العلاقات الأميركية-السعودية بصدد أن تصبح أكثر تأثيراً في العالم

يمثل التحول في العلاقات الأميركية-السعودية بداية فصل جديد للشرق الأوسط، نابعاً من تلاقي رؤى قيادتي البلدين. وفي الجوهر يكمن الإيمان بأن السلام والاستمرارية هما ركيزتا الاستثمار والازدهار.
تتقاطع الآن الأبعاد العالمية والإقليمية والمحلية في هذه العلاقة الاستراتيجية، التي تبلورت خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن هذا الشهر. ولكن إلى أين تتجه هذه الشراكة؟ ومن هم اللاعبون الإقليميون والدوليون الذين قد يربحون أو يخسرون منها؟
لقد حدثت نقلة نوعية في جوانب التعاون العسكري والأمني للشراكة، مع تصنيف الولايات المتحدة للمملكة العربية السعودية كـ “حليف رئيسي من خارج حلف الناتو”. يمنح هذا التصنيف الرياض ميزات في التعاون العسكري والدفاعي، ويسهل شراء أسلحة أميركية متطورة بشروط ميسرة، ويفتح الباب أمام الإنتاج المشترك للأسلحة، وتطوير الأنظمة الدفاعية، والمشاريع التكنولوجية المشتركة في القطاع العسكري.
يتيح هذا التصنيف أيضاً إجراء مناورات وتدريبات مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمليات العسكرية المنسقة. وقد تم توقيع “اتفاقية دفاع استراتيجي”، إلى جانب “شراكة استراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي”، وإطار استراتيجي للتعاون بشأن تأمين المعادن الحرجة وسلاسل توريد اليورانيوم، بالإضافة إلى ترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية. كما وُقّعت مذكرات تفاهم، إلى جانب أطر لاستمرار المفاوضات حول التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، وتسهيل الاستثمارات السعودية، فضلاً عن الشراكات الاقتصادية والمالية.
لا تزال بعض المطالب، المقدمة من كلا الجانبين، قيد التفاوض. في حين يتعارض بعضها الآخر مع شروط أميركية راسخة، لا سيما تلك المتعلقة بمواصفات مقاتلات “إف-35” التي تسعى الرياض للحصول عليها.
وفي حين تشكل الموافقة الأميركية على بيع هذه الطائرات للسعودية تحولاً نوعياً في الشراكة، كانت الرياض تأمل في الحصول على ضمانات أميركية شبيهة بمعاهدة الدفاع المشترك. وكان الهدف هو الحيلولة دون تقييد استخدام الطائرات بقيود أميركية-إسرائيلية صارمة أو شروط قانونية مشددة من شأنها أن تحد من نشر هذه الطائرات.
في غضون ذلك، يركز الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها الشراكة على ديناميكيات الطاقة العالمية. ويبدو أن طموحه يتمثل في إخراج روسيا من الأسواق، معتقداً أن السعودية، بتكاليف إنتاجها المنخفضة، ستستفيد من انخفاض أسعار النفط. العنصر الحاسم هنا هو شراكة نفطية ذات تداعيات اقتصادية عالمية وعواقب استراتيجية.
يمكن أن تؤشر “الكيمياء” بين الرئيس الأميركي وولي العهد السعودي إلى مسار مستقبلي للعلاقات الثنائية المرتكزة على تعاون مؤسسي غير مسبوق عبر مختلف المجالات.
قد يثير هذا التحول قلق إسرائيل، حيث إن الضمانة الأميركية طويلة الأمد للتفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة قد حالت، لعقود، دون اقتراب أي دولة عربية من وضعها الخاص. كان من غير المعقول سابقاً أن تُمنح أي دولة عربية مثل هذه المكانة الاستراتيجية والاعتراف التحالفي من قبل الولايات المتحدة. ويبدو أن تلك الحقبة قد ولت.
