آراء ومواقف

الليبرالية: شيء من الخوف

في كتابه “انهيار الحضارة، التفكير بعد الهولوكوست” الصادر سنة 1988م صاغ المؤرخ الألماني- اليهودي دان دينر مصطلح انهيار الحضارة Zivilisationsbruch كمفهوم تاريخي يشير إلى الأحداث التي تقوض، جذرياً، المعايير الحضارية وتهز اليقين بالإنسانية وبالقانون وبالأخلاق. اتخذ الهولوكوست مثالاً للانهيار الحضاري، وتوصّل إلى أنها حالة فريدة في التاريخ غير قابلة للتكرار. لا يرى دان دينر في المأساة الفلسطينية، بما في ذلك جريمة الإبادة البشرية في غزة، انهياراً في القيم الحضارية، ناهيك عن إمكانية مقارنتها بالهولوكوست. بالنسبة له فالصراع في الشرق الأوسط لا بد من فهمه في سياق قومي وجيوبوليتيكي. إن أيّ محاولة لإجراء مقارنة بين ما يجري للفلسطينيين على يد جهاز الدولة الإسرائيلية مع ما جرى لليهود في القرن العشرين هي “عمل غير أخلاقي” في تقدير دينر. في الواقع تستخدم كلمة “المذبحة” عند الحديث عن غزة للإشارة إلى ما حدث في السابع من أكتوبر 2023.

أخذ المفهوم الذي طوره دان دينر مكانه في الدراسات الثقافية وحتى الأدبية، وثمّة اتفاق ضمني على الصعيد الأكاديمي الغربي يفيد بأن القيم الإنسانية الحضارية لم تنهر سوى مرّة واحدة: في الجانب المتعلق بالمسألة اليهودية إبّان الحرب العالمية الثانية. الحرب تلك، بالتقويض الشامل الذي أحدثته، لا ترتقي إلى مستوى اعتبارها انهياراً للحضارة. كانت معركة مدمرة في سياق حضاري علّمت الغربيين درساً مهماً: لا تفعلوها ثانية Nie Wieder. وهي كلمة، أو درس، تقال عادة في سياق متصل بمشروع الدولة الإسرائيلية. من الممكن أن تقع مذبحة أخرى، بل حروب مدمّرة، شريطة أن لا تنال من اليهودية. تحليل الخطاب السياسي الألماني، على سبيل المثال، لا يمكنه أن يأخذ مسألة “الدرس التاريخي” بعيداً عن هذا الاستنتاج.

أن المقارنة بين ما يجري في غزّة راهناً والمأساة اليهودية شأن محفوف بالمخاطر. في كتابه “الأمل لا يخيب أبدًا: الحجّاج في طريقهم إلى عالم أفضل”، الصادر مطلع هذا العام، تجرأ بابا الفاتيكان، الزعيم الروحي لما يداني مليار ونصف المليار مسيحي كاثوليكي، على القول إن ما يجري في غزة يتطلب تحقيقاً قانونياً موسعّاً، إذ ربما يكون قد بلغ درجة الإبادة البشرية. لم يجزم الباب فرانسيسكو بالقول إن غزة تقع تحت إبادة بشرية، غير إن إيراده لمسألة الإبادة البشرية في سياق حديثه عن فعل تقوم به إسرائيل هو تجاوز للخطوط الحمراء. كان ملاحظاً أن وعكته الأخيرة التي أقعدته لبعض الوقت في المستشفى لم تحظ بالاهتمام الذي يستحقه الشأن البابوي، بل يمكننا القول إنه تعرّض للتجاهل وهو على مشارف التسعين. وليس من قبيل المبالغة أو التسرّع ربط ذلك التجاهل “الإعلامي” الغربي بما ورد في كتابه حيال الشأن الفلسطيني. كما لو أن المسيحي الغربي – لنأخذ ألمانيا مثالاً- بات مستعداً لهدم داره فقط ليؤكد لنفسه ولسائر العالم أنه فهم الدرس التاريخي.

