لحج المنسية.. أرض الخضروات التي ينام مزارعوها جياعاً (تقرير خاص)
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من محمد عبدالقادر اليوسفي
في وادي تبن، الشريان الأخضر لمحافظة لحج جنوبي اليمن، تُزرع آلاف الهكتارات من الخضروات التي تغذي أسواق عدن وأبين وأجزاء من تعز. لكن المفارقة الصادمة أن المزارعين الذين يسهرون على زراعة غذاء الجنوب، يعيشون على حافة الجوع، عاجزين عن تلبية أبسط احتياجاتهم اليومية.
لحج، التي كانت تُعرف بـ”سلة غذاء الجنوب”، تحولت اليوم إلى رمز للإهمال، حيث تراجعت الإنتاجية، وجفت قنوات الري، وانهارت شبكات التسويق، وغاب الدعم الحكومي، في وقت ارتفعت فيه أسعار المعيشة وتفاقم الفقر بين العاملين في الزراعة أنفسهم.
هذا التقرير، الذي أعدته منصة “يمن مونيتور”، يرصد المفارقة بين الإنتاج الزراعي الهائل والفقر المدقع عبر شهادات مباشرة من مزارعين ومسؤولين وخبراء اقتصاد، ليكشف عن الأسباب العميقة لأزمة الأمن الغذائي في واحدة من أكثر المحافظات خصوبة في اليمن.
مزارعون عطشى
في قرية الحسيني، يروي المزارع عوض غالب معاناته قائلاً: “كانت المياه تصل إلينا من وادي تبن بسهولة، والزرع يكبر أمام أعيننا، أما اليوم فجفت القنوات وتعطلت المضخات، والآبار ما عاد فيها ماء. نشتري المياه بالساعات لري أراضٍ كنا نسقيها بالمطر والسيول مجاناً. وفي الأشهر السابقة جرفت السيول معظم الأراضي التي نعتمد عليها للعيش.”
بدوره، يقول المزارع محمد حيدرة من طور الباحة: “كنا نزرع الطماطم والخيار والفلفل طوال العام، أما اليوم فلا نزرع إلا موسم واحد بسبب نقص المياه والوقود لتشغيل المضخات. سعر الديزل (20 لتر) وصل أكثر من 20 ألف ريال، كيف يمكننا الزراعة؟”
ويؤكد ماجد محمود من مديرية طور الباحة أن السيول المتكررة تسببت في انجراف الأراضي الزراعية وتلف مساحات واسعة، نتيجة غياب الدفاعات المائية وقنوات الري المنتظمة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي للمحاصيل الموسمية بشكل كبير.
وأضاف ماجد: “السيول تمر من أراضينا دون أن نستفيد منها في الري، لعدم وجود قنوات منظمة لتصريف المياه أو توجيهها نحو المزارع. المزارعون يفتقرون للإمكانيات المادية لتنفيذ مشاريع بسيطة، وسط ظروف معيشية صعبة للغاية.”
وأشار إلى أن المنظمات الدولية قدمت مساعدات محدودة، اقتصرت على أدوات بسيطة مثل المجارف والطرابيل، لكنها لا توازي حجم المعاناة ولا تساهم في حماية الأراضي من الانجراف والجفاف.
شبكات الري المتهالكة
المهندس محمد انعم، العامل سابقاً في إدارة الري، يقول: “قنوات الري القديمة التي بُنيت قبل عقود تآكلت بالكامل ولم تُرمم منذ سنوات. الدولة لا تخصص أي ميزانية لإصلاحها، والمزارعون يعتمدون على جهودهم الذاتية أو ينتظرون منظمات لتوزيع مضخات صغيرة تغطي فقط بعض الهكتارات.”
ويضيف أن فقدان المياه أثر على أكثر من 60% من الأراضي الزراعية في مديريات تبن وصبر والمسيمير، لافتًا إلى أن “التصحر يزحف ببطء، والمزارع يتحول من منتج إلى محتاج للمساعدات الغذائية.”

الخضروات تُهدر في الطريق
رغم الإنتاج الكبير، إلا أن غياب منظومة تسويق فعالة يحوّل الكثير من المحاصيل إلى نفايات زراعية. يوضح المزارع هزاع محسن من وادي تبن:
“نبيع الطماطم في المزرعة بخمسمائة ريال للكيلو، بينما تُباع في عدن بـ2500 ريال. الطريق سيئة والمواصلات مكلفة، وبعض المحصول يتلف قبل وصوله للسوق.”
