مستقلاً، ولكن من خلال الحوار لا القوة”.
وقد حاول المجلس الانتقالي إظهار دعمه في عدن من خلال مسيرات تقام كل يوم جمعة يحضرها الآلاف في ساحة العروض. وهناك، يرفع المتظاهرون علم الجنوب وصورة زعيم المجلس الانتقالي الفار، عيدروس الزبيدي، كما يرددون شعارات تطالب الانفصال ويتعهدون بمواصلة نضالهم، ويعبرون عن غضبهم من الدور السعودي. ومع ذلك، يرى الصحفي سلطان أن هذه المسيرات الحاشدة هي مجرد متنفس عاطفي لأنصار المجلس الانتقالي، ولن تتمكن في النهاية من استعادة النفوذ المفقود للمجموعة.
ويعتقد سلطان أن السلطات المحلية تغض الطرف عن التظاهرات كوسيلة للسماح لأنصار المجلس الانتقالي بتفريغ غضبهم. وقال: “في رأيي، هناك جهد متعمد للسماح للمتظاهرين الانفصاليين بالتنفيس عن إحباطاتهم تجاه التطورات الأخيرة، والتي كانت صاعقة بالنسبة لهم”.
ثلاثة تحديات
في 15 يناير/كانون الثاني، عين الرئيس رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي -السلطة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في اليمن- وزير الخارجية شائع محسن الزنداني رئيساً للوزراء.
وتجري المشاورات بشأن اختيار أعضاء الحكومة في الرياض. وبمجرد الانتهاء منها، من المتوقع أن تعود الحكومة إلى عدن لتمارس مهامها، وهي خطوة كبرى من شأنها أن تشير إلى أن الحكومة تسيطر حقاً على المدينة لأول مرة منذ سنوات.
ومع ذلك، تلوح التحديات في الأفق، حيث يرى المحلل السياسي اليمني صدام الحريبي في حديثه للجزيرة أن “مهندسي الفوضى في الداخل والخارج” لم يتخلوا عن أجندتهم في الجنوب، في إشارة إلى الإمارات والانفصاليين المسلحين.
وحدد الحريبي ثلاثة تحديات قد تواجهها الحكومة الجديدة في عدن: “أحد التهديدات الكبرى هو التفجيرات الإرهابية أو ذات الدوافع السياسية في عدن، والتي يمكن أن تحول المدينة سريعاً إلى ساحة للعزاء”.
وفي 21 يناير، انفجرت سيارة مفخخة أثناء مرور موكب قائد عسكري موالٍ للحكومة في عدن، مما أسفر عن مقتل خمسة جنود وإصابة ثلاثة آخرين، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
وقال الحريبي: “التحدي الآخر هو خطر أعمال الشغب المخطط لها؛ فقد يستغل المتظاهرون الحق في التجمع ويتحولون إلى العنف في عدن. مثل هذه الحوادث يمكن أن تندلع بشكل متقطع وتسلب المدينة هدوءها، مما يؤثر على قدرة الحكومة على أداء مهامها”. وأضاف أن التحدي الثالث هو “التنسيق السري المزعوم” للإمارات مع الانفصاليين في المدن الجنوبية لتقويض السعودية والحكومة اليمنية. وقال: “قالت الإمارات إنها انسحبت من اليمن، ولكن لا يوجد ضمان بأنها ستنفصل عنه تماماً”.
تحويل التركيز نحو الشمال
يعتقد المسؤولون اليمنيون اليوم أن استقرار عدن والدعم السعودي هما عاملان حاسمان للنجاح في تحويل التركيز نحو الشمال، حيث يهيمن الحوثيون منذ عقد من الزمان.
وقال نائب وزير الخارجية مصطفى نعمان في مقابلة أجريت معه مؤخراً إن السعودية “تعهدت بدفع رواتب الجيش الوطني والكتائب بالكامل… ورواتب موظفي الحكومة، بما في ذلك الدبلوماسيين”. وأضاف: “هذه هي الخطوة الأولى؛ فعلينا أولاً تأمين العاصمة في عدن، وعندما تستقر العاصمة وتعمل الخدمات إلى حد ما، تبدأ الحكومة في العمل من عدن”.
وقال إنه مع وجود كتلة سياسية وعسكرية موحدة في الجنوب، يجب أن ينتقل التركيز إلى عملية السلام ومواجهة الحوثيين المدعومين من إيران. ويعتقد نعمان أن الحوثيين ليسوا مستعدين لعملية السلام، لكنهم سيغيرون رأيهم عندما يرون الحكومة الجديدة تعمل في عدن وتؤدي دوراً إدارياً في الجنوب.
من جانبهم، قلل الحوثيون من أهمية التحركات السعودية الأخيرة في الجنوب، معتبرين أن السعودية تضع مصالحها أولاً، وليس مصلحة اليمن.
وفي خطاب بث في 23 يناير/كانون الثاني، قال عبد الملك الحوثي، زعيم حركة الحوثيين: “إن السعودي -حتى في هذه المرحلة- لا يهمه لا الوحدة ولا الانفصال [في اليمن]. ما يهمه هو السيطرة الكاملة والاحتلال والهيمنة على الشعب اليمني”.
وقد سيطر الحوثيون على صنعاء في عام 2014 ثم أطاحوا بالحكومة اليمنية في صنعاء عام 2015، مما فجر صراعاً لا يزال دون حل حتى اليوم. وقد تمكنوا من البقاء في السلطة رغم سنوات من الغارات الجوية للتحالف الذي تقوده السعودية، تلتها هجمات جوية منذ عام 2023 من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل.
وقال محمد، وهو قائد ميداني حوثي، للجزيرة إنه لا يرى فرقاً بين الإمارات والسعودية في عدن. وأضاف: “كلاهما محتلان. والخدمات الجيدة التي يقدمونها للناس ليست مستدامة، لذا فمن السذاجة الاحتفال بهدايا يقدمها محتلك”.
المصدر: Al Jazeera English




