حصاد الوساطات في اليمن 2025.. نجاحات إنسانية وحدود السياسة في عام الانقسامات

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص
في عامٍ اتّسم بتصاعد الانقسامات السياسية والعسكرية، وبتآكل فرص الحل الشامل، برزت الوساطات المحلّية والإقليمية في اليمن خلال 2025 كأدوات احتواء مؤقتة، لا كمسارات سلام نهائية. فقد تحرّكت هذه الوساطات في بيئة شديدة التعقيد، يغيب فيها التوافق الوطني، وتتعدد مراكز القوة، وتتداخل الأجندات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، ما جعل أي اختراق – مهما كان محدودًا – ذا أهمية إنسانية وسياسية بالغة.
وعلى وقع تعثّر المسار الأممي، وتكرار إخفاق المفاوضات الرسمية في معالجة جذور الصراع، حافظت الوساطات القَبَلية والمجتمعية على حضورها التاريخي، مستفيدة من شبكات الثقة والعُرف الاجتماعي، لتنجح في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، شملت تحييد مناطق عن القتال، وفتح طرقات مغلقة، وتنفيذ صفقات تبادل أسرى وجثامين خارج الأطر التفاوضية الرسمية.
بالتوازي، تصاعد الدور الإقليمي، لا سيما السعودي والعُماني، كمحاولة لاحتواء أزمات متفجّرة، خصوصًا في المحافظات الشرقية، غير أن هذا الدور اصطدم بحدود النفوذ والتباينات بين الحلفاء المحليين، ما كشف بوضوح أن الوساطة – رغم ضرورتها – باتت تُدار في هامش ضيق، بين منع الانفجار الكامل، والعجز عن فرض تسويات سياسية مستدامة.
الوساطات السياسية
في مطلع ديسمبر 2025، أُعلن في مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، عن توقيع اتفاق تهدئة برعاية لجنة وساطة حضرمية، وبإشراف وفد من “اللجنة الخاصة” السعودية، عقب التطورات الأمنية والعسكرية التي شهدتها المحافظة، لا سيما في مناطق الوادي شرقي اليمن.
ونصّ الاتفاق على وقف فوري للتصعيد العسكري والأمني والإعلامي، واستمرار الهدنة إلى حين استكمال عمل لجنة الوساطة والتوصّل إلى تسوية شاملة، مع انسحاب كافة القوات القادمة من خارج حضرموت. غير أن قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لم تلتزم ببنود الاتفاق، وواصلت تصعيدها العسكري، واستقدام عناصر مسلّحة وآليات عسكرية، ما أتاح لها بسط سيطرتها الكاملة على محافظة حضرموت، ثم محافظة المهرة المجاورة على الحدود مع سلطنة عُمان.
وفي 15 ديسمبر 2025، وضمن جهود السعودية لتهدئة التوتر شرقي اليمن، ودفع قوات المجلس الانتقالي للانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها مؤخرًا، وصل وفد الواسطة، “سعودي–إماراتي” إلى القصر الرئاسي في العاصمة المؤقتة عدن، لبحث تطورات الأوضاع في المحافظات الشرقية، بعد تجاهل المجلس الانتقالي مطالب الرياض بالانسحاب.
ونقلت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية عن مصدر في مكتب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قوله إن زيارة الوفد تأتي في إطار وساطة سعودية–إماراتية لتعزيز وحدة مجلس القيادة والحكومة، وإعادة تطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية إلى ما كانت عليه سابقًا.
والتقى الوفد، الذي ضم كبار قادة التحالف بقيادة الرياض، رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي في عدن، وطلب منه التراجع عن المكاسب الميدانية الأخيرة، إلا أن الزبيدي رفض ذلك.
وحتى نهاية العام، لم تُفضِ هذه الوساطة إلى احتواء تقدم المجلس الانتقالي، الذي واصل فرض واقع جديد، وأجبر مؤسسات رسمية ومحافظين على إصدار بيانات تؤيد إجراءاته الأحادية، في سياق تدعيم مشروع الانفصال.
وفي ظل تعثّر الوساطات الإقليمية، استمرّت المساعي المحلية؛ إذ قام رئيس مجلس النواب سلطان البركاني بزيارة مفاجئة إلى عدن ولقائه عيدروس الزبيدي، عقب صدور بيان برلماني يرفض إجراءات الانتقالي ويصفها بالخروج عن التوافق الوطني.
واعتبر مراقبون اللقاء جزءًا من جهود وساطة مستمرة لاحتواء الأزمة التي أفرزتها التحركات العسكرية الأحادية المدعومة إماراتيًا، والتي انتهت بالسيطرة على حضرموت والمهرة.
