بين ازدواجية الخطاب وتاريخ الممارسة: الحزب الاشتراكي اليمني والقضية الجنوبية

أصدر الحزب الاشتراكي اليمني بيانًا رحّب فيه بدعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي لعقد مؤتمر لمناقشة ومعالجة القضية الجنوبية، معتبرًا الخطوة تطورًا سياسيًا مهمًا في مسار البحث عن حلول عادلة، ومؤكدًا أن نجاح المؤتمر مرهون بتهيئة بيئة سياسية وأمنية مناسبة، والالتزام بالعمل السياسي السلمي، ونبذ الإقصاء والغطرسة والمخاتلة وأوهام الغلبة.
من حيث اللغة، يبدو البيان منسجمًا مع خطاب الدولة المدنية الحديثة، دولة المواطنة والحقوق، التي طالما قدّم الحزب الاشتراكي نفسه إعلاميًا بوصفه حامل مشروعها التاريخي. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في ما قيل، بل في الفجوة الواسعة بين الخطاب والممارسة، وبين ما تقوله الأمانة العامة للحزب، وما يمارسه فرعه الجنوبي وجناحه المسلح خلال السنوات الماضية.
استيقاظ متأخر على أنقاض مشروع فاشل
يأتي هذا البيان في لحظة سياسية كاشفة، بعد اهتزاز وانكشاف مشروع الانفصال الثاني الذي قاده المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي يمثّل عمليًا الجناح المسلح للواجهة السياسية لفرع الحزب الاشتراكي في الجنوب. هذا المشروع، الذي راهن على القوة والغلبة والدعم الخارجي، فشل في فرض نفسه في حضرموت والمهرة، لا شعبيًا ولا سياسيًا، رغم ما امتلكه من سلاح ونفوذ، وممارسات قمعية إجرامية لكل من يختلف معه.
وفي هذا التوقيت تحديدًا، استيقظ الخطاب الاشتراكي ليقدّم موعظة في التوافق، ونبذ الإقصاء، والعمل السياسي السلمي، وذم الغطرسة والمخاتلة وتضخم الذات. وهي أوصاف تنطبق، دون مواربة، على تجربة المجلس الانتقالي وممارساته منذ السيطرة على عدن، لا على خصومه.
تحالفات تنسف الخطاب وتناقض التاريخ
يتجاهل بيان الحزب، وهو يكرر إدانته لحرب 94، حقيقة منظورة لا يمكن القفز عليها، وهي أن الجناح المسلح للحزب الاشتراكي، المتمثل بالمجلس الانتقالي الجنوبي، يتحالف اليوم مع حزب المؤتمر الشعبي العام (سواء بانضمام عديد من قياداته الجنوبيين له أو بتحالفه مع قوات طارق صالح)، أي مع الحزب الذي قاد حرب 1994 ضد مشروع الانفصال الاشتراكي الأول، وهو ذاته الشريك الثاني في غزو الحوثيين لعدن عام 2015.
هذه الحقيقة وحدها كفيلة بنسف أي خطاب أخلاقي أو وطني يتحدث عن الحقوق والدولة، إذ لا يمكن لحزب أن يدّعي الدفاع عن الجنوب بينما يتحالف عسكريًا وسياسيًا مع من يتهمه بشن الحرب على الجنوب، ومن شارك في اجتياحه مع مليشيات الحوثي.
والأكثر مفارقة، أن الحزب الذي ظل لعقود يصف قوى بعينها بأنها «رجعية»، يجد نفسه اليوم، عبر المجلس الانتقالي، في تحالف مع حزب رابطة أبناء الجنوب العربي، الذي خاض ضده صراعًا فكريًا وسياسيًا طويلًا، ومع فصائل سلفية مسلحة تشكّل مكونًا رئيسيًا داخل بنية المجلس الانتقالي، ومع عديد شخصيات من تنظيم القاعدة وداعش، وهي فصائل لا تؤمن لا بالدولة المدنية ولا بالعمل السياسي السلمي الذي يتغنى به البيان.
هذه التحالفات لا تعبّر عن مراجعة فكرية حقيقية، بل عن انتهازية سياسية فرضتها الهزيمة والعجز عن الحضور الشعبي المستقل.