ويضيف شقيقه عبدالكريم محسن، سائق شاحنة خضروات: “الطرق تنهار بعد كل موسم أمطار، السيارة التي كانت تحمل طنًا ونصف اليوم لا تستطيع حمل نصفه بسبب التلف والخسائر.”
ويشير تاجر خضار في عدن، نجيب قاسم: “الوسيط هو المستفيد الأكبر، المزارع يبيع أحيانًا بخسارة لأنه يحتاج المال بسرعة، ولا يوجد تنظيم أو رقابة من مكتب التجارة أو الزراعة.”
أما المهندس الزراعي محمد عبدالكريم، فيقول إن غياب المخازن المبردة في لحج يؤدي إلى تلف حوالي 30% من المحاصيل القابلة للتسويق كل موسم، مما يرفع الأسعار على المستهلك ويزيد فقر المزارع.
غياب الدولة والدعم الرسمي
حاولت “يمن مونيتور” التواصل مع مدير مكتب الزراعة في لحج للتعليق، دون رد.
وقال مصدر إداري في مكتب الزراعة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن ضعف الموازنات التشغيلية يعرقل الإنتاج:
“منذ سنوات لا توجد موازنات كافية لإصلاح شبكات الري أو توفير البذور والأسمدة المدعومة، والمزارع يواجه السوق وحده.”
ويؤكد المزارعون غضبهم من غياب الدولة: “ولا مرة جاء مسؤول لزيارة أرضنا أو الاطمئنان على مياهنا. المنظمات تقدم مساعدات مؤقتة فقط، ولا يوجد مشروع حكومي مستمر أكثر من سنة”، بحسب المزارع صالح القاسمي.
وتقول منسقة مشاريع التنمية الزراعية في إحدى المنظمات: “نفذنا مشاريع ري صغيرة في تبن والمسيمير ودربنا بعض المزارعين، لكن لا يمكن تعويض غياب الدولة بخمس أو ستة مشاريع مجتمعية فقط.”
أزمة بنيوية وأمن غذائي مهدد
الخبير الزراعي الدكتور حسين المعمري يشير إلى أن السياسات الحكومية تعامل الزراعة كقطاع هامشي: “اليمن يمكن أن يحقق اكتفاءً ذاتيًا جزئيًا من الخضروات والفواكه لو وُجد دعم حقيقي للمزارعين، لكن غياب الرؤية يجعل القطاع يعتمد على المبادرات الفردية فقط.”
يُقدر برنامج الأغذية العالمي أن معدل انعدام الأمن الغذائي الحاد بلغ 44% في محافظة لحج، رغم أنها تنتج أكثر من ربع الخضروات المستهلكة في عدن وأبين.
ويعلق الخبير الاقتصادي نجم الدين أحمد: “هذا التناقض نتيجة مباشرة لخلل هيكلي في الاقتصاد الريفي. حين يُترك المزارع دون دعم، وتنهب الإيرادات من قبل قلة نافذة، يصبح الجوع نتيجة حتمية حتى في أرض خصبة.”
ويضيف أن انهيار العملة، وارتفاع أسعار الوقود، وغياب البنية التحتية للتخزين والتوزيع، كلها عوامل تجعل الزراعة عبئًا على المزارع بدلًا من مصدر دخل.
ويؤكد أن لحج تعاني من “مركزية اقتصادية قاهرة”، حيث تُنقل المنتجات إلى عدن دون استفادة المحافظة من العائدات أو الضرائب.
ويختم الاقتصادي نجم الدين أحمد: “لحج نموذج مصغر لأزمة اليمن الكبرى: أرض خصبة ومياه وشمس، لكنها تفتقر للإدارة والعدالة الاقتصادية. إن لم يُعاد الاعتبار للقطاع الزراعي، سيستمر الجوع مهما توسعت المساعدات.”
المفارقة القاسية
في لحج اليمنية، الفقر ليس قدراً بل نتيجة سياسات مهملة وإدارة غائبة. المزارع الذي يزرع الطماطم لا يستطيع شرائها، والماء الذي يسقي الأرض لا يصل إلى فمه.
إنها المفارقة القاسية بين الخصب والجوع، بين الأمل والإهمال، وبين من يزرع الحياة ويُحرم منها. والسؤال ما زال مطروحًا: هل سيستمر مزارعو لحج في زراعة الغذاء للآخرين بينما ينامون جياعًا؟




