أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتحليل

اليمن والحرب على الإرهاب.. حين تتحوّل الشعارات إلى إدارة للفوضى

يمن مونيتور/ رصد خاص

في عالم لم تعد تُدار فيه الصراعات بالمدافع وحدها، بل بالسرديات والخطابات، برزت “الحرب على الإرهاب” كأحد أكثر المفاهيم غموضاً في السياسة المعاصرة. ففي حين تُرفع رايتها باسم الأمن والاستقرار، تشير التحليلات إلى أنها تحولت في كثير من الحالات إلى أداة لإعادة إنتاج الفوضى، وتوسيع النفوذ، وتبرير تجاوز القانون والسيادة، واليمن نموذج واضح لهذه الديناميكية.

يعد الصراع في اليمن أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، نظراً لموقعه الجغرافي الحساس وتأثيره المباشر على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ومع انهيار مؤسسات الدولة وسيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة، تدخل التحالف بقيادة السعودية لاستعادة الشرعية، في حين استغلت الإمارات الفرصة لتوسيع نفوذها، من خلال إنشاء ميليشيات وجيوش غير خاضعة للسلطات اليمنية، تعمل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، لكنها تسعى في الوقت نفسه لتحقيق أجندتها الخاصة على الأرض. سليمان العقيلي: الإرهاب كأداة نفوذ لا كعدو مطلق

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في عجز العالم عن القضاء على الإرهاب، بل في عدم الرغبة الحقيقية في إنهائه.

فالإرهاب، بحسب العقيلي، لم يعد ظاهرة طارئة بقدر ما أصبح “وظيفة سياسية” تُستدعى كلما احتاجت دولة ما إلى غطاء قانوني، أو ذريعة لتوسيع نفوذها، أو وسيلة لإسكات الاعتراضات الداخلية والخارجية.

ويشير العقيلي إلى أن غياب تعريف دولي ملزم للإرهاب ليس خللاً قانونياً بريئاً، بل مصلحة سياسية متعمدة تسمح بالانتقاء والازدواجية؛ إذ يُصنَّف فاعل ما “إرهابياً” حين تتعارض أفعاله مع المصالح، بينما يُعاد توصيف آخر كشريك أو حليف عندما تقتضي الضرورة. وبهذا يتحوّل الإرهاب من توصيف قانوني إلى سلاح لغوي يُشهر في وجه الخصوم.

ويذهب العقيلي أبعد من ذلك حين يؤكد أن المقاربات الأمنية الصرفة لم تُنهِ تنظيماً واحداً من جذوره، بل غيّرت الأسماء والجغرافيا فقط، لأن الهدف لم يكن معالجة الأسباب البنيوية للإرهاب، بل إدارته والتحكم بإيقاعه. فالفوضى، وانهيار الدولة، وغياب العدالة، هي البيئة التي يولد فيها الإرهاب، ومع ذلك تُصر السياسات الدولية على علاج النتائج وترك الأسباب.

تركي القبلان: حين تُدار المعركة كسردية لا كحقيقة ميدانية

في السياق نفسه، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي تركي القبلان قراءة ميدانية لافتة من مدينة المكلا شرقي اليمن بعد خروج القوات الإماراتية منها بطلب من الرئيس اليمني والسعودية، تكشف كيف يمكن لـ”الحرب على الإرهاب” أن تُدار بوصفها سردية إعلامية أكثر منها مواجهة حقيقية.

ويستعيد القبلان مشهد أبريل 2016، حين اختفى تنظيم القاعدة من المكلا دون معركة تُذكر، في تناقض صارخ مع الروايات الإعلامية التي تحدثت عن “تحرير” المدينة ومقتل مئات من عناصر التنظيم. شهادات السكان المحليين وصحافيين دوليين، بحسب القبلان، تؤكد أن ما جرى كان أقرب إلى صفقة وتسليم مواقع، لا إلى مواجهة عسكرية.

ويحذّر القبلان من أن الخطر الحقيقي بعد انسحاب القوات الإماراتية من اليمن لا يكمن في “فراغ أمني” فعلي، بل في صناعة الفراغ سردياً، عبر تضخيم أحداث أو افتعال تهديدات، بهدف إعادة تسويق أدوار فقدت مشروعيتها السياسية والأخلاقية. فالمعركة هنا، كما يقول، ليست أمنية فقط، بل معركة على الرواية: من يملك تعريف الخطر، ومن يحتكر خطاب الحماية.

حين يصبح الخوف أداة حكم

ويذهب عدد من الباحثين في دراسات الأمن والسياسة الدولية إلى طرح مقارب لما يذهب إليه العقيلي والقبلان، معتبرين أن “الحرب على الإرهاب” التي تحاول الإمارات تسويقه إعلاميا بعد خروجها غير المشرف من اليمن، تحوّلت إلى نمط حكم قائم على الخوف. ففي هذا النموذج، تحتاج السلطة إلى عدو دائم كي تُبرّر استمرارها، والإرهاب ـ بكونه عدواً غامضاً لا يُهزم نهائياً ـ يؤدي هذا الدور بكفاءة.

هذا المنظور يرى أن تعليق القانون، وتجاوز السيادة، وتطبيع العنف باسم مكافحة الإرهاب، لا يفضي إلى أمن مستدام، بل إلى فوضى مقنّعة تُعاد فيها إنتاج الأزمات بأسماء جديدة. فالمنتصر هو من يكتب التعريف، والضعيف يُطالَب دائماً بتقديم الأدلة، فيما تُدار الصراعات لا لحسمها، بل لإبقائها ضمن مستوى قابل للاستثمار السياسي.

على اختلاف زوايا الطرح، يلتقي العقيلي والقبلان، ومعهما الكثير من المراقبين، عند حقيقة واحدة: الإرهاب لم يفشل كأداة، بل فشل فقط كمبرر أخلاقي. لقد نجح في خدمة مشاريع النفوذ، لكنه أخفق في تحقيق الأمن الحقيقي للبلدان كما حصل في اليمن مؤخراً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى