“خبز العائلات يُعجن في مأرب”.. كيف تحولت خيام النازحين إلى مصدر رزق الأسر في مناطق الحوثيين؟

يمن مونيتور/ مأرب/ خاص:
أظهر تقرير اقتصادي حديث تحولاً نوعياً في الدور الذي تلعبه محافظة مأرب شرقي اليمن، حيث لم تعد مجرد ملاذ آمن للنازحين من الحرب فحسب، بل باتت مركزاً مالياً رئيسياً لـ “النازحين اقتصادياً”.
وكشف التقرير “ائتلاف المساعدات النقدية في اليمن” (CCY)، الذي حصل “يمن مونيتور” على نسخة منه، عن ارتباط وثيق بين الكثافة العالية لمحلات الصرافة في المحافظة وتدفق الحوالات المالية التي يرسلها النازحون لإعالة أسرهم المتبقية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وأكد التقرير أن محافظة مأرب باتت الوجهة الأساسية للأفراد الذين اضطرتهم الظروف الاقتصادية لمغادرة مناطقهم. وأشار التقرير إلى أن هؤلاء النازحين لم يكتفوا باللجوء، بل انخرطوا في سوق العمل وبدأوا في إرسال الأموال لدعم عائلاتهم في مناطقهم الأصلية، مما خلق دورة اقتصادية حيوية تعتمد عليها آلاف الأسر.
واستند التقرير إلى تحليل بيانات التتبع المالي، حيث أظهرت الخرائط تركزاً لافتاً لشركات ومحلات الصرافة (FSPs) في مدينة مأرب وبالقرب من مخيمات النزوح. ووفقاً لبيانات التقرير، تضم مدينة مأرب وحدها نحو 55 منشأة صرافة رسمية، وهو رقم يعكس حجم النشاط المالي الهائل الذي يجري في المدينة.
وأوضح التقرير أن “توزيع مقدمي الخدمات المالية في مدينة مأرب وبالقرب من مخيمات النازحين يسلط الضوء على أهميتها كمركز مالي حيث يكسب بعض النازحين المال ويحولونه إلى ذويهم”4.
وتشير البيانات إلى أن الحوالات الصادرة من مأرب تلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على سبل العيش في المحافظات التي ينحدر منها النازحون، مثل صنعاء وذمار وحجة.
ورغم التحديات الكبيرة التي تفرضها الفوارق في أسعار الصرف بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين، والرسوم الباهظة المفروضة على التحويلات، إلا أن المغتربين (النازحون) داخلياً في مأرب يواصلون ضخ السيولة النقدية، مستخدمين غالباً العملات الصعبة (الريال السعودي والدولار) لتجاوز تعقيدات العملة المحلية.
ربط النزوح بالنمو المالي
وقد قام فريق البحث التابع لائتلاف بمقاطعة بيانات النزوح مع بيانات القطاع المالي، ليتبين أن المديريات التي استقبلت أكبر عدد من النازحين، وتحديداً مأرب، شهدت نمواً متزاماً في عدد منشآت الصرافة، مما يؤكد أن هذا القطاع نما خصيصاً لتلبية حاجة النازحين لتحويل مدخراتهم ورواتبهم إلى أسرهم في مناطق شمال وغرب اليمن.
وتستضيف محافظة مأرب أكثر من مليوني نازح، يشكلون النسبة الأكبر من النازحين داخلياً في اليمن. وبفضل وجود الموارد النفطية والغازية، وحالة الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق أخرى، تحولت المدينة خلال سنوات الحرب من بلدة صغيرة إلى مركز حضري وتجاري ضخم. وتعد رواتب الجيش والأمن، بالإضافة إلى النشاط التجاري والعمراني، المحرك الرئيسي للسيولة النقدية التي يعتمد عليها النازحون لإرسال “الحوالات الداخلية” التي باتت طوق نجاة للأسر في المناطق الخاضعة للحوثيين، حيث تنقطع الرواتب وتندر فرص العمل.
ويعيش السكان في مناطق سيطرة الحوثيين تحت وطأة أزمة سيولة حادة وانقطاع شبه تام للدخل المنتظم، حيث باتت الحوالات المالية (الخارجية والداخلية) المصدر الوحيد للبقاء لشريحة واسعة من الأسر، في ظل رفض الحوثيين تسليم رواتب الموظفين الحكوميين وشح فرص العمل حيث غادرت الكثير من رؤوس الأموال. ورغم “الاستقرار الوهمي” لسعر صرف العملة القديمة في تلك المناطق، إلا أن القدرة الشرائية للمواطنين تآكلت بشكل غير مسبوق؛ فالأسر لا تملك السيولة النقدية لشراء احتياجاتها الأساسية حتى مع ثبات الأسعار نسبياً، مما جعل الاعتماد على ما يرسله المغتربون أو الأقارب من مناطق الحكومة هو الفارق الوحيد بين البقاء والمجاعة.




