كتابات خاصة

أخي اليمني: احذر استنزافك بعيدا عن احتياجاتك

الوعي في اليمن لم يعد مجرد انعكاس للأحداث اليومية، بل تحوّل إلى ساحة معركة موازية تدور بصمت داخل فضاء منصات التواصل الاجتماعي. فما يبدو للوهلة الأولى مجرد نقاشات عابرة أو جدالات بين مؤيدين ومعارضين، ليس إلا جزءا من تكتيك مدروس يهدف إلى إعادة توجيه بوصلة الناس بعيدا عن قضاياهم الجوهرية المرتبطة بمعيشتهم وأمنهم وحاضرهم اليومي. وفي كل مرة تُفتح فيها نقاشات هامشية أو تُطلق حملات مثيرة للجدل حول قضايا ثانوية أو أحداث خارجية، يُساق المواطن، بقوة الجاذبية العاطفية، إلى مسار بعيد عن أولوياته الحقيقية، ليجد نفسه مستنزفا في معارك وهمية بينما يمرّ واقعه القاسي بلا مساءلة أو محاسبة.

هذه الاستراتيجية تقوم على مبدأ بسيط لكنه فعّال: إغراق المواطن في نقاشات جانبية لا علاقة لها بقضاياه اليومية، ودفعه للتفاعل مع موضوعات بعيدة كل البعد عن أولوياته الحقيقية، وهكذا يجد المواطن نفسه يستهلك وقته وجهده في التعليق والمجادلة على قضايا لا تمس حياته المباشرة، بينما يظل الغلاء، وانهيار العملة، وغياب الرواتب، وتردي الخدمات، بلا مساءلة ولا ضغط شعبي جاد.

يلاحظ المتابع كيف تُفتح بين الحين والآخر نقاشات صاخبة حول قضايا ثانوية، أو حول أحداث خارجية لا تمس اليمني بشيء، وقد تكون هذه القضايا مرتبطة بصراع إقليمي، أو بسجال أيديولوجي، أو حتى بجدالات تاريخية بعيدة، لكنها تقدم بجرعة عالية من الإثارة والعاطفة كي تستفز المواطن وتدفعه للانخراط. هنا يتحقق الهدف: المواطن الذي كان يفترض أن يسائل سلطاته عن راتبه المنقطع، أو عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أصبح منشغلا في سجال عقيم حول قضية لا تمثل أولوية ولا تحل أزمة.

الأخطر من ذلك أن هذه النقاشات ليست عفوية كما قد يظن البعض، إنها تُدار وتُسوّق بوعي كامل، ضمن خطة تخدم سلطات الأمر الواقع وأمراء الحرب. فحين يتفاعل الناس مع هذه القضايا، فإنهم يساهمون، من حيث لا يشعرون، في تعزيز آلة دعائية هدفها النهائي هو إبعاد الأنظار عن القضايا الجوهرية، وبالتالي يتحوّل وعي الناس إلى وقود في ماكينة الاستنزاف، بدلا من أن يكون قوة ضاغطة على من ينهب حقوقهم.

لكن ماذا يمكن أن يفعل المواطن العادي أمام هذه الموجة الهائلة من الدعاية؟ الجواب يكمن في تحويل الحسابات الرسمية للمسؤولين والقيادات والناشطين إلى منصات مساءلة مفتوحة. فإذا كان المسؤول يملك الجرأة ليكتب باسم حقيقي في فضاء عام، فمن حق المواطن أن يدخل ويعلق ويسأله: أين الراتب؟ لماذا تنهار الخدمات؟ ما سبب غلاء الأسعار؟ أين ذهبت موارد الدولة؟ هكذا فقط يمكن قلب المعادلة: من آلة دعائية تسحب الناس بعيدا عن همومهم، إلى مساحة محاكمة شعبية تضع الفاسدين أمام مرآة فشلهم.

