العودة التدريجية للسفن إلى البحر الأحمر تصل إلى مرحلة مفصلية
(بلومبرج) -ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
بعد أكثر من عامين من تجنب الملاحة في البحر الأحمر، بدأت كبرى شركات خطوط الحاويات العالمية في العودة التدريجية إلى هذا الممر الحيوي للتجارة بين الشرق والغرب، في إشارة إلى استعادة الثقة بأمان الملاحة فيه مرة أخرى.
وأعلنت شركة “إيه بي مولر-ميرسك” (A.P. Moller-Maersk) يوم الخميس عن إعادة توجيه إحدى خدماتها المنتظمة عبر قناة السويس، وهو ما يعكس ثقة متزايدة لدى ثاني أكبر ناقلة في العالم بتراجع مخاطر الهجمات المرتبطة بالنزاع في المنطقة. وكانت الرحلات تسلك سابقاً طريقاً حول جنوب أفريقيا، بعد أن استهدف الحوثيون المتمركزون في اليمن السفن المارة احتجاجاً على الحرب الإسرائيلية في غزة.
وفي هذا السياق، قال لارس جينسن، الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوتشي ماريتايم” (Vespucci Maritime): “يبدو أن هذا مؤشر على احتمال بدء عودة أوسع للنشاط الطبيعي بعد رأس السنة الصينية”، في إشارة إلى العطلة التي تحل في النصف الثاني من فبراير هذا العام، مضيفاً أن “الشركات الأخرى ستلاحظ ذلك، ومن المرجح أن تبدأ في التخطيط لعودتها الخاصة”.
ورغم أن المسافات الأقصر تساعد في سلاسة تدفق التجارة العالمية، إلا أنها تزيد فعلياً من قدرة النقل البحري لأن السفن تحتاج إلى وقت أقل لتسليم شحناتها، مما قد يضغط على أسعار الشحن الفوري (spot rates) وإيرادات شركات الشحن. ووفقاً لبيانات من شركة “كلاركسون ريسيرش سيرفيسز” (Clarkson Research Services)، فقد عبرت المنطقة تجارة بقيمة تتجاوز تريليوني دولار على متن السفن خلال عام 2023.
البحر الأحمر.. عنق زجاجة رئيسي للتجارة العالمية
وبحسب مذكرة إرشادية، ستخضع خدمة “ميرسك” التي تربط الهند والإمارات العربية المتحدة بالساحل الشرقي للولايات المتحدة وساحل الخليج لـ “تغيير هيكلي”. وبدأ هذا التحول مع مغادرة سفينة متجهة غرباً من ميناء جبل علي في دبي يوم الخميس، بينما غادرت أول سفينة في رحلة العودة شرقاً عبر السويس من “سافانا” بولاية جورجيا في وقت سابق من هذا الأسبوع.
ووصف ميرسك هذه الخطوة بأنها “محطة فارقة”، مشيرة في الوقت ذاته إلى وجود خطة طوارئ “في حال تدهور الوضع الأمني”، حيث سيكون الإبحار حول رأس الرجاء الصالح ضرورياً لضمان سلامة الأطقم.
ويأتي الضوء الأخضر من الشركة التي تتخذ من كوبنهاجن مقراً لها لمسار كامل بعد رحلتين فرديتين وتحركات مماثلة من قبل المنافسين. ووفقاً لشركة “دروري لاستشارات الشحن” (Drewry Shipping Consultants)، عبرت مؤخراً خمس سفن تابعة لشركتي “إم إس سي” (MSC) و”سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM) قناة السويس.
وتعد شركة “إم إس سي”، ومقرها جنيف، أكبر ناقلة في العالم، بينما تحتل “سي إم إيه سي جي إم” المرتبة الثالثة. ولم يستجب المتحدثون باسم الشركتين، المملوكتين للقطاع الخاص، على الفور لطلبات التعليق. وبحسب إحصائيات “ألفالاينر” (Alphaliner)، تستحوذ الشركات الثلاث الكبرى معاً على نحو 48% من القدرة العالمية.
“نقطة تحول”
من جانبه، صرح بيتر ساند، كبير المحللين في “زينيت” (Xeneta)، وهي منصة رقمية للشحن في أوسلو، قائلاً: “كانت ميرسك عموماً الأكثر حذراً وتجنباً للمخاطر بين الشركات الكبرى فيما يتعلق بالعودة إلى البحر الأحمر، لذا فإن هذا يمثل نقطة تحول”. وأردف: “الخدمات التي أعلنت ميرسك عن إعادتها لقناة السويس تخص سفناً أصغر تعمل خارج تحالفات، لكن حقيقة أن ميرسك هي من اتخذت هذه الخطوة تعتبر أمراً بالغ الأهمية”.
وفي الأسبوع المنتهي يوم الأحد، عبرت 26 سفينة حاويات القناة المصرية، وهو أعلى مستوى في خمسة أسابيع، ارتفاعاً من 10 سفن في الأسبوع السابق، لكنه لا يزال أقل بكثير من المتوسط الأسبوعي البالغ نحو 80 سفينة قبل بدء عمليات تحويل المسارات في أواخر عام 2023، وفقاً لمذكرة بحثية من “دروري”.
ومع ذلك، يحذر المحللون من أن إعادة تعديل كافة الجداول الزمنية لوضعها الطبيعي قد تستغرق عدة أشهر، وستعتمد بشكل أساسي على استقرار الوضع الأمني.
وقال يورغن ليان، محلل أبحاث الأسهم في “دي إن بي كارنيجي” (DNB Carnegie): “هذا يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن العودة الكاملة قد لا تكون وشيكة. الأمر كله يعتمد على النتائج المحققة، لأنه لا يزال مرهوناً بعدم اندلاع أعمال عدائية جديدة”.
خمسة أشهر
وقدر ساند أن استعادة جداول قناة السويس بالكامل قد تستغرق من ثلاثة إلى خمسة أشهر.
وأشارت شركات الشحن إلى أنها ستجري التحول تدريجياً لتجنب الازدحام في الموانئ الناتج عن تعديل الجداول، ولمنع الفائض في القدرة الاستيعابية من التسبب في هبوط أسعار الشحن الفوري إلى مستويات غير مربحة. كما أنها تخشى الإضرار بموثوقية خدماتها عبر تغيير المسار ثم اضطرارها لتغييره مجدداً إذا ساءت الأوضاع الأمنية.
وإضافة إلى ضغوط العرض، تضعف صورة الطلب بالنسبة للناقلات؛ إذ من المتوقع أن تتباطأ تجارة السلع العالمية هذا العام بعد عام قوي في 2025. وتوقعت مؤسسة “أكسفورد إيكونوميكس” يوم الخميس أن تنمو تجارة السلع العالمية بنسبة 1.7% هذا العام، وهو تباطؤ حاد مقارنة بنمو بنسبة 4.9% في عام 2025.
وكتب محللو النقل في “بلومبرغ إنتليجنس” (Bloomberg Intelligence) في مذكرة بحثية أن أسعار الشحن “كانت تتعرض بالفعل لضغوط بسبب ديناميكيات العرض والطلب الصعبة، وقد تتجه نحو مزيد من الانخفاض”.
يُذكر أن تحويل المسارات بعيداً عن البحر الأحمر، والذي استوعب نحو 7% من قدرة الحاويات العالمية، قد دعم أسعار الشحن وعزز أرباح الشركات على مدار العامين الماضيين.
وعلى صعيد التداولات، تراجعت أسهم ميرسك بأكثر من 5% يوم الخميس، بينما انخفضت أسهم شركة “هاباج لويد” (Hapag-Lloyd) الألمانية – شريك ميرسك في تحالف “جيمناي” (Gemini) – بنسبة تتجاوز 3%، وواصل السهمان تراجعهما يوم الجمعة.
وخلص محللو “كلاركسون سيكيوريتيز” (Clarksons Securities) في تعليقهم على إعلان ميرسك الأخير إلى أن: “تأثير القدرة الاستيعابية متواضع، لكن الإشارة ذات مغزى”. وأضافوا أن المخاطر الكامنة تظل قائمة نظراً لاحتمالية حدوث تغييرات في السياسات الإيرانية حول مضيق هرمز.



