الأغنية الوطنية.. بندقية الثورة وذاكرة الجمهورية في مواجهة “الطمس الحوثي”

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عميد المهيوبي
منذ انطلاق شرارة ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول 1962 والرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1963، لم تكن الأغنية الوطنية مجرد أنغام تطرب الآذان، بل تحولت إلى رافعة روحية وثقافية رافقت مسيرة النضال اليمني. ومثّلت أداةً للتعبئة الشعبية وشكّلت ذاكرة جمعية تُستحضر في كل مناسبة وطنية، لتبقى حيّة في وجدان الأجيال جيلاً بعد جيل.
لم يكن الفن في تلك المرحلة ترفًا، بل سلاحاً من نوع آخر يوازي أثرة البندقية والمدفع. حيث حملت الأغنية الوطنية مضامين سياسية وتاريخية، جسّدت روح الثورة، وحفزت الجماهير على الانخراط في مسيرة التحرر من الإمامة شمالًا والاستعمار جنوبًا. ورغم تقلبات السياسة وتبدل المراحل، ظل هذا الفن شاهدًا حيًا على صمود اليمنيين، وذاكرةً سمعية تروي ملاحم التحرر، وجزء من الوجدان الجمهوري والذاكرة الجمعية للشعب اليمني بشماله وجنوبه.
إسكندر ثابت: صوت عدن في مواجهة الإمامة والاستعمار
في خمسينيات القرن الماضي، بزغ اسم الفنان العدني “إسكندر ثابت” كأحد رواد الأغنية الوطنية وصوتٍ مقارعٍ للإمامة. انطلق صوته من إذاعة صوت العرب بالقاهرة عام 1954م بأغنيته الشهيرة “نشيد اليمن” التي كتبها ولحنها بنفسه.
لم يتوقف تأثير ثابت عند حدود الطرب، بل تجاوزها إلى التأثير المباشر على المشهد السياسي. فبعد انتشار أغنيته الشهيرة “يا ظالم ليش الظلم ذا كله” – من كلمات الثائر عبد الله هادي سبيت – أصدر الإمام أحمد حميد الدين حكمًا بالإعدام غيابيًا عليه، في مؤشر واضح على خطورة الكلمة الوطنية حين تصاغ في قالب فني.
بين عامي 1954 و1956، سجّل ثابت مجموعة من الأناشيد الخالدة لثورتي سبتمبر وأكتوبر، مثل “يا مسافر من ضفاف النيل”، و”سلامي ألف للدولة وللعسكر”، و”يا فرحة شعب اليمن”، و”هدوا الظلم في يومين”. لم تكن هذه الأعمال مجرد أغانٍ عابرة، بل وقودًا معنويًا حرّك الجماهير شمالًا وجنوبًا، وفتح الطريق أمام جيل من الفنانين حملوا على عاتقهم مهمة التعبئة الوطنية.
علي الأنسي: الفنان المقاتل
يُعتبر الفنان علي بن علي الأنسي أيقونة ثورية لا تقل أثرًا عن سلاح المدفعية. فقد صدح مبكرًا بعمله الشهير: “في ظل راية ثورتي أعلن جمهوريتي”، الذي أصبح فيما بعد نشيدًا رسميًا للجمهورية العربية اليمنية قبل الوحدة.
تميز الأنسي بأنه لم يكن مطربًا منزوياً عن واقع شعبه، بل كان جزءًا من ميدان المعركة. وخلال حصار السبعين عام 1967، كان يتنقّل بآلته الموسيقية مرتديًا بزته العسكرية بين الجبال والمعسكرات، لإلهاب الحماس وشحذ العزائم. هذه التجربة الفريدة جسّدت تلاحم الفنان بالمقاتل، وحوّلت صوته إلى رفيق يومي للثوار.
من أشهر أعماله “باسم هذا التراب”، و”جيشنا يا ذا البطل”، و”تشكر تشكر يا سبتمبر”، “في ظل راية ثورتي”، و”نحن الشباب” وهي أغانٍ لم تكن مجرد أعمال فنية، بل بيانات سياسية بصوت موسيقي، وجميعها لا تزال حاضرة في ذاكرة اليمنيين.
الأغنية الوطنية: سجل سمعي لذاكرة الثورة
يؤكد الفنان نجيب سعيد ثابت، وكيل قطاع الفنون والمسرح بوزارة الثقافة والإعلام: “أن الأغنية الوطنية كانت ولا تزال السلاح الأول لمقارعة أعداء الجمهورية”.
ويضيف في حديث لـ”يمن مونيتور”: “لقد لعبت الأغنية الوطنية دورًا محوريًا في التحشيد لثورة 26 سبتمبر، وثورة 14 أكتوبر، إذ حملت رسائل الثوار بلغة قريبة من وجدان الشعب، فتحولت إلى سجل سمعي يوثّق نضالات اليمنيين ويخلّدها في الذاكرة”.
وقال إن هذه الأغاني: نقلت رسائل الثوار بلغة قريبة من وجدان الشعب، لتتحول لاحقًا إلى سجل سمعي لذاكرة الثورة اليمنية.
