جنوب اليمن في ذكرى الاستقلال الـ58.. “استعمار حديث” يلتهم السيادة وازدواج أمني يهدد المستقبل

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عميد المهيوبي
يحتفل اليمنيون اليوم بالذكرى الـ58 لعيد الاستقلال الوطني (30 نوفمبر)، وهي مناسبة تستحضر أمجاد تحرر الجنوب من الاستعمار البريطاني، لكنها تصطدم هذا العام بواقع مرير يطرح تساؤلات وجودية حول مفهوم “السيادة”.
فبينما يستذكر اليمنيون لحظة جلاء آخر جندي بريطاني، تبرز على الأرض وقائع “هيمنة جديدة” تتحكم في الموانئ والمطارات، وتشكيلات عسكرية موازية تقوض سلطة الدولة، واقتصاد منهك يصارع الانقسام، مما يجعل “الاستقلال الناجز” حلماً مؤجلاً وسط تجاذبات الإقليم وفوضى الداخل.
على مدى 129 عاماً، خضع جنوب اليمن للاحتلال البريطاني، قبل أن تشعل ثورة 14 أكتوبر 1963 شرارة التحرير التي تُوجت بإعلان الاستقلال وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 30 نوفمبر 1967. واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على تلك اللحظة التاريخية، يجد الجنوب نفسه محاصراً بتحديات تعيد إنتاج “التبعية” بأشكال حديثة، عبر وكلاء محليين ونفوذ إقليمي متصاعد.
السيادة تحت وطأة “النفوذ الموازي”
يرى مراقبون وناشطون أن الخطر الأكبر الذي يواجه المحافظات الجنوبية حالياً يتمثل في “الازدواج الأمني”. وفي هذا السياق، يؤكد الناشط السياسي وليد الجبزي لـ”يمن مونيتور” أن الجنوب يواجه تحديات وجودية أبرزها انتشار التشكيلات العسكرية التي تعمل خارج إطار مؤسسات الدولة وتتلقى دعماً مباشراً من الإمارات.
وقال الجبزي في تصريح لـيمن مونيتور إن: الجنوب مر بتحولات عميقة منذ الاستقلال، مروراً بأحداث يناير 1986 وحرب 1994، وصولاً إلى تداعيات انقلاب الحوثيين عام 2014، الأمر الذي جعل المحافظات الجنوبية ساحة مفتوحة لتقاطعات متعددة أضعفت مؤسسات الدولة.
ويشير الجبزي إلى أن هذه التشكيلات خلقت “واقعاً أمنياً موازياً” وأسهمت في تعدد مراكز القرار، محذراً من أن الجنوب بات عرضة لصدامات غير محسوبة، خاصة مع التحركات العسكرية الأخيرة في محافظة حضرموت، التي ظلت نموذجاً للاستقرار، لكنها اليوم تواجه مخاوف حقيقية بسبب محاولات جرها إلى مربع الفوضى.
ويضيف: “بعد عقود من الاستقلال، الجنوب ليس بحاجة لجيوش متعددة ومشاريع متقاطعة، بل إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة القوية التي تحفظ أمن المواطن وسيادته، لا أن يتحول الجنوب إلى ساحة لاختبار النفوذ”.
وأشار الجبزي إلى أن التحركات العسكرية المتصاعدة في حضرموت من قِبل قوى خارج سيطرة الدولة تمثل “مخاوف حقيقية على استقرار المحافظة”، التي ظلت خلال السنوات الماضية نموذجاً نسبياً للأمن مقارنة بغيرها.
قواعد أجنبية بغطاء محلي
على الصعيد الميداني، تشير تقارير وتقييمات للوضع الراهن إلى أن الإمارات عززت نفوذها في مواقع استراتيجية حساسة، مستخدمة “المجلس الانتقالي الجنوبي” كأداة محلية لإحكام السيطرة. وتشمل هذه السيطرة منشأة “بلحاف” الغازية، ومطار “الريان” في المكلا، وميناء “المخا” عبر قوات طارق صالح (عضو مجلس القيادة الرئاسي)، بالإضافة إلى عسكرة عدد من الجزر اليمنية وتحويلها إلى قواعد لوجستية وأمنية مغلقة، مما أدى إلى تعطيل هذه المنشآت الحيوية وحرمان الخزينة العامة من مواردها السيادية.
وأسهم هذا النفوذ في إضعاف مؤسسات الدولة وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى شبكة قواعد تخدم مصالح إقليمية، على حساب الاستقرار الاقتصادي والخدمي في البلاد.
ويعلق الصحفي المتخصص في الشؤون السياسية، عبدالواسع الفاتكي، على هذا المشهد بالقول إن الواقع السياسي في الجنوب “أكثر تعقيداً من أي وقت مضى”، مشيراً إلى عودة النفوذ الأجنبي “بواجهات جديدة” تعمل من داخل الشرعية وتساهم في تفكيك مؤسسات الدولة.
ويوضح الفاتكي لـ”يمن مونيتور” أن “تعدد المشاريع المسلحة وتنافسها أدى إلى إضعاف حضور الدولة، مما سمح للقوى الخارجية بالاستحواذ على القرار السيادي”، واصفاً ما يجري بأنه “لا يختلف في جوهره عن أشكال الاستعمار التقليدي، وإن تدثر بغطاء سياسي مختلف”.
ويشدد الفاتكي على أن الجنوب لن يبني مستقبله عبر “الميليشيات” بل عبر شراكة وطنية ترفض الوصاية.
الاقتصاد.. ضحية التفتيت الممنهج
وبعيداً عن السياسة، يئن المواطن تحت وطأة انهيار اقتصادي شامل. وفي حين يحاول البعض تصوير الأزمة كانقسام بين “اقتصاد جنوبي” و”شمالي”، يرى الخبير الاقتصادي وفيق صالح أن جوهر الأزمة يكمن في “سياسة التفتيت” التي فرضتها جماعة الحوثي، وغياب القرار المالي الموحد للدولة.
وقال صالح لـ”يمن مونيتور”: “الحديث عن اقتصادين منفصلين ليس دقيقاً؛ فالمحافظات الجنوبية لا تزال مرتبطة عضوياً بمحافظات محررة في الشمال مثل مأرب وتعز”. وأضاف أن المشكلة تكمن في الإجراءات الحوثية التي عزلت مناطق سيطرتها وفرضت أنظمة مالية موازية، مما عمق الأزمة على مستوى الجمهورية ككل.
وأشار إلى أن “البلاد تمر بظروف استثنائية لا تسمح بإجراء تقييم دقيق لمستوى الأوضاع الاقتصادية في الجنوب أو أي محافظة أخرى، نظراً للآثار العميقة للحرب المستمرة منذ عقد كامل وما نتج عنها من تعطل مؤسسات، وتراجع الإيرادات، وتعدد مراكز القرار الاقتصادي”.
وشدد صالح أن “أي معالجة للوضع الاقتصادي تستدعي أولاً وقف سياسة التفكيك وعودة الدولة بمؤسساتها الجامعة، مشدداً على أن استقرار الاقتصاد في الجنوب أو الشمال لن يتحقق ما لم تتم استعادة النظام الاقتصادي الوطني من قبضة المليشيا وإعادة توحيد القرار المالي على مستوى الجمهورية”.
صوت الشارع: نريد استقلالاً حقيقياً
وسط هذه التجاذبات، يبقى المواطن هو الضحية. “أبو صابر”، مواطن من أبناء حضرموت، يلخص المشهد بمرارة قائلاً: “30 نوفمبر كان ثمرة نضال الآباء، لكننا اليوم نريد أن نعيش بكرامة”.
ويضيف أبو صابر: “الناس أنهكهم الغلاء وانقطاع المرتبات. الاحتفال الحقيقي بالاستقلال يكون برفع الأيدي الخارجية عن مقدراتنا، واستعادة الدولة التي توفر الدواء والغذاء، ورفض الاستعمار بأشكاله الجديدة والقديمة”. ويختتم حديثه بمطالبة القوى السياسية بوقف العبث بالموارد وإيجاد حل عادل للقضية الجنوبية يضمن استقرار اليمن ككل.
وأكد أن “الاحتفال الحقيقي بالاستقلال يجب أن يكون بعد استعادة اليمن حريته ودولته ورفع الأيدي عن مقدراته ورفض الاستعمار بكافة أشكاله القديمة والحديثة وإيجاد الحل العادل للقضية الجنوبية بما يضمن أمن واستقرار اليمن ككل”.
وأضاف “نريد أن نعيش بكرامة، لا نريد أكثر من حقّنا في حياة مستقرة يتوفر فيها الدواء والغذاء والراتب الذي يكفي أسرنا. الناس اليوم أنهكهم الغلاء، وانقطاع المرتبات، وارتفاع أسعار الوقود، وتدهور الخدمات، بينما تستنزف موارد البلد وتنهب دون رقيب”.
يحتفل اليمن في 30 نوفمبر من كل عام بذكرى جلاء آخر جندي بريطاني من عدن عام 1967، وهو التاريخ الذي وحد سلطنات الجنوب اليمني في دولة واحدة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) قبل وحدتها مع الشمال في 1990. وتأتي الذكرى الـ58 هذا العام في ظل حرب مستمرة منذ عقد إثر انقلاب جماعة الحوثي، وتدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية والإمارات. وبينما تسيطر الحكومة الشرعية اسمياً على المحافظات الجنوبية، فإن الواقع يشهد سيطرة فعلية لقوات “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتياً، والذي ينازع الحكومة صلاحياتها ويدعو لفك الارتباط، مما يخلق وضعاً أمنياً وسياسياً معقداً.




