لماذا تراهن مصر على الشراكة الأمنية مع السعودية الآن؟

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور
على الرغم من علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، يبدو أن مصر تميل نحو تعزيز تحالفها مع المملكة العربية السعودية في ظل الخلاف القائم بين الرياض وأبوظبي بشأن اليمن وقضايا إقليمية أخرى. وتتفق القاهرة مع الرؤية السعودية التي ترى في التوجهات الإماراتية محاولة لتقويض السلامة الإقليمية والسيادة في اليمن والسودان ومناطق أخرى. ومن منظور القاهرة، فإن النهج الإماراتي ينطوي على مخاطر تغذية حالة عدم الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، مما قد يؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة الدولية عبر قناة السويس، التي تعتمد عليها مصر كمصدر حيوي للعملة الصعبة من رسوم العبور. كما تشير بعض التقارير إلى أن مصر تشعر بعدم الارتياح تجاه علاقة الإمارات الوثيقة مع إسرائيل وبعض مواقفها الإقليمية الأخرى.
حماية شريان حياة حيوي
في اليمن، قدمت مصر دعماً عسكرياً محدوداً للتحالف العربي الذي قادته السعودية عام 2015 لهزيمة المتمردين الحوثيين (المعروفين أيضاً باسم أنصار الله) الذين سيطروا على صنعاء. وسعت القاهرة حينها إلى تجنب تكرار تجربتها المريرة في اليمن خلال الستينيات، عندما غرفت في أتون حرب أهلية استنزفت قواها لعقد من الزمن. ومع ذلك، شاركت مصر السعودية رغبتها في صد الهجوم الحوثي؛ إذ لم ترد القاهرة للصراع اليمني أن يعطل الملاحة الدولية في مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يمثل مدخلاً للبحر الأحمر وقناة السويس. كما لم ترغب مصر في أن تؤدي المساعدات العسكرية الإيرانية للحوثيين إلى تمكين طهران من إيجاد موطئ قدم لها في اليمن.
لقد استمرت الحرب الأهلية الحالية في اليمن لفترة أطول بكثير مما توقعته السعودية، مما دفع المملكة في نهاية المطاف إلى إدراك تعثر تدخلها العسكري والبدء في البحث عن حل سياسي للصراع. وبدورها، أرادت مصر إنهاء النزاع اليمني، إلا أن دعم الإمارات لقوات “المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي ومحاولتها السيطرة على عدة موانئ في جنوب اليمن تعارض مع أهداف مصر المتمثلة في التوصل إلى تسوية دبلوماسية والحفاظ على وحدة الدولة اليمنية. وقد أثارت رغبة الإمارات في السيطرة على الممرات البحرية في هذه المنطقة مخاوف مصرية من زعزعة الاستقرار في تلك المياه الحيوية.
إن عدم الاستقرار في اليمن يقلق القاهرة لأسباب اقتصادية وجيواستراتيجية؛ فبعد شهر من اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، بدأ الحوثيون في مهاجمة السفن في البحر الأحمر تعبيراً عن تضامنهم مع الفلسطينيين. ورغم زعم الحوثيين أنهم يستهدفون فقط السفن المملوكة لإسرائيل أو المتجهة إلى ميناء إيلات، إلا أن الجماعة ضربت سفناً أخرى أيضاً. ودفعت هذه الهجمات العديد من شركات الشحن الدولية الكبرى إلى تغيير مسار سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول جنوب أفريقيا، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة. وأفادت مصر أن الدولة فقدت في عام 2024 نحو 7 مليارات دولار من إيراداتها بسبب تغيير مسار السفن عن قناة السويس، وهو انخفاض حاد مقارنة بـ 9.4 مليار دولار جنتها مصر من رسوم القناة في عام 2022-2023.
ومنذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2025، أوقف الحوثيون هجماتهم على السفن، وبدأت القاهرة في تعويض بعض خسائرها عبر استقطاب شركات الشحن للعودة إلى مسار قناة السويس، مقدمةً لها حوافز مالية. ولأسباب لوجستية، سيستغرق تغيير المسار بعض الوقت، وآخر ما تريده القاهرة في هذه الأثناء هو عودة العنف وعدم الاستقرار إلى البحر الأحمر وخليج عدن.
توافق الرؤى مع الرياض بشأن السودان
لا يقتصر توافق الرؤى بين مصر والسعودية على اليمن فحسب، ففي الحرب الأهلية السودانية، اصطفت الدولتان إلى جانب الحكومة التي يقودها قائد القوات المسلحة السودانية الفريق أول عبد الفتاح البرهان ضد محمد حمدان دقلو (المعروف بحميدتي) وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات. ورغم تعاون الإسلاميين مع تحالف البرهان، ومعارضة النظام المصري الشديدة للمنظمات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن القاهرة ترى في احتمال تفكك الدولة السودانية تهديداً أكثر خطورة. وترتبط مصر بعلاقة طويلة مع الجيش السوداني النظامي وتحرص على إبقاء هذه العلاقات ودية، كما تحتاج إلى وقوف الحكومة السودانية بجانبها في نزاعها الطويل مع إثيوبيا حول سد النهضة، الذي بدأ يؤثر سلباً على تدفق مياه النيل الضرورية لاحتياجات مصر.
وبينما أدى دعم مصر والسعودية لأحد طرفي الحرب الأهلية السودانية إلى إطالة أمد معاناة البلاد، يبدو أن مواقفهما قد شهدت تحولاً في الأشهر الأخيرة. ففي نوفمبر 2025، زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واشنطن، تزامناً مع أنباء عن فظائع جديدة ارتكبتها وحدات من قوات الدعم السريع في الفاشر بإقليم دارفور. وربما بدعم مصري، دعا ولي العهد إلى إنهاء الأزمة السودانية وطلب مساعدة الرئيس دونالد ترامب في ذلك. وفي المقابل، بدت الإمارات — التي نفت مراراً أي تورط لها مع قوات الدعم السريع — غير مهتمة بالتوصل إلى حل تفاوضي.
معارضة الجهود الإسرائيلية الإماراتية في “أرض الصومال”
نقطة تباين أخرى بين السعودية ومصر من جهة والإمارات من جهة أخرى تكمن في قضية “أرض الصومال”؛ إذ عارضت الدولتان اعتراف إسرائيل في ديسمبر 2025 بالدولة الانفصالية التي بنت فيها الإمارات حضوراً لها. ومن وجهة نظر مصر والسعودية، ليس للإسرائيليين شأن بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة مسلمة، خاصة تلك التي تدعم خليج عدن الاستراتيجي. وكانت الإمارات قد زودت “أرض الصومال” باستثمارات وتدريبات عسكرية مع ترسيخ وجودها العسكري في ميناء بربرة، وهي استراتيجية تبدو صدى لنهج أبوظبي في جنوب اليمن. وعندما اعترفت إسرائيل بـ “أرض الصومال”، بدا الأمر وكأن الإمارات وإسرائيل تنسقان لجعل الدولة الانفصالية كياناً قابلاً للحياة. ورداً على ذلك، قطع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود جميع الاتفاقيات مع الإمارات، معلناً تعزيز التعاون الاستراتيجي بشأن أمن البحر الأحمر وتعميق التعاون العسكري مع الرياض والقاهرة.
الإمارات كحالة استثنائية تجاه إسرائيل وفلسطين
زادت مصر، وهي أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، من تعاونها الاقتصادي مع تل أبيب في السنوات الأخيرة من خلال صفقات غاز طبيعي ضخمة. ومع ذلك، يسود الجمود العلاقة السياسية بين القاهرة وحكومة نتنياهو بسبب غزة والقضية الفلسطينية الأوسع، حتى بعد وقف إطلاق النار. فإسرائيل لم تفتح بعد معبر رفح في جنوب قطاع غزة وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، مما يعيق تدفق الإمدادات الإنسانية، كما لم توقف هجماتها العسكرية التي خلفت مئات الضحايا منذ بدء الهدنة. ويرجح أن مصر ترى في حكومة نتنياهو طرفاً غير راغب في السماح لإدارة تقنية (تكنوقراط) فلسطينية بإدارة غزة تحت إشراف أمريكي، كما تدعو خطة ترامب للسلام. وبدورها، ورغم تعاونها السابق خلف الكواليس مع إسرائيل في قضايا مثل إيران، تشعر السعودية بالقلق تجاه سياسات حكومة نتنياهو تجاه الفلسطينيين؛ ولهذا السبب وأسباب أخرى، لم تنضم الرياض إلى ما يسمى بـ “اتفاقيات أبراهام” رغم مساعي ترامب.
وعلى النقيض من ذلك، أقامت الإمارات علاقات وثيقة مع إسرائيل، وتبدو الدولة العربية الأقل انتقاداً للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية منذ بدء الحرب. ورغم انتقادات الدبلوماسيين الإماراتيين لإسرائيل أحياناً في الأمم المتحدة، إلا أن التصور السائد في المنطقة هو أن الإمارات كانت متساهلة للغاية مع نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، وطورت تحالفاً استراتيجياً مكّن إسرائيل من تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة. وبينما تتعامل القاهرة والرياض بواقعية مع قوة إسرائيل، فإنهما لا تريان مبرراً لتماشي أبوظبي مع المخططات الإسرائيلية.
اجتماع هام في القاهرة…
لهذه الأسباب وغيرها، تشهد العلاقات المصرية السعودية تحسناً، وهو ما تجلى في زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان للقاهرة في 5 يناير 2026، حيث التقى بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ووفقاً للبيان المصري، فإن البلدين يحملان مواقف “متطابقة” بشأن التوصل إلى حلول سلمية لأزمات المنطقة، مع التأكيد على ضرورة أن “تحافظ الحلول على وحدة وسيادة وسلامة أراضي الدول”، مع الإشارة خصيصاً إلى “أرض الصومال” والسودان واليمن. ورغم أن البيان لم يذكر الإمارات بالاسم، فمن المرجح أن مصر والسعودية أرادتا توجيه انتقاد مبطن لدعم أبوظبي للحركات المتمردة والدول الانفصالية.
تحافظ القاهرة على روابط اقتصادية مهمة مع الإمارات؛ حيث أظهرت بيانات حديثة أن التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بنسبة 77% ليصل إلى 4.8 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، كما بلغت تحويلات المصريين العاملين في الإمارات 1.8 مليار دولار في العام المالي 2023/2024. ومع ذلك، تبدو مصر مستعدة للمخاطرة بإثارة غضب الإمارات عبر الوقوف بجانب السعودية في هذه النزاعات الإقليمية. وقد يعود جزء من حسابات مصر إلى أنه رغم ضخامة التجارة والاستثمارات الإماراتية، فإن روابطها الاقتصادية مع السعودية أكثر أهمية؛ ففي عام 2024، وصل التبادل التجاري بين مصر والسعودية إلى ما يقرب من 16 مليار دولار، بزيادة قدرها 29% عن العام السابق، كما نمت الاستثمارات السعودية في مصر إلى نحو 35 مليار دولار في عام 2025. وتأمل مصر ربما في استمرار زيادة هذه الأرقام مع تقاربها أكثر مع السعودية. وكانت تقارير في سبتمبر 2025 قد أشارت إلى اتفاق مصر والسعودية على تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية البحر الأحمر، لتجنب الارتباط بالإجراءات الأمنية الغربية في المنطقة. ورغم عدم اليقين بشأن تنفيذ هذه القوة، إلا أن الإعلان يعكس تنامي الروابط بين البلدين.
… واجتماع هام آخر في دافوس
في 21 يناير 2026، عقد ترامب والسيسي اجتماعاً ثنائياً في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث أعرب السيسي عن تقديره لعرض ترامب المساعدة في الوساطة في نزاع مصر مع إثيوبيا بشأن سد النهضة. وقد يأمل السيسي في أن يتدخل الأمير محمد بن سلمان إلى جانب ترامب لصالح مصر، مما يمثل ميزة إضافية لتعاون القاهرة الأمني المعزز مع الرياض. وبينما يمثل تأمين إيرادات قناة السويس أولوية للقاهرة، فإن ضمان عدم تأثير سد النهضة سلباً على تدفقات المياه قد يكون أكثر أهمية بالنظر إلى احتياجات مصر المائية المتزايدة ونموها السكاني.
المصدر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات في واشنطن العاصمة




