“هندسة السقوط”.. أين كان وزير الدفاع اليمني لحظة اجتياح “الانتقالي” لوادي حضرموت؟

يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ من غيث عبدالعزيز
في الوقت الذي كانت فيه دبابات المجلس الانتقالي الجنوبي تجتاح وادي حضرموت وتُسقط آخر قلاع المنطقة العسكرية الأولى، كان وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن محسن الداعري، يتبادل الهدايا التذكارية في القاهرة، تاركاً خلفه قيادة عسكرية معزولة وتساؤلات مفتوحة حول “هندسة سياسية” مسبقة للمعركة.
تكشف مصادر عسكرية خاصة لـ”يمن مونيتور” تفاصيل الأيام الحرجة التي سبقت السقوط، حيث قوبلت نداءات الاستغاثة بالصمت، واستُخدمت “الوساطة” كغطاء للتقدم الميداني، في مشهد يوحي بأن قرار تغيير الخارطة العسكرية اتخذ في الغرف المغلقة قبل أن تطلق رصاصة واحدة.
صمت الوزارة وبرقيات الاستغاثة الضائعة
عاش وادي حضرموت فصلاً دراماتيكياً من الخذلان العسكري سبق عملية الاجتياح بأيام؛ فبحسب مصادر عسكرية رفيعة من داخل المنطقة العسكرية الأولى تحدثت لـ”يمن مونيتور”، فإن قيادة المنطقة استشعرت الخطر المبكر منذ الثلاثين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ورفعت سلسلة من البرقيات العاجلة إلى وزارة الدفاع وقيادة العمليات المشتركة تطلب فيها تعزيزات عسكرية فورية ومناقشة خطط عملياتية للتصدي للتحشيد العسكري القادم من خارج المحافظة. إلا أن تلك البرقيات قوبلت بصمت مطبق وتجاهل تام.
وقال أحد المصادر إن هذا السلوك: وضع القادة الميدانيين في حالة من “الشلل العملياتي”، عاجزين عن اتخاذ قرار المواجهة خشية اتهامهم بالتمرد، أو الانسحاب الذي يعني الاستسلام المجاني.
وفي مفارقة لافتة كشفت عن توجهات القيادة العليا، كان وزير الدفاع الفريق محسن الداعري، وقبل يومين فقط من تحرك القوات لاجتياح حضرموت، يتصدر المشهد في عرض عسكري مهيب لقوات المجلس الانتقالي في العاصمة المؤقتة عدن. هناك، وقف وزير الدفاع في الحكومة الشرعية ليؤدي التحية العسكرية لنفس التشكيلات التي كانت تستعد للزحف نحو مؤسسات الدولة في الوادي، وهي لقطة يمكن اعتبارها بمثابة “ضوء أخضر” وشرعنة مسبقة للعملية العسكرية، استثمرها إعلام “الانتقالي” لاحقاً لتصوير الهجوم كتحرك يحظى بمباركة الدولة، مما ساهم في ضرب الروح المعنوية للوحدات المدافعة.

خدعة “الوساطة” والتخدير الدبلوماسي
لم يقتصر الأمر على الحصار العسكري، بل تعرضت حضرموت لما يشبه الحرب النفسية المنظمة عبر الترويج لأوهام الحلول الدبلوماسية. ففي منتصف يوم الثلاثاء الحاسم، وبينما كانت القوات المهاجمة تحكم الطوق على مدينة سيئون، ضجت الأوساط السياسية بتسريبات عن “وساطة من التحالف” وشيكة ستلزم الجميع بالانسحاب.
تزامنت هذه الشائعات مع تصريحات متلفزة لمحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الذي ظهر ليؤكد أن “الوضع تحت السيطرة” نافياً وجود أي حشود، ومبشراً باتفاق قريب، وهو ما خدر اليقظة العسكرية ودفع قادة المنطقة الأولى للظهور في جلسة مقيل اعتيادية بدلاً من إدارة غرف العمليات، ظناً منهم أن السياسة ستحميهم.
أتضح لاحقاً أن الحديث عن “الوساطة” والضغوط للانسحاب المتبادل لم يكن سوى ستارة دخانية كثيفة، منحت القوات القادمة من خارج حضرموت وقتاً ثميناً لاستكمال انتشارها الهجومي ونشر المدرعات في النقاط الحاكمة دون مقاومة.
أدت هذه الازدواجية القاتلة بين الواقع الميداني الملتهب والهدوء المصطنع في قنوات الاتصال الرسمية إلى عزل الوحدات الميدانية عن الواقع، لتجد نفسها بحلول منتصف الليل محاصرة بين فكي كماشة؛ خذلان القيادة السياسية في الأعلى، والحصار العسكري المطبق على الأرض، لتتساقط المواقع السيادية واحداً تلو الآخر.

الهروب إلى القاهرة.. الغياب المبرر
وفي ذروة اشتعال الموقف، وبينما كانت سيئون تواجه مصيرها، اختار وزير الدفاع توقيتاً دقيقاً لمغادرة البلاد متجهاً إلى العاصمة المصرية القاهرة. هذا السفر، الذي تزامن مع “ساعة الصفر”، بدا للكثيرين أكثر من مجرد زيارة بروتوكولية؛ إذ وفر للوزير مخرجاً آمناً من حرج إصدار أوامر المواجهة أو وقف إطلاق النار، مانحاً القوات المهاجمة الفرصة لحسم الأمر الواقع دون تدخل رسمي من رأس المؤسسة العسكرية.
ولاستكمال مشهد “التطبيع” مع الواقع الجديد، حرص الحساب الرسمي لوزير الدفاع، مساء الأربعاء -عقب سقوط الوادي- على نشر أخبار وصور لقاء الوزير الداعري بنظيره المصري، الفريق أول عبدالمجيد صقر، وهما يتبادلان الهدايا التذكارية والابتسامات. كانت الرسالة الضمنية لهذه الصور توحي بأن المؤسسة العسكرية في حالة استقرار، وأن ما يجري في حضرموت مجرد حدث هامشي لا يستدعي قطع الزيارة أو إعلان الطوارئ، مما أضفى شرعية الصمت والقبول على عملية التغيير القسري التي أطاحت بالتوازنات التاريخية في المحافظة.
كانت المنطقة العسكرية الأولى آخر معاقل وحدات الجيش المحسوبة على اليمن الوحدوي. وبسقوطها، باتت الخارطة العسكرية للجنوب، بما فيها الهضبة النفطية، موحدة تحت نفوذ المجلس الانتقالي، مما يعيد تشكيل موازين القوى في أي مفاوضات قادمة للحل النهائي، وتمكن المجلس الانتقالي الجنوبي من تحويل مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع من قيادة مركزية ضابطة للتوازن، إلى مظلة لتمرير الترتيبات الأمنية الجديدة المفروضة بقوة الأمر الواقع.




