الحديدة بعد “ستوكهولم”.. تثبيت للسيطرة الحوثية وتآكل لحضور الدولة وسط صمت دولي

يمن مونيتور/ الحديدة/ خاص:
كشفت ورقة بحثية حديثة صادرة عن “مبادرة مسار السلام” بعنوان “آفاق السلام في الحديدة” أن اتفاق ستوكهولم، الموقع في ديسمبر 2018، لم ينجح في إحلال سلام فعلي في محافظة الحديدة الاستراتيجية، بل تحوّل إلى أداة لـ”تثبيت السيطرة الحوثية” على مركز المحافظة وموانئها الحيوية، وأتاح للجماعة فرصة لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري والاقتصادي على حساب الدولة والمجتمع المحلي
وتُعد الحديدة، بموقعها على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب، ثاني أكبر محافظة يمنية من حيث الكثافة السكانية (3 إلى 4 ملايين نسمة)، وشريان الحياة الرئيسي لوصول 70% من الواردات الإنسانية والتجارية للبلاد.
تثبيت السيطرة بالقمع والتربح من الميناء
أكدت الورقة، التي أعدها الصحفي والناشط الحقوقي بسيم جناني، أن فترة وقف إطلاق النار تحولت إلى مرحلة “قمع ممنهج” مارسته جماعة الحوثي بحق السكان، حيث استغلت الهدنة لترسيخ سيطرتها الأمنية والاستخباراتية، وفرض واقع “بوليسي خانق”. ومن أبرز مؤشرات هذا القمع:
* الإعدامات خارج القانون: نفذت الجماعة في سبتمبر 2021 إعدام تسعة من أبناء الحديدة علناً، في محاكمة وُصفت بأنها “مسرحية قضائية تدار بقوة السلاح” انتقاماً لمقتل رئيس مجلسها السياسي السابق، صالح الصماد.
* استغلال الموارد لتمويل الحرب: رغم التزام “ستوكهولم” بتوريد إيرادات الموانئ إلى البنك المركزي لدفع رواتب الموظفين، إلا أن الحوثيين استخدموا العائدات لتمويل مجهودهم الحربي. وخلال عام 2022 فقط، بلغت الإيرادات التي جمعتها الجماعة من ميناء الحديدة أكثر من 100 مليار ريال يمني (نحو 170 مليون دولار أمريكي)، تم توجيهها لتمويل العمليات العسكرية وتعزيز البنية الأمنية الخاصة بالجماعة.
* تفاقم الكارثة الإنسانية: تعيش الحديدة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في البلاد، حيث يتجاوز 80% من السكان خط الفقر، في ظل تدهور حاد في الخدمات الأساسية، مثل انقطاع الكهرباء وشبكات المياه والصرف الصحي، رغم أن المحافظة تضم ثلاثة من أهم الموانئ اليمنية (الحديدة، الصليف، رأس عيسى).

تداعيات الانسحاب العسكري والهدنة الإنسانية
أشارت الورقة إلى أن التحركات العسكرية والدبلوماسية اللاحقة عززت من موقف الحوثيين:
* الانسحاب “المُربك”: في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، نفذت “القوات المشتركة” المدعومة من التحالف العربي “إعادة تموضع مفاجئة” في الساحل الغربي بأوامر من قيادة التحالف، انسحبت خلالها من مناطق استراتيجية. ووصف محللون عسكريون هذا التراجع بأنه “تنازل مجاني عن الأرض” أربك التوازنات الميدانية ومنح الحوثيين “فرصة ذهبية” لإعادة الانتشار دون كلفة قتالية.
* الهدنة كـ”نافذة دعم”: نجحت الهدنة الإنسانية (أبريل/نيسان 2022) في تهدئة الجبهات، لكنها سمحت بزيادة عدد السفن الوافدة إلى موانئ الحديدة. وقد استغل الحوثيون توقف العمليات العسكرية لـإعادة التموضع الميداني وتعزيز قدراتهم البحرية والاستخباراتية، مما ضاعف لاحقاً من تهديداتهم للملاحة في البحر الأحمر.

الألغام.. سلاح الحوثيين الصامت
تعد الألغام الأرضية والبحرية التي زرعتها جماعة الحوثي تحدياً كارثياً يهدد حياة المدنيين، لا سيما في الشريط الساحلي، حيث تسببت في خسائر بشرية جسيمة، وعطلت الزراعة وتسببت في نزوح مئات العائلات. وفي هذا السياق، أوضحت ورقة بسيم الجناني:
*بذل مشروع “مسام” السعودي لنزع الألغام جهوداً كبيرة، حيث أعلن عن انتزاع 48,705 لغم وذخيرة غير منفجرة خلال عام 2024 في مختلف أنحاء اليمن، منها آلاف في الساحل الغربي والحديدة تحديداً.
*بالرغم من جهود مشروع “مسام” والبرنامج الوطني للتعامل مع الألغام، فإن هذه الجهود تُعتبر “غير كافية أمام اتساع حجم الكارثة”، مع مطالبات بتحرك دولي أكثر فاعلية، وتنسيق بين الجهات العاملة.
تفعيل دور البعثة الأممية
شددت الورقة على أن تحقيق السلام في الحديدة يتطلب “مقاربة تنموية شاملة” تركز على الأمن والتنمية كركيزتين متلازمتين. وطالبت الورقة بضرورة إعادة النظر في الإدارة الحالية لميناء الحديدة، على أن تكون إدارة مدنية يتفق عليها من أبناء المحافظة، وتُسخر جزءاً من مواردها لدفع رواتب الموظفين وتحسين الخدمات الأساسية.
كما دعت إلى تفعيل دور بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA) بشكل أكثر فاعلية، من خلال:
* تفعيل المساءلة وفقاً للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات عقابية ضد من يعرقل السلام.
* إشراك القوى السياسية والمحلية من أبناء المحافظة في وضع وتنفيذ كافة جوانب الاتفاقية (العسكرية، الإدارية، الأمنية، والاقتصادية).
* قيادة جهود إزالة الألغام، خاصة في المناطق الساحلية والزراعية.