وبالفعل، دخلت العلاقات الأميركية-السعودية مرحلة تتجاوز المنافع الثنائية وتمتد عبر أبعاد عديدة. يضمر السيد ترامب طموحات عالمية ويدرك أن السعودية هي حجر الزاوية في كل من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وهو يعتقد أن قيادة المملكة يمكن أن تساعد إدارته في تحقيق أهدافها الإقليمية والعالمية.
ولكن بينما رسخت الرياض أمن المملكة وتحالفاتها واقتصادها في الفلك الأميركي، فإن هذا لا يعني أنها ستتخذ موقفاً عدائياً تجاه الصين. في الواقع، المصالح المتبادلة بين الرياض وبكين صلبة. لكن هذه المصالح لا تمتد إلى المسائل الأمنية، التي تظل المجال الحصري للولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، ورغم أن استعداد أميركا لتوفير بنية تحتية عالية الجودة للذكاء الاصطناعي قد يساعد الرياض على تقليل حاجتها إلى بكين، إلا أن السعودية ستستمر في الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الصيني، لا سيما بالنظر إلى تكلفتها المنخفضة.
تشكل هذه العناصر جوانب حاسمة في التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد للرياض.
في غضون ذلك، نجحت الدبلوماسية السعودية في ربط أي إقامة محتملة للعلاقات مع إسرائيل باعتراف الأخيرة بقيام دولة فلسطينية والالتزام بحل الدولتين. وقد فاجأ هذا المراقبين الذين اعتقدوا أن مثل هذه المواقف كانت مجرد استعراض إعلامي. على العكس من ذلك، حصلت الرياض على التزامات من السيد ترامب بمنع إسرائيل من ضم الضفة الغربية أو إعادة احتلال غزة.
لا يعني هذا أن الدولة الفلسطينية وشيكة، أو أن إسرائيل ستتبنى حل الدولتين. لكن القيادة الإسرائيلية، التي أربكها مسار العلاقات الأميركية-السعودية، قد تضطر إلى التصريح علناً بأنها “تدرس” خيار الدولتين أو ترك الباب مفتوحاً أمام شكل من أشكال الدولة الفلسطينية.
أصبح إدراك السيد ترامب بأن رؤية الأمير محمد تنسجم مع تطلعاته الخاصة لشرق أوسط متحول جذرياً أكثر وضوحاً عندما تعمّد إخبار ولي العهد مراراً بأنه منفتح على صفقة مع إيران. ويبدو أن كلاً من إدارة ترامب والقيادة الإيرانية تنظران إلى السعودية كوسيط حاسم، بمعزل عن دور عُمان في استضافة المحادثات النووية الأميركية-الإيرانية.
ومع ذلك، تؤمن كل من واشنطن والرياض بأنه لا يمكن تحقيق أي تقدم ما لم تتوقف طهران عن استخدام وكلائها المسلحين في جميع أنحاء العالم العربي. ويتجلى هذا بوضوح في لبنان، حيث يواصل “حزب الله” المدعوم إيرانياً مقاومة الضغوط الداخلية والخارجية لنزع سلاحه.
وإذا ما تحقق الاتفاق الأميركي-الإيراني، فقد توافق طهران على إقناع “حزب الله” بإلقاء سلاحه. لكن الثقة في الوعود الإيرانية ضئيلة، ولذا أوضحت إدارة ترامب إصرارها على نزع سلاح الحزب إما سلمياً من قبل السلطات اللبنانية أو بالقوة من قبل القوات المسلحة الإسرائيلية.
يبقى أن نرى كيف ستؤول إليه كل هذه الأمور. غير أن ما هو واضح وضوح الشمس هو مكانة المملكة العربية السعودية في منطقة ناضجة للتحول.
المصدر: ذا ناشيونال
راغدة درغام هي المؤسسة والرئيسة التنفيذية لـ “معهد بيروت” وكاتبة عمود في صحيفة “ذا ناشيونال“. 23 نوفمبر 2025