إدانة الفعل العسكري الإسرائيلي على طريقة البابا، أي ربطه بالإبادة البشرية، قد يشكل خطراً على وجود دولة إسرائيل، كما يرى عالم اللاهوت النمساوي غريغور ماريا هوف. تضع المؤسسات الديموقراطية الغربية إسرائيل في فقاعة لاهوتية حمراء، هي مكّة ذلك العالم الممتد من كندا حتى موسكو، ولا ينبغي المساس بها. وحتى في أوج الصراع الشيوعي- الرأسمالي الغربي بقيت موسكو وواشنطن راعيتين مخلصتين للمشروع الإسرائيلي، بل سبق الاتحاد السوفيتي خصمه الأميركي بالاعتراف بدولة إسرائيل. في “المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل” يروي هيكل تجربته الفريدة مع الآباء المؤسسين لحركة فتح. إذ اقترح هيكل على عبد الناصر اصطحاب عرفات في زيارته إلى موسكو، أغسطس 1968، لتقديم المنظمة بحسبانها حركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني تستحق التأييد إلى القيادة السوفيتية. كان للسوفيت جهاز خاص تحت إشراف “الرفيق مازاروف” مسؤول عن دعم حركات التحرر الوطني في العالم. بحيلة مثيرة، غير رسمية، تمكن عبد الناصر من تقديم عرفات إلى الرئيس بريغنيف، والأخير أحاله إلى الرفيق مازاروف دون حتى أن يوجه إليه كلمة واحدة مباشرة، بل تجاهل النظر إلى وجهه. لأكثر من ساعتين، كما يروي هيكل، راح مازاروف يحقق مع القائد الفلسطيني عن موقف جماعته من مستقبل إسرائيل ومن القرارات الدولية التي تعطيها الحق في الجزء الأكبر من فلسطين. بعد أسابيع حصل القادة الفلسطينيون على شحنة صغيرة من الأسلحة تضمر من المعنى السياسي أكثر مما تحمله من الأهمية العسكرية. وما كان ذلك ليحدث لو لم تكن بعض التشكيلات الفلسطينية القومية قد تحوّلت إلى الماركسية، كما يذهب هيكل.

يبقى وجود إسرائيل في الحسابات كلها خارج الحسابات. ومن المثير ملاحظة أن جزءاً كبيراً من اليهود الروس قد انتقلوا إلى فلسطين، منهم قرابة مليون فرداً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن جزء كبيراً من يهود أوروبا الغربية قد انتقلوا إلى أميركا. وصارت الأمور إلى أن شكل يهود أميركا قوى مؤثرة، سياسياً ومالياً، هدفها دفع الولايات المتحدة إلى تقديم دعم غير محدود لدولة إسرائيل التي يشكل “اليهود السوفييت” غالبية سكانها البيض. في مكان ما، النسخة الغربية من مكّة، جسّرت اليهودية الهوّة السحيقة بين العالمين المتصارعين.

أشعلت قضية غزة حرباً ثقافية في الداخل الغربي على مستويات معرفية وثقافية وأكاديمية مختلفة. فبينما تعاملت الديموقراطية الأوروبية مع “الخطوط الحمراء” بهدوء، كأن يخسر الإعلاميون والأكاديميون الذين ينتقدون العدوان على غزة وظائفهم دون ضجيج، فإن الترامبية الأميركية تسلك في هذا الشأن طريق الضجيج. فقد حدد نظام ترامب كوداً لغوياً في المراسلات الفيدرالية يستبعد كلمة فلسطين، كما طالب بوضع قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا تحت إشراف قوات الأمن. علاوة على ذلك فإن تجريم أي نشاط طلابي يدين أفعال الجيش الإسرائيلي يمثّل، بصلافته ولا-قانونيته، تجريفاً خطراً لأهم المبادئ الأخلاقية التي تستند إليها الديموقراطية: حرية التفكير وحرية التعبير. صارت قضية محمود خليل، الذي قاد نشاطاً طلابياً مسانداً لغزة وصدر بحقه أمر ترحيل، إلى ما يشبه حكاية الضابط اليهودي- الفرنسي دريفيس، الذي اتهم بالتجسس لصالح الجيش الألماني في العقد الأخير من القرن التاسع عشر.

تستطيع الأكاديميا أن تختار مواضيعها لتتحدث عنها، وبمقدور الثقافة الشيء نفسه. غير أن تلك الاستطاعة، في السياق الديموقراطي، محكومة بما كان تشوميسكي يسميه “إطار الحديث” أو “مصنع الإجماع”. أي حرية الحركة والقول داخل إطار محدد سلفاً. والتحديد هنا يكون أخلاقياً وفلسفياً وحتى لغوياً. الإطار المتعلق بالشأن الإسرائيلي لا يسمح باستخدام أكواد لغوية معينة مثل الهولوكوست والإبادة البشرية، ولا حتى استعارة مصطلح النكبة. داخل المنظومة الليبرالية تبدو حرية التعبير، بما في ذلك التعبير العلمي الأكاديمي، محدودة وضيقة بطريقة لا تختلف كثيراً عن نظيرتها في العالم “غير الليبرالي”. ففي العام 1900م قررت جامعة ستانفورد طرد عالم الاجتماع الشهير إدوارد روس بسبب كتاباته الناقدة لأفعال وهيمنة شركة سكّة حديد أميركا، وكانت السكة تنفق أموالاً كثيرة على الجامعة التي يُدرّسُ فيها السيد روس. اختارت الجامعة الهبة المالية على حريّة التعبير. بعد أكثر من قرن من الزمن اختارت جامعة كولومبيا، ولفيف واسع من الجامعات المرموقة، الهبات المالية على حساب حريّة التعبير. فالجامعات، داخل السوق الليبرالية الكبرى، حرّة في عطائها الأكاديمي والمعرفي ما لم تقترب من الأسوار التي حددها المانحون “الخيّرون”. فقد وجدت جامعة كولومبيا نفسها أمام حقيقة تقول إنها، إن لم تكبح جماح الطلبة والأساتذة، ستخسر من فورها ما يقارب نصف مليار دولار هي في مسيس الحاجة إليها.

في ديسمبر من العام الماضي، 2024، نشرت مؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير FIRE نتائج استطلاعها الواسع تحت عنوان “الصمت في الفصول الدراسية”. شمل الاستطلاع 55 مؤسسة أكاديمية أميركية وما يداني سبعة آلاف أكاديمي أميركي. يعد ذلك الاستطلاع الأكبر، والأهم، من نوعه حول حرية التعبير في الفضاء الأكاديمي. من النتائج المثيرة التي كشفتها الدراسة أن 35% من الأكاديميين خففوا من كتاباتهم بسبب الخوف. هذه النسبة تساوي تقريبًا أربعة أضعاف النسبة التي ذكرها علماء الاجتماع عندما تم طرح عليهم السؤال نفسه في العام 1954، في الفترة المكارثية المعروفة بقمع كل أشكال حرية التعبير. وفيما يخص المسألة الفلسطينية قال 70% إنهم يمارسون رقابة ذاتية. في جامعة هارفارد، الشهيرة، قال 84% إن خوض نقاش حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني مسألة غاية في الصعوبة. وقال أحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة كولومبيا لمؤسسة FIRE “لا يخاف المرء من العقاب بقدر ما يخاف من أن يتم حظره أو وضعه في قائمة سوداء. كل شيء يحدث من خلال النميمة والتواطؤ”.

الليبرالية فكرة حول السوق، وهي فلسفة تذهب إلى تسليع كل شيء بما في ذلك حريّة التعبير والحقوق الفردية. وبما أن السوق الليبرالية صارت أكثر تعقيداً مما كانت عليه في خمسينيات القرن الماضي، فإن القيم الليبرالية التي تقع على هامش السوق، مثل حرية التعبير ومدونة الحقوق الفردية، صارت من التعقيد بمكان حتى إنه ليصعب تخيّل وجودها في أحيان كثيرة. رسم تشوميسكي حرية الصحافة على نحو كاريكاتوري عامر بالدلالة. فالصحيفة تعيش على الإعلانات، كمصدر دخل مركزي، وليس بمقدورها أن تدّعي غير ذلك. من أجل أن تحصل على حقوق الإعلانات عليها أن تقنع المُعلن أنها تتمتع بمقروئية عالية، أي لديها ما يكفي من الجماهير. في النهاية فهي تبيع القراء إلى المُـعلن، ثم تبيع بضاعة المُعلن إلى القراء. داخل هذه العملية التبادلية النفعية يصعب تخيل الصحيفة كوسيلة لنقل الحقيقة. إنها تسالعٌ بين طرفين بعيدين كل البعد عن قيم التعبير والحقيقة. ثمّة أمثولة ألمانية تقول “حين تقرأ الصحيفة فأنت لا تعلم ما يدور في العالم وإنما ما هو مكتوب في الصحيفة”.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى