مواجهة محور الانفصاليين.. حين يضيق الحزام الأمني السعودي بمغامرات “الجار الصغير”
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
المصدر: واشنطن بوست/ عدد 22/1/2026 الصفحة 14
أدى التنافس الذي طال أمده بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والذي تفجر في جنوب اليمن خلال الأسابيع الأخيرة، إلى تحول دراماتيكي في ميزان القوى الإقليمي، وبات يهدد بزعزعة استقرار دول هشة أخرى تخضع لنفوذ البلدين.
وتدخلت السعودية، التي تدعم الحكومة المعترف بها دولياً في اليمن، الشهر الماضي بعدما اجتاح الانفصاليون المدعومون من الإمارات مناطق حيوية وسيطروا عليها، حيث استهدفت الرياض المقاتلين وشحنة إماراتية قالت إنها تحتوي على أسلحة موجهة للمجموعة. وسرعان ما سحبت الإمارات قواتها، كما حل المجلس القيادي للانفصاليين نفسه على الفور.
لكن هذا الشرخ بين الملكيتين النفطيتين بدأ يلقي بظلاله إلى ما وراء الحدود اليمنية؛ إذ تعمل السعودية، التي أثار قلقها ما تراه تحركات عسكرية وسياسية هجومية من جارتها الأصغر مساحة، على التصدي لشبكة النفوذ العميقة التي أمضت أبوظبي سنوات في بنائها في القرن الأفريقي وحول البحر الأحمر.
وقال دبلوماسي سعودي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة هذا الموضوع الحساس، إن توسع النفوذ الإماراتي في هذه المنطقة “يتعارض مع رؤية السعودية لهذه المناطق باعتبارها جزءاً من حزامها الأمني الاستراتيجي”، مؤكداً أن الرياض عازمة على رسم “خطوط حمراء”.
وهذا الموقف السعودي الحازم والمفاجئ دفع دول المنطقة لمحاولة التعامل مع هذا الانقسام. فعلى مدار سنوات، عملت السعودية والإمارات جنباً إلى جنب لدعم أنظمة أخرى في خضم انتفاضات الربيع العربي، ووحدتا جهودهما لمواجهة الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.
تعزيز تحالفات
ومع ذلك، عملت السعودية في الأيام الأخيرة على تعزيز تحالفات أخرى لتحجيم منافستها، وتجري حالياً محادثات مع كل من مصر والصومال لتوسيع التعاون الأمني بين الدول الثلاث، وفقاً لمسؤول أمني صومالي رفيع. كما أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية إلغاء اتفاقياتها الدفاعية مع الإمارات، التي تدير موانئ تجارية وقواعد عسكرية في ثلاث مناطق على الأقل — هي صوماليلاند وبونتلاند وجوبالاند — حيث تفتقر حكومة مقديشو إلى الحضور أو التأثير الفعلي.
في الوقت ذاته، أظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن الرحلات القادمة من الإمارات — والتي يقول محللون إنها من المرجح أن تحمل إمدادات لوكلاء أبوظبي في أماكن مثل تشاد وليبيا والسودان — قد تم تغيير مسارها مؤخراً لتجنب الأجواء المصرية والسعودية والصومالية.
وعلق ليام كار، رئيس فريق أفريقيا في مشروع التهديدات الحرجة بمعهد “إنتربرايز” الأمريكي، على المواقف الإماراتية والسعودية قائلاً: “هذا التحول الجذري هائل”.
وأوضح كار أنه في أواخر ديسمبر، بدا أن الإمارات وحلفاءها في اليمن سيسيطرون على جانبي مضيق باب المندب — الممر المائي الضيق والحيوي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن — بالإضافة إلى خليج عدن نفسه. لكن مع إمساك السعودية بزمام الأمور، أضاف كار: “الآن، يبدو أن العكس هو الذي قد يتحقق”.
وعند التواصل مع وزارة الخارجية الإماراتية للتعليق، لم ترد بشكل مباشر على الأسئلة المتعلقة بالتوترات مع السعودية. كما لم تستجب وزارة الإعلام في الرياض أو المتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن لطلبات التعليق، بينما رفض مسؤولون كبار آخرون التعليق أو لم يردوا.
وفي الإمارات، صوّر محللون ومعلقون الإجراءات السعودية الأخيرة على أنها ناتجة عما أسموه “عقدة الأخ الأكبر” — وهو شعور بالتأخر عن الركب بينما تلعب جارتها، ذات المساحة والسكان الأقل، دوراً يفوق حجمها في المنطقة وخارجها.
ففي عام 2022 على سبيل المثال، تجاوزت الإمارات الصين كأكبر مستثمر في أفريقيا، وفقاً لـ “إف دي آي ماركتس” (fdi Markets)، وهي منصة عالمية لمراقبة الاستثمار تابعة لصحيفة “فاينانشال تايمز”. وتتراوح هذه الاستثمارات بين تشغيل الموانئ التجارية في الصومال وجيبوتي والمشاريع الزراعية في إثيوبيا وكينيا وأوغندا، المصممة لتأمين واردات الغذاء الإماراتية.
وقال الأكاديمي الإماراتي البارز عبد الخالق عبد الله: “السعوديون يرون في الإمارات تحدياً لزعامتهم في الخليج، وربما هو التحدي الوحيد حالياً، وتحدياً ذا مصداقية عندما يتعلق الأمر بالمنطقة ككل”.
وأضاف أن السعودية شعرت على الأرجح بوجوب “القيام بشيء ما، وربما كانت حضرموت هي نقطة البداية”، في إشارة إلى المنطقة الغنية بالنفط في اليمن التي كانت بؤرة الاشتباكات الأخيرة.

“صدع كامل”
النزاعات بين السعودية والإمارات حول كل شيء، من الحدود الأرضية إلى إنتاج النفط، ليست جديدة، بل كانت تطفو على السطح بشكل دوري منذ تأسيس الإمارات كحمية بريطانية سابقة عام 1971.
لكن في عام 2014، عندما برز ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كلاعب قوي في السياسة الملكية السعودية، رأى فيه الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان “نسخة شابة من نفسه”، وفقاً لكريستيان كوتس أولريكسن، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد “بايبر”. وأضاف أولريكسن أن الزعيمين أصبحا مقربين خلال السنوات القليلة التالية وبديا وكأنهما “يعيدان تشكيل الخليج”.
وكان التحالف لدعم المقاتلين في مواجهة الحوثيين — الذين سيطروا على العاصمة اليمنية صنعاء في 2014 ويحكمون الآن أجزاء واسعة من الشمال الغربي — ربما كان العلامة الأبرز على هذه الشراكة الناشئة. لكن سرعان ما أدت المصالح والاستراتيجيات والأهداف المتباينة إلى خلق تصدعات جديدة بين الطرفين.
فالسعودية، بدعمها للحكومة المعترف بها دولياً، سعت للحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية. أما الإمارات، التي ترى في الإسلام السياسي تهديداً وجودياً، فقد ركزت جهودها على مواجهة الفصائل الإسلامية في البلاد، بما في ذلك تلك المنضوية تحت لواء التحالف المناهض للحوثيين.
ونتيجة لذلك، انتهى المطاف بالإمارات بتمويل وتسليح وتعزيز القوات الانفصالية في جنوب اليمن، مما ساهم في عام 2017 بتشكيل “المجلس الانتقالي الجنوبي” برئاسة عيدروس الزبيدي، الانفصالي المخضرم ومحافظ عدن السابق.
ومع وجود مقاتلين موالين لها، بدأت الإمارات في توسيع بصمتها عبر بناء مدارج طائرات ونقاط عسكرية وبنية تحتية أخرى في مدن ساحلية أو جزر قبالة الساحل، أحياناً دون موافقة الحكومة المدعومة سعودياً، مما منحها ميزة استراتيجية هائلة على طول بعض من أهم الممرات البحرية في العالم.
وهو نمط كررته الإمارات في دول مثل ليبيا والسودان، حيث تتحالف مع فاعلين من غير الدول، مما يمكنها من كسب موطئ قدم للاستثمار والموارد والأمن والنفوذ السياسي، وهو ما يتعارض مع النهج السعودي الأكثر محافظة والمتمثل في دعم الحكومات التقليدية.
وأوضح الدبلوماسي السعودي أن “النهج الإماراتي، من وجهة النظر السعودية، يخلق مراكز نفوذ خارج إطار الدولة، مما قد يضعف دول البحر الأحمر ويساهم في تفتتها”.
ووصف أندرياس كريج، الأستاذ المساعد في مدرسة الدراسات الأمنية بكينجز كوليدج لندن، الشبكة الإقليمية للإمارات بأنها “محور الانفصاليين”. وأضاف: “أبوظبي تشعر بالارتياح في العمل تحت سقف العمل الدبلوماسي الرسمي، حيث تبني نفوذها عبر شبكة من الأذرع التجارية، والوصول اللوجستي، والمساعدات الأمنية، والوسطاء، والشركاء المسلحين المحليين”.
بيد أن التقدم السريع للمجلس الانتقالي في محافظتي المهرة وحضرموت جعل قواته على مقربة من الحدود اليمنية الطويلة مع السعودية. وقد دفع هذا التحرك السعودية إلى كبح مكاسب المجلس الانتقالي والتصدي علناً للدور الإماراتي، رغم أن مسؤولاً إماراتياً وصف الاتهام بأن أبوظبي هي من وجهت هذا التقدم بأنه “عارٍ تماماً عن الصحة”.
-
زلزال أمني في عدن…مطالبات واسعة باقتلاع الميليشيات وإسناد ملف المدينة لقوات وطنية موحدة
-
“الخيانة العظمى” ونهب مقدرات اليمن.. تفاصيل نتائج التحقيق الأولية “في جرائم” عيدروس الزبيدي
-
من سطوة السلاح إلى التنافس السياسي… كيف يعيد لقاء الرياض تشكيل السياسة جنوبي اليمن؟
-
إسرائيل قلقة من تشكيل “ناتو إسلامي” بقيادة السعودية في البحر الأحمر
الإماراتيون تلاشوا تماماً في يومين
ووصف خالد اليماني، وزير الخارجية اليمني السابق، النتيجة بأنها “تصدع كامل” في العلاقة السعودية الإماراتية في اليمن، قائلاً: “كان فك الارتباط الإماراتي صادماً حقاً؛ ففي غضون يومين، تلاشوا تماماً”.
وأضاف اليماني أنه في أعقاب الانسحاب مباشرة، بدا أن الإمارات تمتنع عن الانخراط في أي جهود دبلوماسية، حتى مع استدعاء بعض قادة المجلس الانتقالي إلى الرياض واتهام أعضاء في المجموعة للسعودية باحتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي. وتابع اليماني أن الإماراتيين يرسلون على ما يبدو رسالة للسعودية مفادها: “هذه مشكلتكم الآن؛ فلتتعاملوا معها”.
كما اتهمت الرياض الإمارات بتهريب الزبيدي، الذي اتهمته الحكومة بالخيانة، خارج اليمن وإلى صوماليلاند عبر مقديشو في 7 يناير. وقال كار إن تحرك الزبيدي المزعوم عبر الأراضي الصومالية هو جزء من نمط أوسع تراه الحكومة في مقديشو كانتهاكات إماراتية لأراضي البلاد.
وتدير أبوظبي ميناءً في المياه العميقة ومطاراً ملحقاً به في بربرة بصوماليلاند، وهي منطقة انفصالية شمال الصومال. وفي بونتلاند المجاورة، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، استثمرت الإمارات في ميناء وبنت قاعدة عسكرية في بوصاصو، الواقعة على الساحل الجنوبي لخليج عدن.
ويقول محللون إن قاعدة بوصاصو تعد مركزاً لوجستياً رئيسياً للإمارات، وتضم حظيرة للطائرات المسيرة المستخدمة في الضربات الإماراتية ضد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في بونتلاند. كما استقبلت بوصاصو سابقاً عدة طائرات شحن من طراز “إليوشين إل-76” (IL-76) متجهة من أو إلى الإمارات، لكن هذه الرحلات توقفت في الأسابيع الأخيرة، وفقاً لبيانات الطيران.
وقال جاستن لينش، المدير العام لشركة “كونفليكت إنسايتس جروب” للبحث والتحليل: “نعلم أن بعض الطائرات التي تهبط في بوصاصو تقدم الدعم والإمدادات لمقاتلي قوات الدعم السريع في السودان”، وهي جماعة شبه عسكرية تقاتل الجيش السوداني.
وترتبط الإمارات بعلاقة طويلة الأمد مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، الذي أرسل آلاف المرتزقة للقتال في الجانب المدعوم إماراتياً في اليمن. كما استثمرت الإمارات سابقاً في تعدين الذهب السوداني ومشاريع زراعية كبرى، وأبرمت صفقة بقيمة 6 مليارات دولار لتطوير ميناء في السودان قبل اندلاع الحرب الأهلية.
وقد نفت الإمارات تسليح قوات الدعم السريع رغم وجود أدلة توثق وجود أسلحة اشترتها الإمارات في مخازن الدعم السريع التي استولى عليها الجيش السوداني.
وقال الدبلوماسي السعودي إن المملكة مستعدة لاستخدام “كل الوسائل المتاحة” لتحجيم قوة قوات الدعم السريع.
ولكن حتى مع انتقال التنافس إلى خارج حدود اليمن، يرى البعض فوائد في وضوح البلدين بشأن حدودهما ونوع التدخل الذي يمكنهما التسامح معه في المناطق التي يريانها ضمن دائرة نفوذهما.
وقال بدر السيف، الأستاذ المساعد بجامعة الكويت والزميل المشارك في “تشاثام هاوس”: “إن توضيح الخطوط الحمراء من قبل جميع الأطراف أمر مهم. أرى على المدى الطويل وضوحاً في الأهداف”.
- نشر التقرير بعنوان “السعودية تسعى لتقويض نفوذ الإمارات في المنطقة”