أسئلة لا يملك البيان شجاعة الإجابة عنها
إذا كان الحزب الاشتراكي صادقًا في دعوته للتوافق ونبذ الإقصاء، فثمة أسئلة بديهية تفرض نفسها:
من هي القوة السياسية التي امتلكت قوات مسلحة وأجهزة أمن وسجونًا خارج سلطة الدولة في عدن والجنوب، ومُوّلت إقليميًا، واستُخدمت لإسقاط حكومة شرعية برئاسة أحمد بن دغر؟
من هي القوة التي منعت رئيس الجمهورية وحكومته وقيادات الدولة من العودة إلى العاصمة المؤقتة؟
من هي القوة المدججة بالسلاح التي فرضت نفسها بالقوة، ومنعت الآخرين من العمل السياسي، وشيطنت خصومها باتهامات الإرهاب؟
من الذي سيطر على الموارد الاقتصادية، والموانئ، والمطارات، ومارس النهب والسطو على المال العام؟
من صادر النقابات وحوّلها إلى أدوات تخدم مشروعًا انفصاليًا؟
من أسقط العلم الوطني، ورفع أعلامًا حزبية، وسمّى زعيمه «الرئيس القائد»، وداس رموز الدولة؟
ومن أعلن إدارة انتقالية ودستورًا خاصًا، واستولى على القصر الرئاسي، وطرد الحراسة الرئاسية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف بوضوح من يمارس الإقصاء والغطرسة والمخاتلة، ومن يعاني تضخم الذات وأوهام الشعور بالقوة والغلبة، ويستلهم خيارات قوى خارجية لا خيارات الشعب.
ازدواجية البيانات… حزب بوجهين
من أخطر أزمات الحزب الاشتراكي اليوم ازدواجية الخطاب وتعدد مراكزه.
ففرعه الجنوبي يصدر بيانات تأييد صريحة لخطوات المجلس الانتقالي التصعيدية، بما فيها احتلال المدن والمحافظات المسالمة، إلى حد إسقاط كلمة «اليمني» من اسم الحزب في الجنوب، في تنكّر فاضح للهوية اليمنية التي يدّعي الحزب أنه ناضل لترسيخها.
في المقابل، ترفض الأمانة العامة المشاركة في بيانات تكتل القوى السياسية المؤيدة للشرعية والرافضة لانقلابات الانتقالي، ثم تصدر بيانًا منفصلًا، مرتبكًا وخجولًا، يرفض خطوات الانتقالي على استحياء ودون تسمية واضحة.
الأدهى أن وزير الحزب في الحكومة الشرعية يصدر مواقف تخدم الانتقالي، دون أي موقف تنظيمي أو مساءلة داخلية، في صمت يرقى إلى مستوى التواطؤ السياسي.
سجل لا يمكن تجاوزه
لا يمكن الحديث عن الدولة والمواطنة دون مواجهة سجل الحزب الاشتراكي في فترة حكمه لجنوب اليمن، حين احتكر السلطة والثروة، وصادر التعددية السياسية، وأدخل الجنوب في صراعات دموية بين أجنحته، انتهت بكارثة 13 يناير. استحضار هذا السجل ليس للتشفي، بل للتأكيد أن الخطاب الأخلاقي لا يكتسب شرعيته دون مراجعة صادقة للتاريخ.
القضية الجنوبية: قضية حقوق لا أداة ابتزاز
القضية الجنوبية قضية حقوقية عادلة، وقد جرى نقاشها بصورة موسعة، ووُضعت لها معالجات وحلول واضحة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، باعتباره الإطار الوطني الأوسع الذي شاركت فيه مختلف القوى السياسية والاجتماعية.
غير أن الخطورة تكمن في تحويل هذه القضية العادلة إلى أداة متاجرة سياسية، وهو ما دأب عليه الحزب الاشتراكي منذ خروجه من السلطة بعد حرب 1994، حين استُخدمت القضية كورقة ضغط وتحالفات، بدل التعامل معها ضمن مشروع وطني جامع يستند إلى ما أُنجز في الحوار الوطني.
خلاصة القول
لا يمكن لحزب:
جناحه المسلح متحالف مع من قاد حرب 1994،
ويتحالف مع الشريك الثاني لغزو الحوثيين لعدن،
ويغطي انقلاب المليشيات في الجنوب،
ويتحدث بلسانين وبيانين،
ويصمت عن انتهاكات فاضحة،
أن يكون وصيًا على القضية الجنوبية، أو ناطقًا باسم الدولة المدنية.
قد يمكن الكذب على بعض الناس بعض الوقت، أو على بعض الناس كل الوقت،
لكن من المستحيل الكذب على كل الناس كل الوقت.
والقضية الجنوبية، بوصفها قضية حقوق، أكبر من حزب مهزوم، وأسمى من مشروع مليشياوي، وأوسع من تحالفات تُدار خارج إرادة الناس.