وأشار إلى أن هذه الأغاني شكّلت جدارًا صلبًا في مواجهة الإمامة والاستعمار، وأسهمت في خلق وعي جمعي جمهوري. كما لفت إلى أسماء فنانين تركوا بصمة لا تُمحى، مثل: محمد مرشد ناجي، أحمد قاسم، علي الأنسي، أحمد السنيدار، محمد سعد عبد الله، محمد محسن عطروش، عبد الله السمه، فرسان خليفة، وحسن عطا.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم الفنان محمد البصير الذي -رغم فقدانه للبصر- أبدع في غرس الروح الوطنية بأغنيته الشهيرة “جمهورية من قرح يقرح”، والتي ما تزال حية في الذاكرة الشعبية لتبقى شاهدة على أن البصيرة الثورية أقوى من أي إعاقة.
كما أبرز ثابت الدور الريادي للفنان أيوب طارش عبسي، صاحب النشيد الوطني ومجموعة من الروائع الخالدة مثل “املؤ الدنيا ابتسامة” و”يا سماوات بلادي”، والتي تُمثّل صوت الجمهورية وروح الثورة في وجدان الأجيال المتعاقبة.
الزامل السلالي: انقلاب ثقافي يهدد الهوية
وفي مقابل هذا الإرث الفني الوطني العريق، تمارس جماعة الحوثي منذ سنوات عملية تجريف ممنهجة للهوية الثقافية اليمنية. إذ تستبدل الأغنية الوطنية بالـ”زوامل”، وتوظفها كأداة دعائية تمجّد السلالة وتشرعن مشروعها الطائفي.
ويرى نجيب ثابت أن جماعة الحوثي تمارس انقلابًا ثقافيًا موازيًا لانقلابها السياسي، عبر استبدال رموز الوطن برموز طائفية ضيقة. ويبرز “الزامل الحوثي” كأداة دعائية، تحوله من تراث شعبي إلى وسيلة تعبئة تمجد السلالة، بهدف إلغاء الحكم الجمهوري.
كما تسعى الجماعة إلى طمس النشيد الوطني واستبداله بالزوامل التي تمجد السلالة وتنشر الطائفية، في محاولة لإعادة تشكيل وعي اليمنيين وفق أيديولوجيا دخيلة تُعادي الجمهورية وتُقصي دور الفن والثقافة.
الأغنية الوطنية: ذاكرة الثورة ونبض الجماهير
من جانبه، يرى الفنان هشام عبد الجبار نعمان أن الأغنية الوطنية لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت تجسيدًا حيًا لمشاعر الغضب والرفض ضد الاستبداد والاحتلال.
وقال لـ”يمن مونيتور” إن الأغاني الوطنية لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ جذور ثورة 26 سبتمبر في وجدان الشعب.
وأضافت: “لقد لعبت الأغنية الوطنية دورًا كبيرًا في تعزيز صمود اليمنيين وإلهامهم. إنها ذاكرة الثورة ونبض الجماهير، وما تزال قادرة على رفع الروح المعنوية وإيصال الرسائل الوطنية والسياسية والثقافية للناس.”
وقال إن الأغاني القديمة امتازت بعمق تأثيرها؛ لأنها انطلقت من قلب الشعب وتعبّر عن آماله وتطلعاته، وما تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية وتحظى بشعبية واسعة.
ويرى أن الأغنية الوطنية لم تفقد دورها الأساسي، فهي ما زالت قادرة على رفع الروح المعنوية للجماهير، وإلهام الثوار، وتعزيز صمودهم في مواجهة التحديات، كما أنها أداة مهمة لنقل الرسائل الوطنية والسياسية والثقافية إلى الناس.
ووجه نعمان رسالة إلى الفنانين الشباب دعاهم فيها إلى استلهام إرث الأغنية الوطنية الأصيلة وصناعة فن يمنح الناس الإيمان والثبات. كما ناشد الجمهور بعدم التفريط في هذا الإرث الفني، قائلًا: “لا تتركوا الأغنية الوطنية تموت، فهي نبضكم وصوت ثورتكم.”
لم تكن الأغنية الوطنية في اليمن مجرد فن للتسلية، بل كانت شعلة أضاءت دروب الثورة، وصوتًا جمعيًّا حرّك الجماهير ورافق المقاتلين في الخنادق والساحات. لقد شكّلت ذاكرة صوتية لثورات سبتمبر وأكتوبر، ورسّخت قيم الجمهورية في الوجدان الشعبي شمالًا وجنوبًا.
ومع محاولات طمس الهوية واستبدال هذا الإرث برموز طائفية دخيلة، يظل الحفاظ على الأغنية الوطنية وتجديد حضورها مسؤولية جماعية، تقع على عاتق الفنانين والجمهور والمؤسسات الثقافية. فهي ليست مجرد أنغام من الماضي، بل نبض حاضر ومستقبل، وصوت مقاومة متجددة يذكّر الأجيال أن الحرية لا تُصان إلا بالوعي، وأن الثورة تبقى حيّة ما دام نشيدها يتردّد في الذاكرة والقلوب.