وفي هذا السياق، هناك أمر جوهري يجب على المواطن أن يتوقف عنه فورا: ثقافة المديح والتطبيل، لا ينبغي أن يتحول المواطن إلى “مدّاح” في بلاط المسؤول أو السياسي أو الناشط أو الداعية أو أي فهلوي يحاول أن يصنع لنفسه هالة كاذبة. عبارات مثل “وفقك الله” أو “بارك الله فيك” أو “شكرا لكم” لا تطعم جائعا ولا تخفض أسعار السلع ولا تعيد الرواتب، لذلك المطلوب أن يقتصر تعليق المواطن على أولوياته، وأن تكون أسئلته مرتبطة بمعاناته المباشرة فقط.

إذا كان المنشور بعيدا عن تلك الأولويات، فلا مانع من الدخول والتذكير بها، وطرح سؤال مباشر عن الراتب أو الخدمات أو الفساد، المهم أن لا ينجرّ المواطن لما يريده الآخرون من تفاعل بعيد عن جوهر قضاياه، والأهم أن لا يتحول إلى آلة مديح ودفاع أهوج عن أشخاص لا يعنيهم جوعه ولا فقره. إن كان يملك الشجاعة ليكتب باسمه الحقيقي فليفعل، وإن لم يستطع فليكتب باسم مستعار، لكن عليه أن يتذكر دائمًا أن صوته لا قيمة له إن لم يكن صدى لاحتياجاته.

إن المواطن اليمني لا يملك برلمانا حقيقيا يحمي مصالحه، ولا قضاءً مستقلا يذود عن حقوقه، ولا نقابات أو أحزاب تدافع عنه؛ كل تلك المؤسسات إما ضعيفة أو مسيطر عليها لخدمة قياداتها، لهذا يصبح الفضاء الرقمي هو المساحة الوحيدة المتبقية، التي يمكن أن تتحوّل إلى برلمان افتراضي وقاعة محاكمة دائمة. لكن ذلك لن يحدث إلا إذا أدرك الناس خطورة الانجرار وراء الأجندات الدعائية، وقرروا أن يركزوا على أولوياتهم المعيشية.

ما يجب أن يكون قاعدة أساسية لكل مواطن هو أن أي منشور لا يتصل مباشرة بجوعه، بفقره، بتعليم أولاده، أو بصحته، ليس أولوية، وإذا أراد أن يعلّق أو يشارك، فليكن تعليقه في اتجاه مشكلاته الواقعية لا في اتجاه قضايا مصطنعة، وإذا دخل في نقاش مع مسؤول أو ناشط مرتبط بسلطة ما، فليكن النقاش في إطار المساءلة لا في إطار التفاعل العاطفي.

ولعل المثال الأوضح على هذه الاستراتيجية يظهر في الحملات التي يُطلقها الحوثيون وأبواقهم الدعائية والتي تتناول قضايا خارجية كالصراع الإقليمي أو التوترات الدولية، في الوقت الذي يعاني فيه السكان في مناطق سيطرتهم من غياب الخدمات وارتفاع الأسعار والحرمان من الرواتب ومصادرة الحريات، وكل هذه الحملات تهدف إلى شغل الناس عن معاناتهم اليومية، وإقناعهم بأن هناك معركة أكبر تستحق اهتمامهم. لكن النتيجة أن المواطن يجد نفسه يشارك في نقاش لا يغير من واقعه شيئا، بينما تستمر أزماته الحقيقية في التفاقم.

الأمر نفسه يحدث في معسكرات “المجلس الرئاسي” وداعميهم الخارجيين، حيث تُستخدم أدوات مشابهة مثل الوسوم (الهاشتاجات) لصرف الانتباه عن الفشل الاقتصادي أو عن فساد في مؤسسات الدولة، وهنا يصبح المواطن ضحية مزدوجة: ضحية للسلطة التي تنهب موارده، وضحية للآلة الدعائية التي تستهلك وعيه.

إن مقاومة هذه الاستراتيجية تبدأ من وعي بسيط لكنه حاسم: لا تنجرّ وراء ما لا يمس حياتك المباشرة، اسأل دائما عن راتبك ودوائك وخبزك، ولا تمنح وقتك لمن يريد سرقته منك، والأهم: لا تكن مطبلا ولا مداحا، بل كن سائلا ومحاسبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى