عشرية الخديعة واستراتيجية “الإرهاب الوظيفي”.. كيف أعادت الإمارات صياغة القاعدة كأداة نفوذ؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
بينما كانت طائرات “عاصفة الحزم” تملأ سماء اليمن في مارس 2015 تحت شعارات براقة مثل “إعادة الأمل” و”دعم الشرعية”، كانت هناك “غرف عمليات” أخرى في أبوظبي ترسم مساراً مغايراً تماماً. اليوم، وبعد مرور عقد كامل على ذلك التدخل (2015-2026)، لم يعد الحديث عن “أخطاء عسكرية” مجدياً، بل نحن أمام استراتيجية ممنهجة تُظهر كيف تحولت الإمارات من “محارب للإرهاب” إلى “مهندس لمساراته”، عبر شبكة معقدة من التمويل، والتمكين، والصفقات السرية التي جعلت من تنظيم القاعدة حليفاً “تحت الطاولة” لتقويض الدولة اليمنية.
يكشف هذا التقرير، الذي يتتبع دور الإمارات خلال عقد، كيف تحولت العمليات العسكرية المباشرة إلى شبكات معقدة من السجون السرية، وفضائح لتحويل مسار الأسلحة الغربية المتطورة لصالح ميليشيات سلفية وانفصالية، وصولاً إلى تمكين هذه الكيانات سياسياً في هرم السلطة الشرعية، فيما يبدو أنها استراتيجية “فوضى خلاقة” لتقويض السيادة اليمنية وتحقيق هيمنة جيوسياسية تنتهك القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
مسرحية المكلا: حينما تصبح “المغادرة” صفقة رابحة
في أبريل/نيسان 2016، احتفت الآلة الإعلامية لأبوظبي بما أسمته “تحرير المكلا” من تنظيم القاعدة. لكن الحقيقة التي وثقتها “أسوشيتد برس” لاحقاً كانت صادمة؛ فلم يكن هناك قتال حقيقي، بل “مراسم تسليم واستلام” جرت خلف الكواليس. برعاية إماراتية مباشرة، وبوساطة شخصيات مثيرة للجدل مثل طارق الفضلي، أُبرمت صفقة سمحت لمئات المقاتلين من التنظيم بالانسحاب بكامل عتادهم الثقيل، ونهب أكثر من 100 مليون دولار من البنك المركزي، في مشهد سريالي شهد إقامة “ولائم وداع” لقادة التنظيم قبل مغادرتهم المدينة تحت حماية الطيران الإماراتي.
إن هذا الانسحاب المنسق لم يكن مجرد تكتيك لتوفير الدماء، بل كان “إعادة تموضع” وظيفية؛ حيث سمحت القوات الإماراتية للأرتال العسكرية المحملة بصواريخ الكاتيوشا والمعدات المتطورة بالانتقال إلى مناطق جبلية وعرة في شبوة وأبين وإلى الصحراء قرب الحدود السعودية، لتظل “فزّاعة القاعدة” قائمة وقابلة للاستخدام عند الحاجة. لقد راقبت المقاتلات والمسيّرات الإماراتية هذه التحركات دون إطلاق رصاصة واحدة، مما يثبت أن الهدف لم يكن القضاء على التنظيم، بل الحفاظ عليه كأداة ضغط ميدانية تبرر استمرار التواجد العسكري الإماراتي وسيطرته على الموانئ الحيوية.
علاوة على ذلك، كشفت المصادر الأمنية والتحقيقات أن هذه التفاهمات لم تكن لمرة واحدة، بل تحولت إلى “بروتوكول عمل” تكرر في مديريات عزان والصعيد بشبوة. كانت الإمارات تدفع أموالاً طائلة للتنظيم مقابل إخلاء مواقع معينة ليحل محلها وكلاؤها المحليون، وهو ما أدى فعلياً إلى “استئجار الجغرافيا” من القاعدة بدلاً من انتزاعها. هذا التمويل غير المباشر منح التنظيم سيولة نقدية مكنته من الصمود لسنوات طويلة، وحوله من عدو إيديولوجي إلى “مقاول أمني” ينفذ انسحابات تكتيكية تخدم التوسع الإماراتي على خارطة النفط والغاز والموانئ.
ولم يتوقف الأمر عند الصفقات الميدانية، بل امتد ليشمل “دبلوماسية الفدية”؛ ففي عام 2023، دفعت الإمارات مبلغاً قُدر بـ 3 ملايين دولار لتنظيم القاعدة مقابل الإفراج عن مسؤول أممي، وهي العملية التي تمت عبر وسيط قبلي مرتبط بأبوظبي. هذه المبالغ الضخمة التي تضخها الإمارات في خزائن التنظيم تحت غطاء “الوساطات الإنسانية” تمثل في الحقيقة شريان حياة مالي يسمح للقاعدة بشراء الولاءات وتجنيد مقاتلين جدد، مما يجعل من أبوظبي الممول الأكبر -وإن كان غير مباشر- لاستمرار وجود التنظيم في شبه الجزيرة العربية ودفعه إلى حدود دول الجوار مهدداً الأمن القومي لها.

“تبييض التطرف”: دمج القاعدة في الهياكل الأمنية
لم تكن الصفقات مجرد “تأمين خروج”، بل كانت استراتيجية “استيعاب وتوظيف”. عمدت الإمارات إلى “تبييض” سجلات المئات من عناصر القاعدة السابقين عبر دمجهم في التشكيلات العسكرية الموازية للدولة، مثل قوات “الحزام الأمني” و”النخبة الشبوانية”. وأشار تحقيق فاز “بجائزة بوليتزر” إلى أن هذه القوات المحلية المدعومة من أبوظبي أصبحت الملاذ الجديد للعناصر المتطرفة، حيث تم رصد مقاتلين سابقين يقودون فصائل مسلحة تتلقى رواتبها وأسلحتها مباشرة من “غرفة عمليات أبوظبي” تحت مسمى “مكافحة الإرهاب”.
هذا النهج البراغماتي المتطرف أدى إلى خلق بيئة هجينة تداخلت فيها مصالح الميليشيات الانفصالية مع شبكات الإرهاب. وبحسب المصادر القبلية والأمنية فإن الإمارات وافقت ضمنياً على وجود ما بين 50 إلى 70 عنصراً من القاعدة ضمن كل 1000 مقاتل يتم تجنيدهم، بذريعة أنهم “مقاتلون استثنائيون” يمتلكون خبرات ميدانية لا تتوفر لدى المجندين الجدد. هذا التداخل العضوي وفر للقاعدة غطاءً لوجستياً ومالياً مريحاً، حيث أعاد التنظيم تنظيم صفوفه كـ “قوة نظامية” داخل مؤسسات يفترض أنها تحمي الأمن، مما قوض شرعية الدولة وأحلّ محلها “جيوش الظل”.
وتشير التقارير الأممية لخبراء مجلس الأمن (2019-2020) إلى أن استمرار هذا الدعم المالي والعسكري خلق بيئة خصبة لنمو اقتصاد الحرب، حيث تداخلت مصالح الميليشيات المدعومة إماراتياً مع شبكات تهريب السلاح والبشر التي تنشط فيها عناصر القاعدة وداعش. إن هذا “الاقتصاد الموازي” الذي ترعاه الإمارات سمح لعناصر القاعدة بالتحرك بحرية داخل الأجهزة الأمنية الموالية لأبوظبي، بل واستخدام آليات ومعدات إماراتية في تنفيذ عمليات تخدم أجندات محلية ضيقة. وبذلك، لم تعد القاعدة منظمة خارجة عن القانون في الجنوب، بل أصبحت “جزءاً من القانون الميليشياوي” المفروض بقوة السلاح الإماراتي.
إن تداعيات هذا الدمج تجاوزت الميدان العسكري لتضرب العمق المجتمعي؛ حيث أدى “تبييض” العناصر المتطرفة إلى تآكل الثقة الشعبية في مفهوم الأمن. أصبح المواطن اليمني يرى في الجندي التابع للحزام الأمني “وجهاً مقنعاً” لعناصر كانت بالأمس تذبح وتفجر، مما أضعف الحاضنة الشعبية للدولة وقوى في المقابل سردية الجماعات المتطرفة التي وجدت في الحماية الإماراتية فرصة ذهبية لإعادة التغلغل في النسيج الاجتماعي تحت غطاء “الدفاع عن الجنوب”.
هذا النهج المتطرف لم يهدف إلى القضاء على الإرهاب، بل إلى استخدامه كأداة ضغط سياسي وميداني لضمان ولاء المناطق الجنوبية لمشروع الانفصال الذي ترعاه الإمارات، وهو ما أدى إلى إضعاف الحكومة الشرعية وتآكل الثقة الدولية في جهود مكافحة التطرف في اليمن.

هندسة الرعب: سجون سرية ومرتزقة أمريكيون كأداة لتصفية الخصوم
بالتوازي مع تمكين المتطرفين، أنشأت الإمارات “أرخبيل تعذيب” يضم ما لا يقل عن 18 سجناً سرياً في مناطق نفوذها (مطار الريان، سجن بئر أحمد، وقاعدة عصب باريتريا). في هذه “الثقوب السوداء”، وثقت منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” أساليب تعذيب سادية تشمل “الشواية” والصعق بالكهرباء والاعتداءات الجنسية الممنهجة تحت إشراف ضباط إماراتيّين. لم يكن الهدف من هذه السجون انتزاع معلومات استخباراتية بقدر ما كان “كيّ الوعي” اليمني؛ حيث استهدف الاعتقال والتعذيب بشكل دقيق السياسيين والنشطاء والمصلحين الاجتماعيين الذين تمسكوا بسيادة اليمن ووحدته.
هذه المنظومة العقابية هدفت إلى خلق حالة من الشلل السياسي في المناطق المحررة، مما مكن الوكلاء المحليين من فرض سيطرتهم المطلقة دون معارضة داخلية مستندين إلى العلاقة المنتظمة مع التنظيمات الإرهابية، إن تدمير المنظومة القضائية اليمنية واستبدالها بمحاكم عسكرية سرية وفر الحماية اللازمة لمرتكبي هذه الانتهاكات، وضمن بقاء هذه القوات فوق القانون وتحت الحماية المباشرة لقوى إقليمية تلاعبت بمصير البلاد.
ولعل الفضيحة المدوية التي تكشفت خيوطها في عام 2024، تمثلت في اعتراف مرتزقة أمريكيين من شركة (Spear Operations Group) بأن أبوظبي تعاقدت معهم رسمياً لتنفيذ “قائمة تصفيات” تضم أكثر من 100 شخصية يمنية. المثير للدهشة في هذه الاعترافات أن الاستخبارات الإماراتية منحت المرتزقة بطاقات تعريفية تزعم أن الضحايا (ومن بينهم البرلماني أنصاف مايو) هم “قيادات في تنظيم القاعدة”، وذلك لشرعنة اغتيالهم دولياً. هذه “الهندسة العميقة للقتل” تكشف كيف استخدمت الإمارات “ملف الإرهاب” كمظلة لإبادة النخبة السياسية والمدنية في الجنوب.
وفي محاولة للتغطية على هذه الجرائم، كشفت وثائق حصل عليها “يمن مونيتور” في2020 أن الإمارات دفعت مبالغ تصل إلى 18 مليون دولار لإغلاق قضايا ملاحقة قانونية في بريطانيا والولايات المتحدة رفعها ضحايا يمنيون. هذا “المال السياسي” لم يُستخدم لتعويض الضحايا، بل لشراء الصمت الدولي ومنع وصول ملف السجون السرية والاغتيالات إلى المحاكم الدولية، مما يؤكد أن الإمارات كانت تدرك تماماً الطبيعة الإجرامية لعملياتها في اليمن وتعمل جاهدة على إبقاء “الصندوق الأسود” لانتهاكاتها مغلقاً أمام العدالة. ورغم نفي شركة المحاماة التي وكلها صحفي يمني ومسؤولين آخرين إلا أن القضية لم تتحرك منذ ذلك الوقت.
إن استقدام المرتزقة الأجانب وتدريب فرق اغتيالات محلية تحت إشراف ضباط إماراتيين حول مدن مثل عدن إلى “مسارح للقتل اليومي” بين عامي 2016 و2022. هذه الفترة شهدت تصفية أكثر من 400 شخصية من أئمة المساجد والقضاة والسياسيين، في عملية تطهير سياسي وفكري تهدف إلى إخلاء الساحة من أي صوت يدعو للاستقلال عن نفوذ أبوظبي. لقد كان “الإرهاب الميليشياوي” المدعوم من أبوظبي يكمل دور “الإرهاب القاعدي”، حيث تقاسما المهام في تفتيت المجتمع اليمني وإغراقه في دوامة من الثارات الدموية التي لا تنتهي.

من الميدان إلى السيادة: شرعنة الفوضى ونهب الجغرافيا
لم يكن إعلان الإمارات “انسحابها” الصوري في عام 2019 إلا تكتيكاً لإعادة التموضع والتحول من التواجد المباشر إلى استراتيجية “السيطرة بالوكالة”. خلال تلك الفترة، ركزت أبوظبي على إحكام قبضتها على المواقع الجيو-استراتيجية، فحولوا جزيرة سقطرى وميون وميناء بلحاف إلى قواعد عسكرية مغلقة، ومنعوا الحكومة الشرعية من ممارسة سيادتها على الموانئ وموارد النفط والغاز، مما تسبب في شلل اقتصادي تام للدولة اليمنية لصالح تعظيم النفوذ الجيوسياسي للإمارات في ممرات الملاحة الدولية.
وصل هذا المسار إلى ذروته في عام 2022 مع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، حيث فرضت الإمارات دمج قادة الميليشيات التي أنشأتها (مثل عيدروس الزبيدي وعبد الرحمن المحرمي) في أعلى هرم السلطة الشرعية. وبذلك، تحولت الكيانات التي أدارت السجون السرية وتحالفت مع القاعدة إلى جزء أصيل من “الدولة”، وتولى قادتها ملفات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. هذا “الاختراق السيادي” لم يكن إلا غطاءً لشرعنة واقع التفتت الميليشياوي، تاركةً اليمن في عام 2026 بيئةً خصبة للتطرف وعرضةً لحساباتها التوسعية التي أهدرت كرامة الإنسان.
وختاماً، فإن المشهد اليمني في مطلع 2026 يؤكد أن “عشرية الخديعة” قد أتت أكلها بالنسبة لأبوظبي؛ فالدولة ممزقة، والسيادة منقوصة، والميليشيات التي ولدت من رحم التحالف مع القاعدة أصبحت هي “الشرعية الجديدة”. إن المسؤولية التاريخية تقتضي اليوم مراجعة شاملة لهذا الدور، والاعتراف بأن مكافحة الإرهاب في اليمن لم تكن سوى “طروادة” إماراتية لاختراق الجغرافيا اليمنية، مما يفرض على القوى الوطنية والمجتمع الدولي ضرورة التحرك لاستعادة السيادة المنهوبة قبل أن يتحول اليمن إلى “بؤرة فوضى” دائمة تهدد استقرار الجوار والعالم، ويبدو أن موقف مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من المملكة بتسمية “أبوظبي” معرقلاً، وحلفائها أدوات خارجية تهدد مستقبل اليمن واستعادة حضرموت والمهرة من المجلس الانتقالي الجنوبي والاستعداد لمؤتمر جنوبي شامل في الرياض خطوة في هذا الاتجاه.