وفي 18 ديسمبر، التقى البركاني رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لمناقشة تطورات المحافظات الشرقية، وجهود احتواء تداعياتها السياسية والاقتصادية والخدمية.
وقد أشاد العليمي، خلال اللقاء، بموقف مجلس النواب، الرافض بشكل قاطع لأي إجراءات أحادية أو تحركات عسكرية خارج إطار التوافق الوطني، والمرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وفي المقدمة إعلان نقل السلطة، واتفاق الرياض.
الوساطات الإنسانية والمجتمعية
تستند الوساطة المحلية في اليمن إلى شبكة اجتماعية متجذّرة، ترتكز على القبيلة بوصفها الفاعل الأبرز في فضّ النزاعات. وعند اندلاع أي صراع بين جماعتين، سواء كان قبليًا أو بين فصائل مسلّحة، يتدخل شيوخ قبليون يحظون بقبول الطرفين، مستخدمين أدوات العُرف، مثل التحكيم والعيب القبلي، للضغط باتجاه التسوية.
ومع استمرار الحرب، برزت شخصيات مدنية ومجتمعية دخلت على خط الوساطة في ملفات إنسانية محددة. ففي 15 ديسمبر 2025، أعلن الناشط عبد الواحد المصعبي، رئيس وحدة الوساطة في مؤسسة “يمن للعدالة والتنمية والسلام”، قيادته وساطة محلية بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، أسفرت عن تسليم القوات الحكومية 20 جثمانًا من جنودها، بعد نحو سبع سنوات من احتجازها.
وأوضح المصعبي أن هذه الخطوة جاءت ردًا على مبادرة سابقة من القوات الحكومية، تم خلالها تسليم الحوثيين 26 جثمانًا، نُقلت من محافظة مأرب إلى صنعاء خلال الأسبوع نفسه.
الوساطة الإقليمية
وفي سياق نجاح الوساطات الإنسانية، تُوّجت الجولة العاشرة من المشاورات بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، التي استضافتها العاصمة العُمانية مسقط خلال الفترة من 9 إلى 23 ديسمبر 2025، باتفاق وُصف بـ”الواسع النطاق” لتبادل الأسرى والمختطفين، ومن المتوقع أن يشمل نحو 2900 محتجز من مختلف الأطراف.
وجاء هذا الاتفاق برعاية وساطة عُمانية وأممية، في مسعى لإحياء “خارطة الطريق” التي تقودها الأمم المتحدة، حيث يُنظر إلى التقدّم في الملف الإنساني بوصفه اختبارًا أوليًا قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا، مثل البنك المركزي، والموانئ، ووقف إطلاق النار الشامل.
على الرغم من محدودية النتائج وعدم قدرتها على تحقيق سلام شامل، فإن الوساطات المحلية والإقليمية في اليمن خلال 2025 لعبت دورًا حيويًا في احتواء تفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية. فقد ساهمت الوساطات القبلية والمجتمعية في التخفيف من العنف على الأرض، وفتحت قنوات لتبادل الأسرى والجثامين، وحافظت على مناطق محددة من التصعيد العسكري.
في الوقت نفسه، لعبت الوساطات الإقليمية، خصوصًا السعودية والعُمانية، دورًا محوريًا في محاولة ضبط التوترات السياسية والعسكرية في المحافظات الشرقية، وتوفير إطار للتفاوض على الملفات الإنسانية الحرجة. ورغم التحديات المستمرة، أثبتت هذه الجهود أن الوساطة، سواء محلية أو إقليمية، تظل أداة لا غنى عنها في بيئة صراع معقدة، تسعى إلى خلق مساحات ضيقة للاستقرار ومنع الانهيار الكامل للسلطة الوطنية والبنية الاجتماعية.
مع نهاية عام 2025 وبداية 2026، استمرت الوساطات الإقليمية في متابعة المشهد اليمني، حيث تزايد الحديث عن دور محتمل للولايات المتحدة في احتواء التوتر الأخير بين طرفي التحالف الخليجي، على خلفية انسحاب القوات الإماراتية المطلوب من الحكومة اليمنية واتهامات بتصعيد عسكري في حضرموت والمهرة.
وفي 31 ديسمبر 2025، شهدت اليمن تحركات دبلوماسية أمريكية لافتة عبر مباحثات منفصلة مع كلٍّ من السعودية والإمارات، ركّزت على تطورات الوضع في اليمن وتأثيراته على أمن واستقرار المنطقة. وما زالت هذه التحركات تفتح الباب أمام تساؤلات حول دور أميركي محتمل للوساطة واحتواء الخلاف المتفاقم بين الحلفاء الإقليميين.




